Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ينجح الدين حيث فشلت السياسة لإصلاح العلاقة بين الجزائر وفرنسا؟

رسالة من عميد جامع باريس الكبير ورئيس الأساقفة إلى مسؤولي البلدين لتقديم خطاب يرسخ قيم المصالحة والسلام

لقاء بين تبون (يمين) وحفيز (مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

حذر كل من عميد جامع باريس الكبير ورئيس أساقفة الجزائر، في رسالة إلى مسؤولي الجزائر وفرنسا، نشرتها صحيفة "لو موند"، من سلبيات استمرار التوترات الدبلوماسية بين البلدين، وشددا على ضرورة تجنيب الشعوب تبعات الأزمة وتقديم خطاب يرسخ قيم المصالحة والسلام.

يبدو أن تخفيف حدة الأزمة بين الجزائر وفرنسا بات صعب التحقيق في ظل القبضة الحديدية وسياسة لي الذراع المعتمدة بين البلدين، غير أن نداء عميد مسجد باريس الكبير شمس الدين حفيز، ورئيس أساقفة الجزائر الكاردينال جان بول فيسكو، أعاد الأمل في إمكان إطلاق عملية ترميم قبل فوات الأوان، فهل ينجح رجال الدين في ما فشل فيه الساسة؟

بين "رسالة" و"نداء"

فقد حذر كل من عميد جامع باريس الكبير ورئيس أساقفة الجزائر، في رسالة إلى مسؤولي الجزائر وفرنسا، نشرتها صحيفة "لو موند"، من سلبيات استمرار التوترات الدبلوماسية بين البلدين، وشددا على ضرورة تجنيب الشعوب تبعات الأزمة وتقديم خطاب يرسخ قيم المصالحة والسلام، وأكدا أن هذا الموقف لم يأت من فراغ، بل من قناعة عميقة بأن الأخوة ليست مجرد شعار يرفع عند الحاجة، وإنما تجربة إنسانية حقيقية تتغذى من التاريخ الشخصي والجماعي ومن الانتماءات الدينية والثقافية التي جمعت بين الشعبين. وأوضح الرجلان أن التوتر الحالي بين فرنسا والجزائر يجد تفسيره في ماض مثقل بالجراح والآلام التي لم تعالج بالصدق الكافي، وأشارا إلى أن غياب كلمات المصالحة في الأعوام الماضية حال دون فتح أفق جديد قائم على السكينة، غير أن الفرصة لم تفقد بعد، إذ لا يزال هناك إمكان لبناء مستقبل مشترك يقوم على الحقيقة من دون إذلال، وعلى المصارحة من دون تحريف للذاكرة، واستحضرا، في هذا السياق، مقولة نيلسون مانديلا الشهيرة بأن "المصالحة لا تعني النسيان، بل التحرر من أسر الماضي".

 

لا لتحويل الذاكرة إلى صراع سياسي وأداة للتوظيف الضيق

ودعا حفيز وفاسكو إلى تجنب تحويل الذاكرة التاريخية إلى ساحة صراع سياسي أو أداة للتوظيف الضيق، مطالبين بخطاب يضع في المقدمة ما يوحد الشعبين لا ما يفرقهما، وأبرزا أن خطورة الوضع تكمن في أن يدفع الجزائريون المقيمون في فرنسا أو الفرنسيون في الجزائر ثمن خلافات سياسية لا يد لهم فيها، كما أن المسلمين والمسيحيين في البلدين لا ينبغي أن يتحملوا نتائج تنافس دبلوماسي بين الدولتين، وقالا إن المستقبل المشترك بين الجزائر وفرنسا أهم بكثير من حسابات الماضي، وأن مهمة بناء السلام ليست ترفاً أو مجرد وعظ ديني، بل مسؤولية سياسية وروحية وإنسانية يتحملها الجميع، واستشهدا بالكاتب الفرنسي أندري مالرو الذي قال إن "القرن الـ21 سيكون روحانياً أو لن يكون".

وتوقف القائمان على المبادرة عند معنى الأخوة التي يدعوان إليها، موضحين أنها ليست فكرة طوباوية ولا شعاراً مثالياً، بل عمل يومي يتجسد في الانفتاح، والالتزام الصادق، والانتصار لقيم الحوار والكرامة، وشددا على أنها أخوة تنبع من الجذور الدينية لكنها تتوافق تماماً مع قيم الجمهورية الفرنسية، أخوة ترفض الوصم وتفتح ذراعيها للجميع بلا استثناء، وتحول التنوع من مصدر خوف إلى مصدر ثراء مشترك.

