Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عطلة الصيف في اليونان قد لا تعود لسابق عهدها

من سانتوريني إلى كورفو، تشهد اليونان تغيرات ستفرض تعديلات على رحلاتنا السياحية لهذه الدولة

سياح عند معبد البارثينون الأثري على تلة الأكروبوليس في يونيو (أ ب)

ملخص

اليونان تواجه تحديات كبيرة في سياحتها بسبب الإفراط في الزوار والضغط على البنية التحتية وتغير المناخ وشح الموارد، مما يهدد جاذبية جزرها الشهيرة مثل سانتوريني وميكونوس، بينما تسعى السلطات إلى توزيع السياحة على وجهات أقل شهرة وتبني استراتيجيات مستدامة لضمان مستقبل القطاع.

عندما قرر إيكاروس الهرب من جزيرة كريت بأجنحة مصنوعة من الريش والشمع، تجاهل التحذير بألا يطير على مسافة قريبة من الشمس. وقد استسلم لنشوة التحليق فارتفع عالياً، فأذابت حرارة الشمس الشمع، وسقط في البحر وغرق. قصة إيكاروس هي حكاية تحذيرية من أخطار الطموح المفرط، كما أنها تمثل مجازاً مناسباً لمفترق الطرق الذي يواجهه قطاع السياحة في اليونان اليوم.

كثيراً ما شكلت السياحة أحد أهم ركائز الاقتصاد اليوناني، وعام 2024، كانت مساهمتها فيه بقيمة 21.7 مليار يورو، بيد أن هذا القطاع بدأ يتصدع بعد عقود من النمو المتواصل، مع ما تختبره البلاد من صعوبات بسبب كثرة عدد السياح والضغوط الهائلة على البنية التحتية وأزمة الإسكان والوقع المتزايد لأزمة المناخ – وكلها عوامل من شأنها أن تقوض الطابع الساحر والجذاب الذي يستقطب ملايين الزوار إلى هذه الوجهة سنوياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان محقق الشكاوى اليوناني أصدر صيف العام الماضي تقريراً، دعا عبره إلى معالجة هذه القضايا على جناح السرعة. وجاء في التقرير "اقتصاد بلادنا شديد الاعتماد على السياحة، بالتالي، أصبحت إدارتها بصورة مستدامة ضرورة ملحة". ومن ثم، حذر من مغبة "استنفاد قدرات اليونان وهدرها، وتحويل وجهاتنا السياحية إلى أماكن لا تعود تلقى، مع الوقت، أي اهتمام".

انخفاض في سانتوريني

ومن أبرز الوجهات التي وقعت ضحية هذا الضغط هي سانتوريني - واحدة من جزر مجموعة السيكلاد – المشهورة بغروبها الساحر ومبانيها البيضاء وشواطئها البركانية، وشهدت هذا الصيف انخفاضاً في عدد الزوار الوافدين إليها.

ووفق تقارير إعلامية، تظهر بيانات المطار للفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) إلى مايو (أيار) الماضيين تراجعاً لعدد السياح الوافدين بنسبة 24.4 في المئة مقارنة بالعام الماضي، في تحول ملحوظ لهذه الجزيرة التي اعتادت أن تستقبل أكثر من 5.5 مليون زائر سنوياً، على رغم قلة عدد سكانها الذي لا يتجاوز 15550 نسمة.

وجاء في تقرير صدر عام 2024: "حتى السياح في سانتوريني يشتكون من كثرة السياح".

وفي قطاع سياحة الرحلات البحرية، وعلى رغم تحديد السقف المسموح به عند 8 آلاف زائر، وصل عدد السياح في أوقات الذروة إلى 18 ألف راكب يومياً، مضيقاً بذلك الخناق على موارد الجزيرة.

إلى ذلك، تسبب النمو السريع في حصول حالات احتشاد وازدحام للطرقات، وأضرار بيئية لم تغِب عن أعين الزوار المحتملين، ناهيك عن 1300 هزة أرضية في الفترة الممتدة من الـ25 من يناير إلى السابع من فبراير (شباط) من هذا العام فاقمت الوضع سوءاً.

