Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فجر الحروب المؤتمتة

الذكاء الاصطناعي مفتاح النصر في أوكرانيا والأمكنة كلها

جندي أوكراني مع مسيرة من نوع ليلكا في منطقة خاركيف، أوكرانيا خلال يوليو 2025 (رويترز)

ملخص

يرجح أن تحدث حرب أوكرانيا – التي سيتحدث التاريخ عنها بوصفها أول حرب للمسيرات في العالم - تغييراً جذرياً في العقائد العسكرية لجيوش العالم كلها، عبر تحولها من مشهدية تقليدية في المعارك إلى صراع تهيمن عليه المسيرات، ويكون المنتصر فيها الذي يتمكن من التفوق في الإنتاج وامتلاك التكنولوجيا الأحدث، بما فيها قدرات الذكاء الاصطناعي التي ستساعد على أتمتة المسيرات.

حينما بادرت روسيا إلى شن حرب هجومية شاملة على أوكرانيا، اجتذب الصراع مقارنات مع حروب القرن الـ20. وهيمنت على أرض المعركة الدبابات وحاملات الجنود المصفحة والمدفعية، فيما دفع المشاة في الجيشين إلى الخنادق. وآنذاك، شاهدنا تلك المدرسة القديمة في الحرب إثناء زيارتنا الأولى إلى أوكرانيا خلال سبتمبر (أيلول) 2022. ومنذها، أتممنا زيارات منتظمة إلى أوكرانيا، فأتيحت لنا مشاهدات مباشرة للتبدل النوعي الهائل الذي تمثل ببداية نوع جديد من الأعمال الحربية.

خلال صيف 2023، أخبرنا قائد وحدة الفرقة الثالثة للمسيرات الهجومية، وسنسميه فيل (ليس اسمه الحقيقي)، بأن سلاحاً جديداً شرع في تغيير مجرى الصراع متمثلاً بالمسيرات الموجهة بالرؤية المباشرة (أف بي في) FPV First Person View. وتوضيحاً، تدار تلك المسيرات الصغيرة التي تحلق بأربع مروحيات ضئيلة الحجم، وتسمى "كواد كوبتر"، بتوجيه من موجهيها الذين ترسل إليهم ما تلتقطه كاميراتها بالبث المباشر. ويتخذ الموجهون القرار بالقصف بناءً على تلك الصور، فيسقطون الـ"كواد كوبتر" مع ما تحمله من متفجرات على الأهداف التي يرغبون بها. وفي ذلك العام، أغرقت أوكرانيا أرض المعارك بآلاف من تلك المسيرات. وسرعان ما حذت روسيا حذوها. واليوم، تمتلئ سماء أوكرانيا بمئات الآلاف من المسيرات.

ما بدأ كحرب تتخللها المسيرات تحول إلى حرب مسيرات. وبالفعل، قبل ذلك بعامين، غالباً ما قيمت قوة الفرق العسكرية الأوكرانية عبر ما تمتلكه من دبابات يقدمها الغرب، وناقلات الجند المصفحة والمدفعية. ومنذ عام 2023، باتت المسيرات السلاح الأهم في المعارك. وبسبب سرعتها ودقتها وكلفتها المنخفضة، تفوقت المسيرات إلى حد كبير على الأسلحة التقليدية بما في ذلك الصواريخ المضادة للدبابات ومدافع الهاون والدبابات وحتى المدفعية والطائرات الحربية. واليوم، تقاس قوة الوحدات العسكرية ومرونتها بما لديها من موجهين متمرسين للمسيرات، وقدرتهم على نشر تلك المركبات وتشغيلها واستخدامها على نطاق واسع (عرف أحد كتاب هذا المقال، إريك شميدت، بأنه مستثمر قديم في شركات صناعة التكنولوجيا العسكرية. ويستثمر حاضراً في شركات تزود أوكرانيا بالمسيرات).