وقال المسؤولان الدينيان إن الأخوة بينهما تتجلى في كون كل واحد منهما يمثل جماعة دينية تعيش في وضع الأقلية داخل مجتمع أوسع تحكمه تقاليد أخرى، وهو ما لم يكن ضعفاً بقدر ما كان باعثاً على اليقظة والتفاعل المثمر، وأوضحا أن الاختلاف ليس تهديداً، بل فرصة حقيقية للتكامل والتعايش، وأن المواطنة الكاملة لا تعني التخلي عن الإيمان، بل ممارسته بروح المسؤولية والاحترام المتبادل، مشددين على أنهما يحملان انتماء مزدوجاً وصادقاً لفرنسا والجزائر، انتماء لا يجعل منهما أقل جزائريين أو أقل فرنسيين، بل كاملا الانتماء إلى كلتا الضفتين في آن واحد، وأكدا أن بناء هذا المستقبل يتطلب كثيراً من الصبر والشجاعة، لكنهما على يقين أن هذا هو الطريق الوحيد الذي يليق بتاريخ البلدين وشعبيهما، وأنه السبيل الأجدر لطي صفحات الماضي المؤلم والانطلاق نحو علاقة متينة قائمة على الصداقة والاحترام المتبادل.

 

قبول في العاصمتين؟

ويظهر جلياً أن هناك من حرك الرجلين، لا سيما أن عميد مسجد باريس، له مكانة خاصة في الجزائر وفرنسا، إذ عرفت الفترة السابقة زيارات متكررة له إلى الجزائر ولقاءات مع الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، كما التقى، مرات عدة، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدداً من الوزراء في باريس، مما يكشف عن وجود قبول في العاصمتين بنسب متفاوتة، من أجل تخفيف حدة التوتر وتهدئة الأوضاع تحضيراً لوساطة تطوي الخلافات، تقودها دولة "الفاتيكان" وفق ما ذكرت مصادر فرنسية.

وبغض النظر عمن يقف وراء الخطوة، تأتي الرسالة في سياق السعي إلى المصالحة وقطعاً للطريق أمام دعاة "التطرف والعنصرية" الذين يعبثون بمستقبل الشعبين الجزائري والفرنسي من أجل مصالح سياسية شخصية ضيقة، حولت العلاقات بين البلدين إلى انسداد سياسي مزمن، وعبء ثقيل على الحكومتين، يهدد بمناخ دائم من التوتر وفقدان الثقة، كذلك فإن النداء يعكس بأن السياسة المعتمدة في حل الأزمة وصلت إلى طريق مسدود، وتجاوزها عبر المفاوضات الدبلوماسية التقليدية غير ممكن، بل كشفت الخطوة عن قنوات بديلة قد تبعث أملاً في تحقيق تقدم نحو الهدوء، وذلك عبر الدين الذي يعتبر قوة ناعمة تستطيع النجاح في ما فشلت فيه السياسة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسم مستقبل مشترك

في السياق رأت الناشطة السياسية نجاة زروقي أن نداء عميد مسجد باريس الكبير شمس الدين حفيز ورئيس أساقفة الجزائر الكاردينال جان بول فيسكو، تمحور حول رسم مستقبل مشترك بين البلدين أساسه الأخوة والمحبة الإنسانية، "إضافة إلى التحذير من تحول التوترات الدبلوماسية إلى صراعات من شأنها التأثير مستقبلاً في مواطني البلدين، وكذلك معالجة ملف الذاكرة بناءً على الحقيقة التاريخية، وأخيراً ضرورة تفعيل الجانب الروحي والمعنوي وتوجيه العلاقات نحو مسار المصالحة"، وقالت إن البيان يعكس دور الدبلوماسية الدينية في استخدام الخطاب الروحي والأخلاقي لمحاولة تحسين العلاقات المتوترة بين البلدين. وتابعت زروقي، "أن حفيز وفيسكو ركزا في النداء على ضرورة تفعيل الروابط الإنسانية والدينية والثقافية القوية بين الشعبين الجزائري والفرنسي، على اعتبار أن الأخوة الإنسانية أكبر من أية تعقيدات سياسة أو حتى خلافات وتوترات دبلوماسية"، مبرزة أن المبادرة قدمت قوة روحية كبيرة في استعمالها الدين من أجل مخاطبة قلوب الشعبين الجزائري والفرنسي بدلاً من اعتماد الدبلوماسية الرسمية التي لا تحظى غالباً بتأثير مباشر في الشعوب، "ومن ثم فمحاولة تليين العلاقات المتوترة عبر خطاب ديني قد تفشل في غياب الإرادة السياسية الفعالة"، وأوضحت أن نجاح المبادرة يتوقف على مدى استعداد الساسة لتفعيلها وتحويلها إلى خطوات عملية فعلية تتبنى فحوى البيان.

