ملخص
يشهد إقليم النيل الأزرق تصعيداً عسكرياً متزايداً ومواجهات متصاعدة، بين الجيش السوداني وحلفائه من جانب و"الدعم السريع" والحركة الشعبية من الجانب الآخر، في التنافس على السيطرة على المناطق الاستراتيجية المتاخمة للحدود السودانية - الإثيوبية بوصفها ممرات حيوية لحركة القوات والإمدادات.
كشفت مصادر عسكرية عن استعدادات وتأهب واسع للجيش السوداني لمعارك حاسمة على حدود البلاد جنوب شرقي بالنيل الأزرق خلال الأيام القليلة المقبلة، في مواجهة هجوم محتمل على الإقليم من حشود تضم أكثر من 6 آلاف من عناصر "الدعم السريع" و"الحركة الشعبية - شمال" بقيادة جوزيف توكا ومرتزقة وخبراء أجانب، جرى تجميعها وتدريبها وتسليحها في معسكرات على بعد نحو 30 إلى 40 كيلومتراً على الشريط الموازي للحدود داخل الأراضي الإثيوبية.
تعزيزات واستعدادات
وكان الجيش قد دفع خلال الأسابيع الماضية بـ46 كتيبة قتالية من قواته من لواء النخبة الأول ومتحرك "النبأ اليقين" لتعزيز محاور القتال في الإقليم، كما وصلت إلى الإقليم تعزيزات من القوات المشتركة لدعم الخطوط الأمامية على الحدود السودانية - الإثيوبية استعداداً لخوض معارك استعادة مناطق بكوري وسركم وقيسان والكرمك، وكثف طيران الجيش طلعاته الجوية للتصدي لأي تحركات برية أو قوافل إمداد على الشريط الحدودي جنوب شرقي البلاد. وأشارت المصادر إلى أن زيارة رئيس المجلس السيادة الانتقالي القائد العام للجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان قبل يومين إلى مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، أكدت جاهزية واستعداد القوات البرية والجوية والمدفعية لدحر الهجوم، ووضعت اللمسات الأخيرة لعملية استعادة المناطق والبلدات التي سيطرت عليها الجماعة خلال الفترة الماضية.
القضارف الحدودية
وكان البرهان قد عقد اجتماعاً موسعاً مع اللجنة الأمنية بإقليم النيل الأزرق، استمع خلالها إلى تنوير شامل حول مستجدات الأوضاع الأمنية والموقف الميداني، مؤكداً حرص الدولة على دعم الاستقرار ومواجهة تداعيات الحرب. في ختام زيارته للدمازين، توجه البرهان إلى ولاية القضارف المجاورة على الحدود السودانية - الإثيوبية، متفقداً مقر قيادة الفرقة الثانية - مشاة للجيش هناك، وعقد اجتماعاً مع حكومة ولجنة الأمن في الولاية، وقف خلالها على مستوى الجاهزية في حماية وتأمين المواطنين والولاية.
تقدر الحدود المشتركة بين ولاية القضارف الشرقية مع دولة إثيوبيا نحو 265 كيلومتراً، تشمل منها منطقة الفشقة والقلابات الزراعية الخصبة الواسعة المحاذية لإقليمي أمهرة وتيغراي في شمال إثيوبيا.
وشهدت المنطقة التي تتداخل فيها الأنشطة الزراعية وتدفق المزارعين الإثيوبيين للزراعة داخلها اشتباكات عسكرية وتوترات دبلوماسية متكررة بين البلدين، إذ تعتبرها إثيوبيا منطقة نزاع تاريخي بينما يؤكد السودان سيادته عليها بموجب اتفاقات موثقة.