ويشكل هذا المعطى أحد التغييرات العميقة في الأعمال العسكرية. واستهلته أوكرانيا إلى حد كبير بغية التعويض عن قصورها في الأسلحة التقليدية وأعداد القوات المقاتلة. وفي حرب المسيرات الأولى التي يشهدها العالم، تحسم المسيرات في شأن إحراز النصر في المعارك، وتقرر مصير الجنود. وينسب إلى المسيرات تدمير 90 في المئة من الدبابات والمصفحات روسيا و80 في المئة من خسائرها البشرية. وكذلك مكنت المسيرات جانبي الحرب كليهما من مهاجمة أهداف بعيدة من خطوط المواجهة، من دون امتلاك تفوق جوي فوق أرض المعركة. ومثلاً، قصفت أوكرانيا خلال يونيو (حزيران) 2025 قواعد جوية روسية تبعد من كييف 5 آلاف ميل (نحو 9 آلاف كيلومتر) بواسطة مسيرات هربت وأطلقت من متن شاحنات متحركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جانبها، كانت روسيا أبطأ خلال البداية في نشر الطائرات المسيرة بأعداد كبيرة. لكنها سرعان ما رفعت وتيرة إنتاجها بصورة ملحوظة، سواء للمسيرات الموجهة بالرؤية المباشرة أو تلك المستخدمة في القصف الاستراتيجي على غرار مسيرة "شاهد" الإيرانية. واليوم، باتت موسكو تضاهي كييف في المعدل الاستثنائي لتبني التكنولوجيا العسكرية. فقد طورت نماذج لا تقل كفاءة، مثل "أورلان" المخصصة للاستطلاع، و"لانسيت" التي تحلق فوق الهدف قبل أن تنفجر عند ارتطامها به.

وبسبب التطوير المستمر في العتاد والبرمجيات والتكتيكات من كلا الطرفين، تتبدل الحرب بوتيرة مذهلة. فالتشبع بمراقبة الطائرات المسيرة، على سبيل المثال، جعل تحركات القوات مرئية بالتالي عرضة للهجوم، مما خلق ساحة معركة شفافة: أي شيء يتحرك قرب الخطوط الأمامية يستهدف خلال دقائق معدودة. وأصبح مشغلو الطائرات المسيرة أهدافاً رئيسة، ومع تراجع جدوى عدد من الأسلحة التقليدية، باتت الطائرات المسيرة تخوض معارك متزايدة ضد بعضها بعضاً. وفي خضم هذه الدوامة من الابتكار، يقترب الطرفان شيئاً فشيئاً من أفق جديد: الحرب المؤتمتة بالكامل.

العيون منبثة في كل مكان

باتت المسيرات الاستطلاعية والاعتراضية فائقة القوة إلى حد أن القوات الروسية والأوكرانية لا تتحرك في النهار، إلا نادراً. وخلال زيارة ميدانية حديثة، شاهدنا كيف أن تحرك شاحنة روسية واحدة، على بعد ثمانية كيلومترات من خط الجبهة، أثار استنفاراً بين مشغلي الطائرات المسيرة، الذين سرعان ما دمروها. ولتفادي الرصد، تجري التحركات قرب الجبهة عادة عند شروق الشمس أو غروبها، حين لا تعمل كاميرات الفيديو النهارية ولا كاميرات الأشعة تحت الحمراء الليلية بكفاءة.

ويعد الصراع على التفوق المعلوماتي أمراً جوهرياً في أية حرب، لكنه في هذه الحرب أكثر إلحاحاً، إذ يرتبط بالقدرة على إنشاء شبكات استشعار مرنة قائمة على الطائرات المسيرة فوق ساحة المعركة والحفاظ عليها. فإذا جرى "تعمية" وحدة ما، أي فقدت القدرة على تشغيل طائرات استطلاع فوقها، تصبح عرضة للخطر بشدة. ولهذا السبب، يعمل نحو 3 آلاف جندي أوكراني على مدار الساعة في تشغيل طائرات الاستطلاع المسيرة، معظمها من طراز "دي جي آي مافيك" DJI Mavics الصينية الصنع، على طول جبهة تمتد 1200 كيلومتر. وتعرض مراكز قيادة الألوية الأوكرانية ما يصل إلى 60 بثاً مباشراً من هذه الطائرات على مدار الساعة.

وتعني تلك الشفافية أن الشعار العسكري "ما يستطاع رؤيته يمكن ضربه" بات أكثر تحققاً اليوم على أرض المعركة من أي وقت سابق في التاريخ. وبات من شبه المستحيل على الجانبين كليهما تحشيد القوات وتحريكها عبر خطوط المواجهة، بسبب سهولة تحديد القوات التي تتجهز لشن هجوم ما. وتاريخياً، اعتمد الجيش الروسي على قدراته في تكثيف قوة النيران بواسطة التطويق المكثف والمدفعية الصاروخية المركزة. لكن هذه التكتيكات باتت غير مجدية لأن كل محاولة لحشد القوات يصار إلى التعرف عليها خلال دقائق. وباتت الأسلحة الروسية متفرقة، ومثبتة في عمق الخنادق، ولا تعمل بصورة أساس إلا في الليل.

القوات الروسية والأوكرانية لا تتحرك في ضوء النهار إلا في ما ندر

ويقول فيل إن فريقه توسع من 400 جندي عام 2023 إلى ما يفوق الألف الآن، ويتوقع أن يستمر هذا التنامي خلال الأشهر المقبلة. وتنهض فرقته بأعمالها على الخطوط الأمامية بالاستناد إلى البيانات التي تتكاثر كل يوم. ومثلاً، ترصد فرقة فيل الاشتباكات ومهام المسيرات والمركبات والمعدات المصابة. وتعمل تلك البيانات كأساس لعملية اتخاذ القرار التي تشمل مشتريات المسيرات وأنواعها وكمياتها. وينفق فريق العمل الذي يقوده فيل قرابة مليوني دولار شهرياً على شراء الـ"كواد كوبتر" الصغيرة الحجم، ومعظمها من نوع "مافيكس" للنهوض بأعمال الاستطلاع على الخطوط الأمامية. ويخصص ذلك الفريق 500 ألف دولار شهرياً لشراء مسيرات للتتبع والرصد، من الأنواع التي تحلق بأجنحة ثابتة وتطير لمسافات طويلة، على غرار نوعي "شارك" و"ليلكا" التي تستعمل لرؤية ما يجري في مناطق بعيدة من خطوط المواجهة.

وإنها لكلفة مرتفعة، لكن شراء دبابة مقاتلة يكلف أكثر من 10 ملايين دولار. وكثيراً ما عدت الدبابة السلاح المفضل لهزيمة مثيلاتها، لكن ذلك الدور انتقل إلى المسيرة الموجهة بالرؤية المباشرة التي تكلف أقل من 800 دولار، بفضل قدرتها على القصف بدقة والتحرك بسرعة تفوق كل المركبات البرية. فلا مركبة مدرعة – مهما بلغ مدى تمويه المدرعة أو أسلحتها المضادة للمسيرات - تستطيع الصمود طويلاً في ساحة معركة تموج بالطائرات المسيرة. وبالنتيجة، يعتقد الجنود الأوكرانيون أن هجمات الدبابات باتت عملاً انتحارياً. وبين الفينة والفينة، تعمد روسيا إلى إطلاق هجمات من ذلك النوع، لكن معظمها لا يصل إلى الخطوط الأمامية.

وفي سياق ردها على تلك المعطيات، انتقلت روسيا إلى التركيز على هجمات المشاة بصورة أساس. بالتالي، ليس مفاجئاً أن يتركز عمل أكثر من 75 في المئة من المسيرات الأوكرانية على المشاة. ولأن مسيرات الرصد والتتبع تعاني حينما تلاحق مشاة منتشرين في غابات ومناطق حضرية، بات الروس يعتمدون على مجموعات هجومية صغيرة، يتألف نموذجها من خمس أو ست فرق تضم كل منها شخصين أو ثلاثة أشخاص، وتعمل بصورة متزامنة على مهاجمة مساحة صغيرة. وخلال الأشهر القليلة الماضية، انتقل الروس إلى استخدام الدراجات النارية بهدف تسريع التحرك في الأراضي التي تفصل القوات المتواجهة ولا يسيطر عليها أي طرف. ويتعارض ذلك بصورة هائلة مع أرتال الدبابات التي تحركت نحو كييف خلال الأيام الأولى من الصراع. وحينما يصل الناجون في مجموعات الاستهداف الروسية إلى مبنى ما، يتخندقون فيه فوراً. وتدريجاً، ينضم إليهم جنود آخرون. وعلى مر الأيام أو حتى الأسابيع، يجمع الروس قواتهم تدريجاً إلى أن يقدروا أنهم باتوا يملكون ما يكفي من القوة للتقدم نحو المواقع الأوكرانية التالية. ووفق ضابط من فرقة "آزوف" الأوكرانية، فإن "المشاة الرخيصة"، بمعنى استهانة روسيا بحياة جنودها، تتيح اعتماد هذا النوع من الاختبارات المستمرة.

المسيرة بمثلها

نظراً إلى أن الطائرات المسيرة أصبحت عنصراً أساساً في معظم العمليات القتالية، فإن تدميرها بات أمراً بالغ الأهمية، وأصبحت المعارك بين الطائرات المسيرة جزءاً مركزياً من الحرب. خلال العام الماضي، كان يقدر وجود نحو 1200 طائرة استطلاع روسية تعمل خلف الخطوط الأوكرانية يومياً، مما دفع أوكرانيا إلى بناء أول نظام دفاع جوي يعتمد على الطائرات المسيرة لمواجهتها. وبدأت قواتها في استعمال المسيرات الموجهة بالرؤية المباشرة لمطاردة نظيراتها من الأنواع الأضخم حجماً والأبطأ والأعلى كلفة، مما دفع الروس إلى جعل طائراتهم تحلق على ارتفاعات أعلى لتفادي الاعتراض. وعلى رغم ذلك، يقدر أن 80 في المئة من إجمال مسيرات الرصد والتتبع، سواء الروسية أو الأوكرانية، التي تعبر الخطوط الأمامية تسقط إما بواسطة مسيرات اعتراضية أوكرانية أو بالأسلحة التقليدية المضادة للطائرات. وبسبب تلك المتغيرات، قلصت روسيا بصورة كبيرة استخدام مسيرات من نوع "لانسيت". وبدلاً منها طورت مسيرات رصد وتتبع أصغر وأسرع وأعلى قدرة على التمويه، مزودة بكاميرات خلفية إضافية تمكن مشغليها من التعرف على المسيرات التي تطاردها، وتتجنبها.

وليس من مفاجأة في أن يغدو موجهو المسيرات ومحطات التحكم بها، أهدفاً رئيسة يصوب عليها فريقا الصراع. ووجدت فرقة فيل أن كل هجمة ناجحة ضد مشغلي مسيرات "مافيك" الروسية، تستطيع وقف نشاط العدو لثلاثة أيام. ولأن طياري المسيرات باتوا مصدراً ثميناً وركناً أساساً في الدفاع عن المشاة، تعمل أوكرانيا على إعادة نشر أكبر عدد ممكن منهم بعيداً من الخطوط الأمامية إلى العمل في العمليات المتكاملة المدارة من بعد. وفي محاولة لزيادة خفض قوات المواجهة الأمامية، تعمل أوكرانيا الآن على إرساء ما تسميه "خط المسيرات" على امتداد خطوط الجبهة كلها. ويشمل ذلك الخط ممراً متعدد الطبقات بعرض يراوح ما بين 10 و12 كيلومتراً، ويتكون من عوائق كالحفر وحقول الألغام والأشرطة الشائكة المسننة كالشفرات، ومئات من فرق المسيرات التي تقف كلها على أهبة الاستعداد لتدمير الأهداف قبل وصولها إلى المواقع الأوكرانية. وحينما سيرسى ذلك الحاجز، إضافة إلى تزايد أتمتة وظائف المسيرات، ستتقلص الحاجة إلى القوات المقاتلة في خطوط المواجهة. وتأمل أوكرانيا أن تسهم هذه المقاربة في تخفيف النقص في عديد لدى جيشها، إضافة إلى إنقاذ الأرواح.

وخلف الخطوط الأمامية، تتطور التكتيكات بسرعة مماثلة لما يحصل في المسيرات. وفي كل ليلة، ترسل روسيا مئات من مسيرات "شاهد" الطويلة المدى باتجاه أوكرانيا، مستهدفة على وجه الخصوص مدنها الكبرى. ويتزايد استعمال روسيا لأسلوب الهجمات المتتالية والتحليق عبر خطوط التفافية مدروسة بغية إيصال أعداد من المسيرات إلى أهدافها بصورة متواقتة، وتكون آتية من اتجاهات مختلفة. وتشبه تلك الهجمات التنسيق اليدوي لـ"أسراب المسيرات". ومع نقص لديها في أنظمة الدفاع الجوي، أعطت أوكرانيا الأولوية إلى تطوير وإنتاج المسيرات الاعتراضية كي تواجه تلك الأسراب. وكذلك عمدت روسيا إلى إرسال عشرات من المسيرات "الوهمية"، بمعنى خلوها من أية قدرات فعلية، إلى الأجواء الأوكرانية، مما يجبر رادارات الدفاع الجوي على العمل ضدها، بالتالي تنكشف مواقعها. ويلي ذلك أن تعمد المقذوفات الباليستية وصواريخ كروز الروسية إلى التحليق في خطوط تلتف على تلك الدفاعات، كي تضرب أهدافها.

التطوير أو الفناء

أضحت سرعة التأقلم مع التكنولوجيا ونسخها وتطويرها، أي قوة الابتكار، معياراً جديداً للقوة القتالية. ويكمن مفتاح التأقلم في السرعة الخاطفة التي تجري بها عملية التغذية الراجعة من المشغلين إلى المهندسين. بالتالي، فإن أفضل مشغلي الطائرات المسيرة الأوكرانيين هم من يجمع بين القدرات التقنية والتكتيك، فيضحى قادراً على إدخال تعديلات وتطويرات على عمليات التحليق.

بالتالي، فإن أهم التطورات في مجال الطائرات المسيرة تحدث في الخطوط الأمامية، حيث يدعم المشغلون مختبرات البحث والتطوير ومرافق التصنيع والإصلاح القريبة. وتقوم الفرق باختبار ونشر أجهزة راديو وهوائيات ولوحات إلكترونية جديدة باستمرار، وترسل تحديثات البرامج بصورة شبه يومية. ولإنشاء سلاح فعال اليوم، يجب التكيف والتطوير باستمرار لمواجهة خصم يتطور بالسرعة نفسها، مما يؤدي إلى صراع ديناميكي للغاية بين الفعل ورد الفعل.

ومع إدخال كل جديد من الأسلحة والتقنيات إلى ساحات القتال، تتكون نافذة ضيقة لفرصة استخدامه بفاعلية قبل أن يطور الخصم إجراءات مضادة. وتظهر أنواع جديدة من المسيرات بوتيرة سريعة. وقبل عامين، شكلت مسيرة "لانسيت" الروسية النموذج الأشد فتكاً. وخلال العام الماضي، حلت مكانها المسيرة الموجهة بالرؤية المباشرة. والآن، أصبحت الطائرات المسيرة الهجومية التي يجري التحكم بها عبر كابلات الألياف الضوئية - والتي استخدمتها روسيا أولاً – هي المسيطرة على المشهد في الخطوط الأمامية للجبهة.

وعلى عكس الطائرات التي تعمل بترددات راديوية، تقوم هذه الطائرات بمد كابل ألياف بصرية يصل طوله إلى 40 كيلومتراً خلفها، مما يجعلها متصلة مباشرة بالمشغل. وعلى رغم أنها بطيئة ومحدودة بطول الكابل، فإنها مقاومة للتشويش، وتنقل صوراً واضحة، ويمكنها العمل خارج نطاق الإشارة الراديوية، مما يجعلها مناسبة جداً للتضاريس الجبلية والحضرية. وبما أنها لا تصدر إشارات راديوية، لا يمكن تحديد موقع مشغلها إلكترونياً، وتنفذ ضرباتها بدقة مذهلة.

الطائرات المسيرة التي تعمل بالألياف البصرية تستخدم كأسلحة مكمن فعالة، إذ يطلقها الروس عبر الخطوط الأمامية ويضعونها على الطرق أو أسطح المباني بانتظار مرور المركبات [للانقضاض عليها]. وتتيح لها جودة الإشارة والكاميرا العالية المناورة بدقة داخل الأماكن الضيقة مثل المباني والمخابئ، وهي مناطق يصعب على الطائرات المسيرة التقليدية التي تعتمد على الإشارات الراديوية الوصول إليها. وأنشأت روسيا وحدات نخبة من مشغلي هذه الطائرات على الجبهات الأكثر اشتعالاً لاستهداف مشغلي الطائرات الأوكرانيين، وضرب خطوط الإمداد، وعزل الوحدات الأمامية.

ولا يقتصر الابتكار في الطائرات المسيرة على تحسين أدائها، بل يشمل أيضاً خفض كلفتها. وعلى مدار العام الماضي، توقفت وحدات المسيرات الأوكرانية والروسية عن أسلوب استعمال مسيرات قليلة العدد ومرتفعة الكلفة، وباتت تركن إلى استخدام أعداد كبيرة من المسيرات الرخيصة. وتشمل قائمة المسيرات المكلفة أنواعاً كـ"لانسيت" الروسية و"سويتشبلايد 600" Switchblade الأميركية التي تتكلف ما يراوح بين 65 و150 ألف دولار للطائرة. وأخلت أمكنتها لمصلحة مسيرات تحلق بأجنحة ثابتة كـ"مولنيا" الروسية و"دارت" الأوكرانية، التي تتكلف 3 آلاف دولار لكل طائرة. وبسبب انخفاض ثمن مسيرة "مولنيا" الانقضاضية، تستعمل روسيا أعداداً كبيرة منها كسلاح للقصف، فتوجه أحياناً 15 مسيرة لضرب هدف واحد.

ولا تزال أوكرانيا تعتمد على المسيرات الموجهة بالرؤية المباشرة لأنها رخيصة وسهلة الاستخدام ومتوافرة بكثرة، وتستهلك الألوية في الجبهات النشطة أكثر من 5000 منها شهرياً. لكن نظراً إلى انخفاض نسبة نجاحها في إصابة الأهداف، والتي لا تتجاوز 10 في المئة في المتوسط، يفضل عدد من الوحدات الأمامية الطائرات القاذفة الأكبر حجماً لما تتمتع به من مرونة وقابلية لإعادة الاستخدام وتكوينات متعددة. فمثلاً، يمكن لطائرة "فامباير" الأوكرانية سداسية المراوح إسقاط ألغام مضادة للدبابات أو قنابل على المشاة، محققة تأثيراً يعادل عشرات القذائف المدفعية، وبدقة أعلى. وبفضل قابليتها لإعادة الاستخدام وحمولتها الأكبر، تستطيع الطائرات القاذفة إغراق الأرض بالمتفجرات بسرعة أكبر وتكلفة أقل، كما أنها أكثر فاعلية في استهداف المشاة وصد الهجمات، ويمكنها تدمير المباني بقنابل دقيقة بدلاً من مئات القذائف.

وتستخدم الطائرات القاذفة أيضاً لنشر الألغام، وهي استراتيجية أصبحت من أكثر الطرق فعالية لوقف الهجمات الروسية. ونظراً إلى أن الوحدات الروسية تعتمد على مسارات متوقعة بسبب التضاريس، تقوم القوات الأوكرانية بإنشاء حقول ألغام ديناميكية عبر إسقاط الألغام في طريقهم، ثم تستخدم المسيرات الموجهة بالرؤية المباشرة لتوجيه المركبات الروسية نحو تلك الألغام. وتقدر إحدى الألوية الأوكرانية أن 50 في المئة من المركبات الروسية التي دمرت خلال الأشهر الأخيرة كانت نتيجة لهذه الألغام الجوية. وتستخدم الطائرات القاذفة لشن موجات متواصلة من الهجمات، تشبه القصف المدفعي، لإبقاء المشاة الروس تحت الأرض ومنعهم من التقدم.

وكذلك تستمر أوكرانيا في استخدام منظومات الأسلحة التقليدية كالمدفعية، في دعم تكتيكات المسيرات. ومثلاً، حينما تتولى المشاة الروسية حماية هدف ثمين تعمد المسيرات القاذفة إلى تدميره من دون أن تسقط. وتستخدم القوات الأوكرانية المسيرات الاستطلاعية في تحديد مواقع طياري المسيرات الروسية، قبل قصفها. وتتيح هذه الأساليب لأوكرانيا تقليل اعتمادها على الأنظمة التقليدية التي يصعب الحصول عليها. وعلى العكس من ذلك، لا تحتاج روسيا للتأقلم مع منظومات الأسلحة التقليدية لأنها تقدر على مواصلة القصف بكميات لا تستطيع أوكرانيا مجاراتها فيها.

أسراب وهجمات

تقدم أتمتة عمل المسيرات بواسطة الذكاء الاصطناعي مجموعة من الحلول لمشكلات متنوعة تواجه مقاتلي الحروب الحديثة. وتُفقد أعداد كبيرة من المسيرات بسبب أخطاء طياريها. وأشبع ميدان المعركة في أوكرانيا بأنظمة التشويش على أمدية الموجات الكهرومغناطيسية، مما يصعب الاعتماد على كل التقنيات التي تتطلب الاتصال المستمر بموجات الراديو مع المشغل البشري. ويعمل آلاف الجنود الأوكرانيين على تشغيل مسيرات الـ"مافيك" يومياً، ومن المستطاع أتمتة تلك الوظائف. وفي كل أسبوع، ستنقذ الأتمتة مئات من ساعات العمل البشري التي تصرف في جمع وتحليل بيانات الترصد والتتبع التي تأتي من مئات طبقات مجسات الاستشعار المنتشرة عبر خطوط الجبهة. وتتطلب الأنظمة الحالية وضع طياري المسيرات داخل أمكنة قريبة من خطوط المواجهة مع تعريضهم لخطر الاستهداف.

وحاضراً، تستطيع خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعزيز سيطرة البشر على ميدان المعركة، إذ تعمل على خفض الأخطاء عبر مساعدة طياري المسيرات في اكتشاف الأهداف وتتبعها ومقاربتها وضربها. وفي الليل، تدرب أنظمة الذكاء الاصطناعي على فيديوهات للمعارك كي تتأقلم وتعدل عملها للرد على الإجراءات المضادة الروسية التي تشمل التمويه وصنع نماذج زائفة. وتتدبر الشركات الأوكرانية والغربية أمر تكوين برمجيات كمبيوتر تدعم عمل طياري المسيرات بصورة أكبر عبر انتقاء المسارات الملائمة للمسيرات، وتثبيت الرحلات، والتحليق للوصول إلى النقاط المطلوبة، والتعرف على الأهداف والتوجه إلى المحطات النهائية. وإذا نجحت تلك الجهود، سوف لا يتطلب تدريب طياري المسيرات سوى قليل من المهارات والخبرات.

وتسعى شركات الدفاع خصوصاً إلى تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تسهل تنفيذ المرحلة النهائية من الهجوم. فالمعركة الأوكرانية تمثل تحدياً لتعلم الآلة لأن الدبابات والمدفعية الروسية تغير مظهرها باستمرار بإضافة دروع وتمويه. كما أن الخوارزميات تؤدي أداء ضعيفاً في التعرف على المشاة المتفرقين، وبخاصة داخل الغابات أو التضاريس المعقدة. ومع ذلك، أثبتت أنظمة الاستهداف والتوجيه النهائية المدعومة بالذكاء الاصطناعي فعاليتها حتى في ظل التشويش على الإشارات الراديوية. وعلى رغم أن مستقبل الطائرات المسيرة ذاتية القيادة بالكامل لا يزال غير واضح، فإن منظومة هجومية أكثر استقلالية - تجمع بين طائرات الاستطلاع والهجوم لتحديد وتعقب وضرب الأهداف المتحركة - ستعزز بصورة كبيرة قدرة أوكرانيا على صد الهجمات الروسية.

المرحلة التالية من الحرب ستحسمها البرمجيات الرقمية

تتنافس شركات الدفاع الآن لتطوير ذكاء اصطناعي قادر على تنسيق هجمات متعددة للطائرات المسيرة ضمن سرب آلي - وهو الهدف الأسمى لعمليات الطائرات المسيرة. حالياً، يمكن للقوات الأوكرانية تشكيل "دوامة" من الطائرات فوق هدف لضربه مراراً، لكن ذلك يتطلب عدة طيارين ومشغلين. أما السرب الآلي، فيتيح لطيار واحد توجيه عدد كبير من الطائرات التي تسلك مسارات مستقلة، لتغمر الدفاعات وتضرب الهدف.

ولتنفيذ ذلك، تحتاج شركات الدفاع إلى تطوير أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح للطائرات المسيرة التواصل تلقائياً - ليس فقط مع بعضها بعضاً، بل أيضاً مع مجموعة من أجهزة الاستشعار. هذه الشبكات موجودة، لكنها ليست بالحجم المطلوب. وتزداد المهمة صعوبة يوماً بعد يوم، فمع تصاعد حرب الطائرات المسيرة، سيرتفع عدد الطائرات المستخدمة في كل عملية من المئات إلى الآلاف، مما يجعل تنسيقها الآلي أكثر تعقيداً.

وفي نهاية المطاف، ستحتاج أوكرانيا إلى نسخة خاصة بها من شبكة الدفاع الجوي "القبة الحديدية" الإسرائيلية لحماية مدنها ومصانعها من الغارات الروسية المستمرة بالطائرات المسيرة والصواريخ. وعلى رغم أن حجم أوكرانيا الكبير يجعل هذا التحدي ضخماً، فإنه يمكن البدء بحماية المدن الكبرى. وستكون الأتمتة عاملاً أساساً في صد الهجمات الروسية. فبينما كانت المرحلة الأولى من الحرب تعتمد على العتاد، إذ تنافس الطرفان في ابتكار أنواع جديدة من الطائرات والذخائر، فإن المرحلة المقبلة ستحددها البرمجيات.

حرب المصانع

لقد قلبت المسيرات الطرق القديمة في الحرب. ولن تعود العقائد الحربية والتكتيكات والتنظيمات العسكرية لما كانت عليه سابقاً. وستحتاج الجيوش حول العالم إلى إعادة صياغة عقيدتها وتدريبها بالكامل لتواكب واقع القتال داخل ساحات تغمرها الطائرات المسيرة. وأفضل طريقة للاستعداد لمستقبل القتال هي الاستماع إلى أولئك الذين يخوضون هذه الحرب.

وكثيراً ما أطلق المؤرخون على الحرب العالمية الثانية تسمية "حرب المصانع". وينطبق ذلك على الحرب في أوكرانيا اليوم. وأنتجت أوكرانيا أكثر من مليوني مسيرة عام 2024، وتخطط لرفع الرقم إلى 4 ملايين مع نهاية عام 2025. وكذلك يظهر خصمها تحسناً في إنتاج المسيرات. وخلال العام الماضي، صنعت روسيا 300 مسيرة من نوع "شاهد" شهرياً. وباتت تنتج اليوم 5 آلاف مسيرة من ذلك النوع كل شهر. ويرجح أن تكون الغلبة للطرف الذي يتوصل إلى صنع العدد الأكبر من المسيرات. ومن مصلحة الغرب، والولايات المتحدة بصورة خاصة، دعم الشعب الأوكراني الذي عقد العزم على الفوز بذلك الصراع. ولا يشكل ذلك مصلحة لأوكرانيا وحدها، بل للغرب كله الذي يستطيع استخلاص الدروس من الاعتراف بالحقيقة الجديدة للحرب.

 

إيريك شميدت هو الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة مؤسسة "ريلاتفيتي سبيس" Relativity Space، ورئيس "مشروع الدراسات التنافسية الخاصة". وسبق له أن شغل منصب الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة شركة "غوغل". وتشارك مع هنري كيسنجر وكريغ موندي في تأليف كتاب "سفر التكوين: الذكاء الاصطناعي والأمل والروح الإنسانية" Genesis: Artificial Intelligence, Hope, and the Human Spirit.

غريغ غرانت هو زميل بارز غير متفرغ في "برنامج الدفاع" لدى "مركز الأمن الأميركي الجديد". وفي أوقات سابقة، شغل منصب المساعد الخاص لنائب وزير الدفاع بوب ورك وكاتب خطابات لوزراء الدفاع روبرت غيتس وليون بانيتا وتشاك هيغل.

مترجم عن "فورين أفيرز، الـ12 من أغسطس 2025

اقرأ المزيد

المزيد من آراء