وواصلت الناشطة السياسية أن ملف الذاكرة الذي يعد من بين أهم جذور الخلافات العميقة يصعب حله بمجرد بيان ديني، كذلك فإن التعقيدات الاقتصادية والأمينة بين البلدين تستدعي التوقف من أجل معالجة عقلانية، وختمت أن هذه المبادرة الدينية تعد خطوة مهمة من الناحية الإنسانية "لكنها قد لا تكون وحدها كافية لتجاوز المشكلات التي فشلت السياسة في حلها، إلا عبر فتح نوافذ للحوار الأوسع إن وجدت الإرادة السياسية".

في المقابل، اعتبر الحقوقي حاج حنافي "أن الدين لا يمكن أن يصلح ما أفسدته السياسة، فالأزمة بين الجزائر وفرنسا لها منعطفات، فهي تاريخية مستمرة وثقافية شائكة واقتصادية عظمى".

علاقة احترام وتقدير وتفاهم

وتجمع عميد جامع باريس الكبير ورئيس أساقفة الجزائر علاقة احترام وتقدير وتفاهم، فقد دافع فيسكو عن حفيز في أعقاب الجدل الذي أثاره التحقيق المطول الذي نشرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية حوله، يرصد ما وصفته بالدور الخفي وغير المعلن في إدارة العلاقات بين باريس والجزائر، بخاصة في فترات الأزمات، واعتبرته السفير الحقيقي للجزائر في فرنسا.

وقال رئيس أساقفة الجزائر في تصريح "احترامي لأخي عميد الجامع الكبير في باريس، الذي يمكنه، بحق، أن يفتخر بكونه سفير سلام بين فرنسا والجزائر! من الأصعب أن ترغب في بناء الجسور، بدلاً من إطلاق صرخات حرب يعاد تمثيلها بلا نهاية ومآلها الخسارة مسبقاً! كيف يمكن أن يكون قادة فرنسيون من أعلى مستوى يجهلون الجزائر إلى هذا الحد؟".

قنوات التواصل بين باريس والجزائر

وأبرز التقرير أن حفيز يتحرك في مساحة حساسة تجمع بين النفوذ الديني والسياسي، وأنه يشكل قناة خلفية للتواصل بين العاصمتين عندما تتوقف الاتصالات الرسمية، مستشهداً بقضايا مثل قضية الكاتب الفرنكو- جزائري بوعلام صنصال، المعتقل في الجزائر، وملف التعاون الأمني الذي جمدته الجزائر، إلى جانب ملفات استراتيجية مرتبطة بالهجرة والخطاب الديني واعتماد الأئمة الموفدين إلى فرنسا، إضافة إلى علاقاته الوثيقة بالرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، الذي يستقبله بانتظام في قصر المرادية، وبالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي منحه وسام جوقة الشرف ودعاه إلى مناسبات رسمية، مشيراً إلى أن هذه الصلات جعلته لاعباً أساساً في إدارة التوازنات بين البلدين.

وأشارت "ليبراسيون" إلى أن حفيز، المعروف في الأوساط الفرنسية باسم "شمس"، يتمتع بصورة رجل مثقف ولبق، يدعو في العلن إلى التعايش والاندماج، لكنه في نظر بعض منتقديه شخصية مزدوجة تتحرك أيضاً في دائرة النفوذ الجزائري، وقال إن الأزمة الدبلوماسية الراهنة جعلت من شخصيات مثل حفيز إحدى القنوات النادرة المتبقية للتواصل بين باريس والجزائر على رغم الجدل الذي يرافق صورته في فرنسا بين الاحترام والشبهة.

فرنسي جزائري

وتحصل رئيس أساقفة الجزائر على الجنسية الجزائرية عام 2023 بموجب مرسوم رئاسي، وأكد أنه "يتجنس بالجنسية الجزائرية ضمن شروط المادة الـ10 من الأمر رقم 70-86 المؤرخ في الـ15 من ديسمبر (كانون الأول) عام 1970، والمتضمن قانون الجنسية الجزائرية المعدل والمتمم، الشخص الآتي اسمه: فيسكو جون بول المولود في الـ10 من مارس (آذار) عام 1962 في ليون بفرنسا، ابن مارين فيسكو ومونيك دونيز أدريان شايان، المقيم بوهران". وتم تعيين فيسكو رئيساً جديداً لأساقفة الجزائر في ديسمبر عام 2021، بعدما شغل منصب أسقف وهران بغرب البلاد، كذلك شغل منصب النائب الأسقفي العام للأبرشية بوهران من عام 2005 إلى غاية 2010، قبل تعيينه أسقفاً في المدينة ذاتها.

المزيد من تقارير