معسكرات على الحدود
وجدد محافظ الكرمك بإقليم النيل الأزرق عبدالعاطي الفكي اتهامه السلطات الإثيوبية بإنشاء مواقع عسكرية داخل الأراضي الإثيوبية، قال إنها تستخدم في تدريب مقاتلين تابعين لـ"الدعم السريع" ومرتزقة أجانب، إلى جانب عمليات الإمداد ومرابط لتشغيل الطائرات المسيرة. وأوضح الفكي وجود معسكرات للجماعة في أربعة مواقع داخل إثيوبيا يتاخم بعضها الحدود السودانية، مما يمنحها أهمية عسكرية في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، مبيناً في تصريحات صحافية أن من بين تلك المواقع معسكر "فانو" على بعد نحو 40 كيلومتراً فقط من مدينة الكرمك، ويتم فيه تدريب مقاتلي "الدعم السريع" ومرتزقة أجانب، "تحت إشراف مباشر من جهاز المخابرات الإثيوبي"، كما أشار إلى معسكرات أخرى في مناطق دبوس وإبرامو جنوب غربي مدينة أصوصا، وآخر في جبل الدش، نحو 30 كيلومتراً من الكرمك، ويضم منشآت ومرابط لتشغيل الطائرات المسيرة. ولم يصدر تعليق إثيوبي في شأن هذه الاتهامات، على رغم أن أديس أبابا كانت قد نفت أكثر من مرة أي تورط لها في حرب السودان.
صراع الممرات
ويشهد إقليم النيل الأزرق تصعيداً عسكرياً متزايداً ومواجهات متصاعدة، بين الجيش السوداني وحلفائه من جانب و"الدعم السريع" و"الحركة الشعبية" من الجانب الآخر، في التنافس على السيطرة على المناطق الاستراتيجية المتاخمة للحدود السودانية - الإثيوبية بوصفها ممرات حيوية لحركة القوات والإمدادات. وتسببت المعارك والمواجهات التي دارت في مناطق جنوب وغرب النيل الأزرق على مدار الأشهر الماضية في تقام الأوضاع الإنسانية نتيجة موجات النزوح الواسعة في مناطق القتال في الكرمك وقيسان ومنطقة بكوري والقرى التي حولها، في ظروف قاسية ينعدم فيها الغذاء والدواء والمأوى، وضاعف موسم الأمطار من معاناتهم في ظل تشتتهم في العراء وسط الجبال والغابات والوديان، وتوجه عدد من الأسر إلى العاصمة الدمازين ومحلية ود الحليو بحثاً عن مناطق أكثر أمناً. وكشف تقرير لمصفوفة تتبع النزوح بمنظمة الهجرة الدولية عن نزوح 3 آلاف شخص إضافي من قرى محيط مدينتي الكرمك وقيسان الحدوديتين بالإقليم. ونوهت المصفوفة في التقرير ذاته إلى نزوح 6400 شخص إضافيين من محلية العباسية تقلي بجنوب كردفان خلال الأول والثاني من سبتمبر (أيلول) الجاري، نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية بالمحلية.
تحركات نحو دارفور
في الأثناء، كشف رئيس مجلس الصحوة الثوري زعيم قبيلة المحاميد موسى هلال عن ترتيبات تجري لتحركات ميدانية مرتقبة لقوات متعددة، تنطلق من منطقة الدبة بالولاية الشمالية على أن تلتقي كلها في إقليم دارفور. وأوضح هلال، خلال مخاطبته قوات القائد المنشق والمنضم إلى الجيش علي رزق الله (السافنا)، مشدداً على رفض تام لأي تشكيلات عسكرية خارج إطار الجيش الوطني الواحد الرسمي.
وحذرت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين في دارفور من تفاقم أزمة سوء التغذية الحاد في معسكر "كلمة" بولاية جنوب دارفور بسبب النقص الحاد في الغذاء والخدمات الصحية، إذ أوضح بيان للمنسقية أن الوضع الإنساني في المخيم حرج للغاية وينذر بانهيار شامل، مشيرة إلى أن 70 في المئة من النازحين لا يتلقون أية مساعدات غذائية، بينما يحصل 30 في المئة فقط على حصص غير منتظمة. أضاف البيان أن البحث عن الطعام تحول إلى صراع من أجل البقاء، وتسجل خسائر في الأرواح وسط النازحين، كما أجبر عدد من العائلات على اتخاذ خيارات تهدد حياة أطفالهم، مناشدة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية وبرنامج الغذاء العالمي توسيع نطاق التدخل الفوري وزيادة حجم المساعدات الغذائية والصحية، وضمان وصول الحصص الغذائية إلى النازحين من دون استثناء.
ويأوي معسكر "كلمة" أحد أكبر مخيمات النازحين في دارفور مئات الآلاف ممن نزحوا منذ اندلاع الصراع في الإقليم عام 2003، وتفاقمت معاناتهم بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) عام 2023.
رحيل ومصادرة
في غرب كردفان كشفت غرفة طوارئ دار حمر عن مغادرة مجموعة ثانية من عناصر "الدعم السريع" وإجلاء أسرهم من المنازل التي كانوا يحتلونها داخل مدينة النهود، مرجحة أن تكون وجهة المغادرين هي مدينة الفولة عاصمة الولاية. وأوضحت الغرفة أن الموكب المغادر تحرك برفقة عدد من القيادات في رتل يضم نحو 10 مركبات قتالية، بجانب ثماني شاحنات كبيرة تحمل أسراً وأمتعة خاصة.
وتشهد مناطق غرب كردفان، بخاصة مدينة النهود كبرى مدجن الولاية ومحيطها، تحركات مكثفة لقوات الجيش والمشتركة، وترصداً واسعاً بالطيران المسير لحركة قوات الجماعة.
على خط آخر قالت الغرفة إنها رصدت تعدياً جديداً لمجموعة مسلحة تابعة للجماعة للسيطرة على منجم الذهب المكتشف حديثاً في منطقة أم جداد بمنطقة فوجا التابعة لمحلية النهود في ولاية غرب كردفان، وقالت الغرفة إن تلك المجموعات اقتحمت الموقع وطردت الأهالي والمعدنين التقليديين من المنطقة تحت تهديد السلاح، بذريعة أن المنجم يتبع لـ"الدعم السريع"، وصادرت الموقع بالكامل وحولته إلى منطقة عسكرية مغلقة لصالح عناصرها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شبكة عابرة للحدود
أممياً قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن أسلحة وتكنولوجيا عسكرية ومقاتلين وشبكات إمداد وتموين أجنبية تساعد في إطالة أمد الصراع في السودان، مبينة أن أكثر من 1000 شخص قتلوا في هجمات بطائرات مسيرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.
وأوردت البعثة الأممية في تقرير أن المحققين خلصوا إلى أسباب معقولة، تدعو إلى الاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود تضم أفراداً وكيانات في الإمارات وتشاد وليبيا والصومال زودت "الدعم السريع" بالأسلحة والمعدات العسكرية والإمداد والتموين والتدريب والأفراد الأجانب.
وكشف التقرير عن أن الدعم الخارجي للجيش السوداني لا يزال في مراحله الأولى، لكنه لفت إلى أدلة تفيد بأن الطائرات المسيرة القتالية الموردة من الخارج عززت قدراته على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، استخدم بعضها في مهاجمة مواقع مدنية. واتهم التقرير الطرفين بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان في عمليات الطائرات المسيرة، وأن بعض هذه الأفعال قد يرقى إلى جرائم حرب، مطالباً بتوسيع نطاق قرار حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان.
ترحيب متبادل
سياسياً رحب المتحدث الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار السوداني - السوداني عثمان ميرغني بالموقف المصري - الصيني، واعتبره مؤيداً لإجراءات تهيئة بيئة الحوار. وعد ميرغني تأكيد البيان المشترك للطرفين في ختام زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ مصر بضرورة احترام وحدة وسيادة السودان، والحفاظ على مؤسساته الوطنية وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، بأنه خطوة جيدة وداعمة للحوار.
وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي قد رحب بمبادرة لجنة تهيئة إطلاق الحوار السوداني الداخلي، كمبادرة تتزايد أهميتها في ظل انقطاع الحوار السياسي المباشر بين القوى السودانية الرئيسة وتعميق الانقسامات على خلفية الحرب، وأكد بيان للجامعة العربية مواصلة جهودها لتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية السودانية، وصولاً إلى بناء حد أدنى من الثقة يسمح بعقد حوار شامل داخل السودان.
غلاء وركود
اقتصادياً وفي مواجهة موجة الغلاء المستعرة والقفزات الجديدة الكبيرة في أسعار السلع، أقرت اللجنة العليا للطوارئ وإدارة الأزمة بولاية الخرطوم حزمة من التدابير العاجلة لتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين، بإقامة أسواق ثابتة ومتنقلة للسلع بنظام: من المنتج للمستهلك، بالتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة وأصحاب العمل.
وتشهد الأسواق السودانية حالة من الركود والشلل في حركة البيع والشراء، نتيجة الارتفاع الحاد في سعر صرف الجنيه السوداني في مقابل العملات الأجنبية خلال الأيام الماضية، مما دفع مجموعات كبيرة من التجار إلى إغلاق محالهم تخوفاً من مزيد من الخسائر.