ومع أن اليونان لم تشهد بعد أية احتجاجات حاشدة ضد السياحة المفرطة، على غرار تلك التي تشهدها برشلونة ومدن أوروبية أخرى، فلا شك في أن الامتعاض يتزايد. وبالفعل، يعرب سكان أثينا عن قلقهم من ظاهرة انتشار شقق "إير بي أن بي" Airbnb للإيجار القصير الأجل وتدهور الحياة المجتمعية، محذرين من أن الأحياء الرئيسة [في المدينة] تتحول إلى "ديزني لاند قطاع السياحة".

جنة مفقودة

ومع تراجع أعداد السياح في سانتوريني، تشهد جزر أخرى طفرة زوار، مما يحث السلطات المحلية على إدارة السياحة وتحديات عدة أخرى في وقت واحد – وليست هذه مهمة سهلة في بلد يشتهر بأزماته.

من جهته، يتابع ديميتري فايانوس، وهو أستاذ المالية وعضو في "لجنة بيساريديس" المعنية بالنمو الاقتصادي، الوضع عن كثب من جزيرة إيوس، حيث يشارك في جهود محلية للتصدي للتوسع العمراني المفرط.

ويقول في هذا الصدد: "لم يحدث أي تغيير يذكر منذ صدور تقرير محقق الشكاوى"، مضيفاً أن "الأمور لا تزال على حالها".

ويرى فايانوس أن جزراً صغيرة كثيرة أخرى تكرر اليوم أخطاء ميكونوس وسانتوريني: "يعمدون إلى البناء بصورة عشوائية، ويبدون غير مهتمين بالحفاظ على طابعهم الخاص". وفي هذا الصدد، يضيف أن الطابع الأصيل والزراعة والمنتجات المحلية تمثل جوهر منتج السياحة في اليونان، "لكن السياحة تستنزف الموارد التي تعتمد عليها [هذه الجزر]".

ومن ثم، فإن شح المياه المتفاقم بسبب التغيرات المناخية يشكل أيضاً مشكلة كبرى. ويقول في هذا الصدد "حتى في الأماكن التي تعاني نقصاً في المياه، يعمد الناس إلى بناء مشاريع ضخمة مع مسابح".

ومع أن فايانوس يؤكد أن إنماء المناطق الأقل تطوراً هو أمر ممكن، إلا أنه يخشى أن اليونان تمارس نشاطاً خطراً يشبه لعبة "أضرب الخلد" واك- أ- مول whack-a-mole سياحية [لعبة تقوم على ضرب هدف وهو الخلد الذي يظهر ويختفي باستمرار. والتشبيه يقصد به وجود دورة مستمرة من المشكلات المتكررة في جزر السياحة من دون توقف أو حل دائم]، فتتراجع السياحة في جزيرة ما، لتزدهر في أخرى وتواجه المشكلات نفسها.

انقلاب الأمور

وترصد شركات العبارات تغييراً في أنماط السفر والتنقل. وفي هذا الصدد، تحدث موقع "فيري هوبر" Ferryhopper عن تراجع الاهتمام بالرحلات المتجهة إلى سانتوريني، بعد أن كانت تلقى في الماضي رواجاً كبيراً، مقابل تزايد الاهتمام بالتنقل بين جزر إيوس وميلوس وميكونوس. أما موقع "فيري سكانر" Ferryscanner فتحدث عن تراجع بنسبة 50 في المئة في حجوزات السياح الأميركيين إلى سانتوريني، وبنسبة 33 في المئة في حجوزاتهم إلى ميكونوس.

وفي المقابل، أشار إلى ارتفاع الإقبال على وجهات أقل شهرة، على غرار جزيرتي إيجينا وبوروس، أكثر من أربعة أضعاف.

