Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صدام اللغة يدخل على خط الأزمة بين الجزائر وباريس

حراك على مواقع التواصل الاجتماعي من أجل فرض الإنجليزية وضعف التعاطي الشعبي يعرقل محاولات تعميم لغة الضاد

جزائري يحمل لافتة مكتوب عليها باللغة الفرنسية "ساحة 22 فبراير 2019 ثورة الابتسامة" خلال ذكرى انطلاق الحراك الشعبي بالعاصمة الجزائرية في 22 فبراير 2021 (أ ف ب)

ملخص

صدرت دعوات على الصفحات الجزائرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى ضرورة توسيع حملة التعريب و"طرد" الفرنسية لتشمل الشارع والحياة اليومية، وعدت حركة عفوية من شباب أرادوا "المشاركة" في الأزمة بين بلادهم وفرنسا، غير أنها اصطدمت بتعليقات ساخرة على رغم ترحيب فئات واسعة من المجتمع بها.

يبدو أن كل ما هو فرنسي بات مستهدفاً في الجزائر، وها هي اللغة الفرنسية التي كانت إلى وقت قريب "غنيمة حرب" تدفع ثمن تأزم العلاقات بين باريس والجزائر، إذ ترتفع الأصوات على مختلف المستويات من أجل رفع اللغة العربية وجعلها في المكانة التي تليق بها، بعد "طغيان" لغة مستعمر الأمس على كل نواحي الحياة.

قرار رسمي وعدم مرافقة شعبية

وجاء قرار شركة الطيران الحكومية الجزائرية التخلي نهائياً عن استخدام اللغة الفرنسية في تذاكر السفر، والاعتماد على اللغتين العربية والإنجليزية فحسب، ليرافق الحراك الذي تعيشه مواقع التواصل الاجتماعي، الداعي إلى ضرورة اعتماد وتعميم استخدام اللغة العربية.
وبقدر ما لاقت خطوة "الجوية الجزائرية"، التي تأتي ضمن سياسة التعريب التدريجية التي تتبناها المؤسسات الجزائرية تماشياً مع الدستور، استحساناً واسعاً من المواطنين الذين عدوها بادرة إيجابية نحو ترسيخ اللغة العربية في الفضاء العمومي، وتحرير الإدارات من الإرث الاستعماري المرتبط باللغة الفرنسية، فإن عدم مرافقتها من قبل التجار يجعل المار في شوارع وأزقة الجزائر يقف مستغرباً من كتابات فرنسية بالحرف العربي، تزين المحال والفضاءات التجارية وبعض العلامات مثل "لابال" و"بونجوغ" و"مدام" وغيرها.


صدام بين الماضي والحاضر

ويكشف ميل الجزائريين إلى الفرنسية المكتوبة بالحرف العربي عن رغبة ممزوجة بالواقع، إذ إن الجزائري ينتقد كل ما هو فرنسي لكنه يسارع إلى طلب التأشيرة للسفر والإقامة والدراسة والعمل في فرنسا، بدليل أن عدد الجالية الجزائرية في هذا البلد الأوروبي يفوق 6 ملايين شخص، بغض النظر عن عدد الموجودين بطريقة غير شرعية، مما يفسره الباحث في علم الاجتماع أحمد ضياف على أنه "صدام بين الماضي والحاضر، إذ إن الاحتلال الفرنسي للجزائر امتد لنحو 132 عاماً وهو ما لا يمكن محو آثاره خلال 63 عاماً استقلالاً. ويتابع ضياف أن "جيل ما بعد عام 1962 الذي شهد استقلال الجزائر، يعاني مخلفات الاستعمار وما تحمله الكلمة من دمار على المستويات كافة وفي كل المجالات، مقابل معركة إثبات الذات وحماية الهوية، مما يجعله في تناقض أثناء بعض الأحيان وفي عدد من المواضع"، مبرزاً أن "الجيل الحالي يتلقى تعليمه بالعربية ثم يصطدم بالفرنسية داخل الجامعات والكليات والمعاهد، وأيضاً في الإدارات والمؤسسات الرسمية". وأشار ضياف إلى أن "اللهجة الدارجة الجزائرية، خليط بين العربية والفرنسية ’المكسرة‘، وهو ما يجعل الفرنسية مستمرة إلى حين". وقال إن "مسألة التعريب في الجزائر تتطلب جهوداً كبيرة ومشتركة ومستمرة، أكثر مما هو حاصل خلال الأعوام الأخيرة".

حراك على مواقع التواصل الاجتماعي

وتعد دعوات مواقع التواصل الاجتماعي إلى ضرورة توسيع حملة التعريب و"طرد" الفرنسية لتشمل الشارع والحياة اليومية، حركة عفوية من شباب أرادوا "المشاركة" في الأزمة بين بلادهم وفرنسا، غير أنها اصطدمت بتعليقات ساخرة على رغم ترحيب فئات واسعة من المجتمع. وأشار كريم عبر صفحته على موقع "فيسبوك" إلى أن التعريب ينطلق من الشارع قبل الرسميات، فمحل تجارة ألبسة النساء يكتب بالحرف العربي، ويرحب بالزبائن بالقول "مرحباً مدام" بدلاً من "مرحباً سيدتي"، وآخر يقول "تذوق الشكولا" بدل "تذوق الشوكولاتة"، وثالث يقول "مأكولات باري" عِوض "مأكولات باريس"، أو العكس يكتب بالفرنسية كلمات عربية، كدليل على تسلل قوي للغة الفرنسية داخل المجتمع الجزائري يصعب تجاوزه بسهولة.
وأوضحت صفحة "سليم" على "فيسبوك" أن التعريب مرتبط بإرادة المسؤولين في طرد الفرنسية، لكن المسؤول الذي يتحدث بالفرنسية لا يمكنه فرض العربية، مضيفة أن "المشكل عميق لأن الاستعمار الفرنسي يفوق 132 عاماً ولا يمكن اختزاله في 63 عاماً استقلالاً. الأمر يتعلق بثورة مدروسة وسلسة".
في المقابل، كان لأستاذة التعليم الابتدائي "فايزة" رأي آخر في منشور كتبته على صفحتها، فأبرزت أن الأولياء لهم دور كبير في تجاوز الفرنسية، إذ إن بعض التلاميذ يتحدثون الفرنسية بطلاقة وآخرين ينطقون بعض كلماتها خلال حديثهم بين أفراد العائلة، والسبب أن اللغة الفرنسية ما زالت في المرتبة الأولى داخل هذه البيوت، بالتالي التعريب داخل المدرسة يواجه صعوبات من العائلة، مما يستدعي تعاون الجميع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جهود ولكن...

وتحاول الجهات الرسمية القيام بجهود في سبيل تحقيق تقدم لمصلحة اللغة العربية، وآخرها تنظيم الملتقى العربي الأول حول اللغة العربية والإعلام، بعنوان "الضاد في وسائل الإعلام"، الذي شهد حضوراً من أكثر من 10 بلدان عربية، واستهدف تحفيز النقاش المهني حول موقع اللغة العربية في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية وتعزيز دورها في صناعة الوعي العربي، وبخاصة في ظل تحديات العولمة والتكنولوجيا. وقال وزير الاتصال الجزائري محمد مزيان خلال الملتقى إن "الجزائر تعد اللغة العربية قضية سيادية وثقافية بامتياز، تتجاوز الخطاب المناسباتي المترجم في السياسات الوطنية، إذ شكلت مطلباً مركزياً وملحاً للحركة الوطنية منذ ولادتها مع مطلع القرن الماضي". وشدد الوزير حرصه على دسترة اللغة العربية وصونها، وترقيتها في مجال الحياة اليومية والعلمية والعملية، "لما لها من رمزية الإعراب عن ذاتنا وسيادة أمتنا"، مبرزاً أنه "لم يتعامل مع اللغة العربية كحامل ثقافي فحسب، بل كقضية سيادية واستثمار استراتيجي في بناء الذات المجتمعية، وصون ذاكرة الأمة وصناعة مستقبلها". وتابع أن "التعدد لا يضاد الوحدة"، وأن "ترقية اللغة العربية لا تعني أبداً إقصاء باقي المكونات الثقافية، وعلى رأسها اللغة الأمازيغية".

منطلق الخصومة مع اللغة العربية

من جهة أخرى، يرى الكاتب الجزائري سعيد خطيبي أن "قانون تعميم استعمال اللغة العربية أصدره الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد عام 1991، خلال وقت لا تزال فيه الإدارة ’مفرنسة‘، والنخب التي تخرجت في المدرسة الفرنسية، بسبب الاستعمار، هي الممسكة بشؤون الإدارة، فرأت في المرسوم مساساً بمستقبلها وبادرت إلى رد فعل معاكس، ليس عداءً منهم إزاء اللغة العربية بل لأنهم لم يكونوا يتكلمونها، بالتالي رأوا في القرار دعوة إلى اقتلاعهم من مناصبهم". وقال خطيبي إنه "كان من الواجب التفكير في تعليم الإداريين العربية أولاً وتنشئة جيل جديد من الإداريين بالعربية"، مشيراً إلى أن "ذلك المرسوم كان منطلق الخصومة مع اللغة العربية، ووجد خصوم هذه اللغة في العشرية السوداء سبباً في مضاعفة ضغطهم، في الربط التعسفي بين العربية والجماعات الإرهابية". وأضاف "لا ننكر النية الحسنة في خدمة العربية في مرسوم 1991، لكنها جاءت في غير سياقها فتلتها نتائج مضادة، وزاد ذلك القانون من خصوم اللغة العربية بدلاً من أن يزيد من محبيها".

 

اللغة العربية بخير

لكن رئيس المجلس الأعلى للغة العربية صالح بلعيد أكد أن "اللغة العربية في الجزائر بخير ولم تعرف أية مضايقات ابتداءً من عام 2024"، معتبراً أن "الاستراتيجية التي تبناها المجلس تهتم بتوفير الأرضية المناسبة لاستعمال اللغة العربية في الحياة اليومية، ومن ثمة تحبيبها للمواطن وخدمتها، وبخاصة في المجال العلمي". وأبرز أنه "وُضعت استراتيجية لتعميم استعمال اللغة العربية في مختلف مناحي الحياة اليومية تنقسم إلى ثلاثة أبعاد، الأول يتمثل في تحضير المادة الأم، أما الثاني فيهتم بتحبيب اللغة العربية وتيسيرها وجعلها لغة وظيفية، والبعد الثالث فهو لما بعد عام 2030، إذ سيكون للغة العربية مكانة رفقة اللغات الكوكبية الأخرى، وهي الإنجليزية والإسبانية والصينية والروسية والفرنسية".

وواصل بلعيد أن "أكثر من 10 ملايين تلميذ ومليون طالب جامعي يدرسون اللغة العربية، وأكثر من 500 مختبر جامعي تستعمل لغة الضاد، بالتالي المستقبل للغة العربية، لكن يجب تحبيبها وترغيبها وخدمتها، وهذا من طريق مرافقة الدارسين بها، وتوفير الأرضيات المعرفية لها وبخاصة ذات العلاقة بالتكنولوجيات الحديثة، وإلا فلا فائدة منها، وستأتي هذه الخطة بحسن التخطيط بدءاً من المدرسة إلى غاية الشارع"، مشدداً على أن "اللغة رفد جماعي وقضية مشتركة تدخل في الشأن العام ولا تتعلق بالمسؤول، ولا يمكن أن نطالب السلطات باتخاذ القرار السياسي من دون توفير الأرضية المناسبة".

وفي سياق مواجهة التضييق الجزائري فرضت باريس حزمة من الإجراءات الجديدة المتعلقة بالهجرة والإقامة، مما ضاعف من متاعب فئات واسعة من المهاجرين، بخاصة من دول المغرب العربي، وعلى رأسهم الجزائريون، الذين يشكلون إحدى أكبر الجاليات الأجنبية في البلاد.

وبموجب التعديلات المدرجة ضمن ما يعرف بقانون الهجرة 2024 رفعت الحكومة الفرنسية من شروط اللغة المطلوبة للحصول على بطاقات الإقامة والجنسية، إذ أصبح على طالبي الإقامة الموقتة (من عامين إلى أربعة أعوام) إثبات مستوى A2 في اللغة الفرنسية، بدل A1 المعتمد سابقاً.

أما الإقامة طويلة الأمد (10 أعوام)، فتتطلب مستوى B1، بينما فرضت السلطات مستوى B2 للراغبين في الحصول على الجنسية الفرنسية، وهو ما يعادل مستوى التعليم الجامعي في البلاد.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير