هل تستبدل اللغة الفرنسية بالإنجليزية في الجزائر؟

منذ انطلاق حراك 22 فبراير يرفع المتظاهرون شعارات مندّدة بهيمنة باريس على بلادهم

هل يريد الحراك الشعبي التحرر من كل أشكال الهيمنة الفرنسية؟ (أ.ف.ب.)

يشغل موضوع استبدال الفرنسية بالإنجليزية كلغة أجنبية أولى في التعليم بالجزائر، الرأي العام المحلي، بعدما ظلت لغة موليير، الأكثر استخداماً في أوساط مواطني هذا البلد المغاربي، والمسيطرة على غالبية التعاملات داخل المؤسسات والهيئات الرسمية، على مدار عقود من الزمن، بحكم الماضي الاستعماري، الذي دام قرابة 132 عاماً.

استفتاء

تفجر هذا النقاش في أعقاب إعلان وزارة التعليم العالي الجزائرية، نشر استطلاع رأي على موقعها الإلكتروني حول استبدال اللغة الإنجليزية بالفرنسية في التدريس الجامعي، يكُون فيه القرار النهائي بين أيدي غالبية الأكاديميات داخل البلاد وخارجها، وهي الخطوة التي تفاعل معها رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

ويُرتقب أن تُفرج وزارة التعليم العالي في غضون أيام قليلة، عن نتائج الاستفتاء حول التدريس باللغة الإنجليزية في الجامعات، إذ أشار وزيرها طيب بوزي في تدوينة "كبدايةٍ للعملية، آراء عدّة، منها المتوافقة وأخرى متباينة، أدلَى بها أساتذة وطلبة ومسؤولون جامعيون وُثِّقتْ عيّناتٌ منها في شكل فيديوهات وتصريحات ميدانية، سأتشرّفُ بإطلاعكم عليها قريبًا".

العدوى تنتقل

تماشياً مع هذا الإجراء، كشفت وزارة التربية، هي الأخرى، عن إلغاء امتحان مادة اللغة الفرنسية من الامتحانات المهنية للترقية في القطاع، التي ستنظم في السادس عشر من الشهر الحالي، وهي المرة الأولى التي تعلن فيها الوزارة عن قرار مماثل.

بينما انضم وزير العمل والتشغيل الجزائري، تيجاني حسان هدام، إلى صف المسؤولين المطالبين بإحلال اللغة الإنجليزية بدل الفرنسية في التعليم بالجزائر، بقوله على هامش حفل تخرج طلبة المدرسة العليا للتضامن، "أتمنى أن تتطور اللغة الإنجليزية في الجزائر وتأخذ مكانة اللغة الفرنسية، لأنها ليست لغة عالمية وينحصر التعامل بها على مستوى بلدان معينة فقط".

وكشف المسؤول الحكومي عن الشروع في التكوين باللغة الإنجليزية في المدرسة العليا للضمان الاجتماعي في الدخول الاجتماعي المقبل، كتجربة أولى لتمكين البلدان الأفريقية، خصوصاً تلك الناطقة بالإنجليزية الاستفادة من خدمات هذه المدرسة العليا وذلك في إطار "المسعى الرامي إلى تعزيز دور هذا الصرح العلمي على المستويين الإقليمي والقاري في مجالات التكوين".

فرصة تاريخية

وقال الدكتور عبد الحفيظ ميلاط، المنسق الوطني للمجلس الوطني لأساتذة التعليم العالي في الجزائر، "نُبارك الخطوة ونساندها بقوة ومستعدين كنقابة أن ندعمها ونرافقها لأننا كنا أول من نادى منذ وقت طويل بضرورة التخلص من استخدام اللغة الفرنسية، بخاصة في التعليم العالي"، مضيفاً "هذه اللغة أصبحت لا تواكب التطور التكنولوجي والعلمي، وحتى في بلادها فرنسا، أصبحت اللغة الإنجليزية هي اللغة السائدة في الدراسات العلمية العليا".

وأوضح ميلاط "هذا التوجه للانتقال إلى اللغة الإنجليزية كان موجوداً ومطروحاً بقوة قبل مجيء الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة إلى الحكم عام 1999 لكنه أوقف هذا التوجه، وقام حتى بتجميد قانون التعريب، الذي جاء به الرئيس السابق ليامين زروال".

وعليه أكد ميلاط "اليوم وبعد حراك 22 فبراير (شباط)، تخلصنا من بوتفليقة ونظامه والدولة العميقة العميلة لفرنسا، التي كانت تعرقل هذا الانتقال، نحن أمام فرصة تاريخية للتخلص من اللغة الفرنسية الميتة ومن التبعية، وعلى الشعب الجزائري دعم هذا التوجه بقوة".

دور الحراك

منذ انطلاق حراك 22 فبراير في الجزائر، يرفع المتظاهرون في الجمعات المليونية المنظمة كل يوم جمعة، شعارات مندّدة بالهيمنة الفرنسية على بلادهم مع دعوات إلى وقف الامتيازات الممنوحة لباريس في المجال الاقتصادي، فالأخيرة، في نظر الشارع، اتخذت الجزائر سوقاً لتصريف بضائعها وتحقيق أرباح طائلة من بلد ينام على خيرات وثروات باطنية تثير طمع الكثيرين.

ولا تقتصر الهيمنة الفرنسية على الاقتصاد فقط، وإنما يبدي الجزائريون في السنوات الأخيرة امتعاضهم من التبعية الثقافية لهذا البلد، مع بروز جيل جديد بات أكثر تعلقاً باللغة الإنجليزية وأصبحوا يُطالبون السلطات بترقيتها إلى اللغة الأجنبية رقم واحد في الجزائر، في ظل تزايد أعداد المعاهد والمدارس الخاصة لتعليم الجزائريين لغة شكسبير، إذ يتلقى المركز الثقافي البريطاني في الجزائر، مئات الطلبات لتعلم الإنجليزية بشكل يعكس الانفتاح على هذه اللغة.

وأعرب ميلاط عن اعتقاده بأن "التوجه نحو اللغة الإنجليزية لن يرضي فرنسا وأتباعها في الجزائر وأنهم سيحاولون عرقلتها بشتى الطرق".

ورأى أن "الانتقال للتدريس الجامعي باللغة الإنجليزية سيواجه بعض الصعوبات التقنية والشخصية، وحتى المفتعلة لكن في ظل وجود الإرادة السياسية والدعم الشعبي لهذه الخطوة، سينجح هذا الانتقال التاريخي".

واقترح ميلاط أن "يكون الانتقال لاستخدام اللغة الإنجليزية، تدريجياً ومدروساً، إذ يجب في البداية اختيار بعض الجامعات الكبرى فقط وبعض التخصصات العلمية الدقيقة التي عادة ما تكون اللغة الإنجليزية هي لغة الفعل والتفاعل العلمي الوحيد بها، ليتم بعدها الانتقال لباقي الجامعات وباقي التخصصات العلمية...".

كما اقترح أن يتم "الاكتفاء في الانتقال للغة الإنجليزية بداية من مرحلة الماستر، واستغلال سنوات الليسانس الثلاث في تقوية مستوى الطالب الجامعي في اللغة الإنجليزية، حتى يمكنه أن يبدأ دراستها من مرحلة الماستر بسهولة... وبعد سنوات، يمكن تعميم اللغة الإنجليزية على كل المستويات"، بحسب تعبيره.

وشدّد على ضرورة "تمكين الأساتذة الجامعيين من دورات مكثفة في اللغة الإنجليزية، وجعلها اللغة الأجنبية الأولى عوض الفرنسية في مراحل التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي".

المزيد من العالم العربي