والسياح البريطانيون يبتعدون أيضاً من الوجهات التقليدية، مع زيادة بنسبة تفوق 200 في المئة في مستوى اهتمامهم بجزر مثل ليفكادا وسوجيا وفورنوي وكاستيلوريزو، وتسجيل قفزة قوية بنسبة 1167 في المئة في حجوزاتهم للعبارات المتجهة إلى ليفكادا، مقارنة بعام 2024، وفق معطيات "فيري سكانر".

وفي سياق متصل، رحبت "المنظمة الوطنية للسياحة في اليونان" بهذا التحول، مؤكدة أن تراجع الإقبال على سانتوريني لا يعني تراجع الاهتمام باليونان عموماً، ومفيدة بأن البلاد تشجع على انتشار السياحة نحو وجهات أكثر تنوعاً.  

أما إيليني سكارفيلي، مديرة السياحة الوطنية اليونانية المسؤولة عن الحركة الوافدة من المملكة المتحدة وإيرلندا، فتقول: "خلال هذا الموسم السياحي، تشهد اليونان زيادة إجمالية في أعداد الزوار مقارنة بالعام الماضي، تحديداً الوافدين من السوق البريطانية، مما يؤكد مكانتها الراسخة كواحدة من أبرز الوجهات العالمية".

وتشير هيئة السياحة المذكورة إلى ارتفاع حاد في مستويات الاهتمام بجزر صغيرة وأقل شهرة على غرار ناكسوس وتينوس وكيثنوس وكيا وسيفنوس وكيثيرا.

أما الحكومة اليونانية، فأكدت أنها تتخذ خطوات ضرورية لحماية نموذجها السياحي مستقبلاً. وفي هذا الصدد، تحدثت سكارفيلي عن استراتيجية طموحة بقيمة 322 مليون يورو (277 مليون جنيه استرليني)، تتضمن 160 مليون يورو (137 مليون جنيه) لتحديث الموانئ السياحية، و56 مليون يورو (48 مليون جنيه) لتطوير السياحة الجبلية والشتوية، بما يشمل منتجعات التزلج.

جزر مكتظة

على جزيرة زاكينثوس، سبق أن دق ناقوس الخطر في وقت سابق من هذا العام، بعدما استندت مجلة "ويتش؟ ترافل" Which? Travel إلى بيانات صادرة عن الاتحاد الأوروبي لوصفها بأكثر الوجهات السياحية اكتظاظاً في أوروبا. فالحال أن الجزيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 40 ألف نسمة، استقبلت 6 ملايين طلب ليلة مبيت عام 2023، بمعدل 150 طلباً لكل مقيم.

أما السكان المحليون، فيقولون إن الطرقات وشبكات الصرف الصحي وغيرها من البنى التحتية لم تعُد قادرة على احتمال الضغوط.

لكن المهاجرة البريطانية بلوبيل تاك التي تقيم في زاكينثوس منذ 30 عاماً وتملك حانة "أو كالاغانس لوفت بار" O’Callaghans Loft bar في لاغاناس، تؤكد أن الكلام عن السياحة المفرطة لم يسبب يوماً أي خلاف مع السكان المحليين: "يرحبون بها بأيادٍ مفتوحة، إذ يعلمون أن السياحة هي صناعتنا، وجميعنا يعرف أن الجزيرة لن تصمد بالاعتماد فقط على زيت الزيتون والزراعة".

وتزعم تاك أن الجزيرة ستواجه الازدحام المألوف هذا الصيف، لكن تكاثر الفنادق التي تقدم خدمات شاملة [مبيت ووجبات كاملة] يعني أن أموالاً أقل ستوزع على مؤسسات وشركات أخرى في أرجائها.

وعلى رغم استمرار تدفق السياح، تقول إن أولئك الذين يعتمدون على السياحة في زاكينثوس ليسوا متراخين، وقد استوعبوا الدروس التحذيرية من مناطق أخرى في اليونان، مشيرة إلى كافوس في كورفو وفاليراكي في رودس اللتين شهدتا انخفاضاً ملحوظاً في أعداد السياح البريطانيين خلال الأعوام الأخيرة. وتضيف أن منسق الأغاني في حانتها غادر كافوس أخيراً بعد 10 سنوات، واصفاً المكان بأنه "ميت".

ومع أن تاك تؤمن بأن جزيرة زاكينثوس لا يزال لديها مستقبل – بفضل إقدام الشركات المحلية على معاودة الاستثمار فيها بانتظام – تعمد، مثل كثرٍ غيرها، إلى انتقاد غياب الاستثمار الحكومي: "في هذا المكان، يبني الناس منتجعات بحرية جميلة فعلاً، ويستثمرون في قوارب يؤجرونها للسياح. ومن ثم، لدينا مطاعم جيدة ومتاجر جميلة. وما يحصل فعلياً هو أننا نعيد استثمار أموالنا في الجزيرة. لكن المشكلة تكمن في أن الحكومة لا تفعل الشيء نفسه". وتضيف أن أزمة جمع النفايات هي خير مثال على هذا النقص في الاستثمار.

في سياق متصل، تبقى ندرة المياه، هي الأخرى، هاجساً قديماً. وفي زانتي، باتت شركات كثيرة تعتمد اليوم على شراء مياه الصهاريج الخاصة لضمان استمرارها. وفي ليفكادا المجاورة، عانى السكان بسبب انقطاع المياه المتكرر معظم هذا الصيف.

حرائق الغابات وأزمة المناخ

وفي وقت سابق من هذا الصيف، أجبر الأكروبوليس – المعلم الأثري الأبرز في البلاد – على إغلاق أبوابه أمام الزوار، بعدما تجاوزت حرارة الجو 40 درجة مئوية في أثينا. وفي موازاة ذلك، تصدى رجال الإطفاء مراراً لحرائق غابات مدمرة اجتاحت أرجاء اليونان، حيث ظلت زاكينثوس مشتعلة معظم أغسطس (آب) الجاري. ومع موجة القيظ الشديدة التي أثرت حتى في معلم الأكروبوليس، بدا هذا الأخير كتذكير صارخ بأن المعالم الأثرية الأكثر متانة، هي الأخرى غير محصنة، وبأن قطاع السياحة اليوناني، مع كل قوته، لا يشكل استثناء عن القاعدة.

وضمن دراسة صادرة عن "المرصد الوطني في أثينا"، ورد أن البلاد قد تشهد ما بين 15 و20 يوماً إضافياً من "القيظ الشديد" سنوياً بحلول عام 2050.

وبدورها، تسارع الفنادق والمنتجعات إلى التكيف والاستجابة، فتعيد تصميم مساحاتها الخارجية لتشمل أماكن مظللة وأنظمة رذاذ ملطفة للجو وتصميم حدائق تزرع فيها نباتات مقاومة للحرارة. وفي هذا السياق، أعلنت وزيرة السياحة أولغا كيفالوغياني أخيراً عن خطط ترويج لـ"السياحة المتكيفة مع المناخ".

وكثفت "المنظمة الوطنية للسياحة في اليونان" جهودها كي تروج للبلاد كوجهة متاحة طوال العام، داعية المسافرين إلى زيارتها في الربيع أو الخريف، بغية تخفيف الضغط [السياحي] في ذروة الصيف.

لكن كثراً يجادلون بأن هذه الإجراءات ليست كافية، مؤكدين أنه في غياب الإصلاحات المنسقة، قد تكرر اليونان خطأ إيكاروس المميت. وفي هذا الإطار، يحذر ديميتري قائلاً: "نرى منذ الآن عمراناً عشوائياً في ميكونوس وسانتوريني، وهو أمر لا يمكننا أن نقلب مفاعيله". ويضيف أنه في حال لم تعمد البلاد إلى مراجعة نموذجها السياحي من أساسه – أي موازنة المنافع الاقتصادية مع الاستدامة – فستخسر جميع السمات التي تميزها أصلاً.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات