ملخص
للمرة الأولى منذ أعوام يصل المتظاهرون في لبنان إلى عتبة مجلس النواب اللبناني، بسبب عدم استجابة الحكومة لمطالب تصحيح الأجور التي حملها موظفو القطاع العام والعسكريون المتقاعدون. وترافقت التحركات مع حالة من الغضب، إضراب مفتوح في المدارس الرسمية، وقطع للطرقات في مختلف المناطق اللبنانية.
بين بدلات الخدمة التي تبخرت، ورواتب التقاعد التي فقدت قيمتها، يقف عشرات آلاف العسكريين المتقاعدين وموظفو القطاع العام في لبنان على هامش الدولة التي خدموها لعقود.
فئة شكلت يوماً العمود الفقري للمؤسسة العسكرية والأمنية، تجد نفسها اليوم في مواجهة انهيار اقتصادي أطاح حقوقها الاجتماعية والمعيشية، من دون أفق واضح للحل. ومع تصاعد التحركات الاحتجاجية للعسكريين المتقاعدين وتكرارها منذ أعوام، يعود هذا الملف إلى الواجهة بوصفه واحداً من أكثر الملفات حساسية، ليس فقط لما يحمله من أبعاد معيشية، بل أيضاً لما يطرحه من أسئلة تتعلق بالعدالة، والاستقرار الاجتماعي، ودور الدولة تجاه من حملوا السلاح باسمها.
يرى كثر أن هذا الملف شاهد على تهاوي آخر أركان "نظام الرعاية الاجتماعية" مع فقدان الأجور التقاعدية قيمتها، وهو ما خلق شعوراً متزايداً بالقلق على المستقبل، وأطلق مرحلة جديدة من المواجهة مع دخول العسكر المتقاعدين ضمن تحركهم الأخير عتبة القاعة العامة لمجلس النواب في العاصمة بيروت مساء أول من أمس الخميس، تزامناً مع مناقشة النواب مشروع قانون موازنة عام 2026.
وصول العسكر المتقاعدين باب المجلس النيابي اعتبر "خطوة غير مسبوقة" في الصراع بين السلطة والشارع، وأدى إلى تطويق "هامش المراوغة" التي كان يحظى به النواب، وأجبر الحكومة على تقديم وعود بإعادة دراسة الأجور والتقديمات بدءاً من النصف الثاني من فبراير (شباط) المقبل، أي بعد إقرار الموازنة "المقبولة" من صندوق النقد الدولي.
الصدام المفتوح
عند المدخل المؤدي إلى مجلس النواب المقابل لبلدية بيروت، احتشد موظفو القطاع العام والمتقاعدون من الأسلاك العسكرية والمدنية وسط إجراءات أمنية مشددة، والتي ترافقت مع إضراب واسع، شل الإدارات العامة والمدارس الرسمية في مختلف المحافظات.
وفي المنطقة الفاصلة بين المتظاهرين وساحة البرلمان، وقفت ثلاث فرق من الجيش وقوى الأمن الداخلي وقوات مكافحة الشغب، وشكل الفاصل الحديدي مساحة للتواصل بين القوة الحرس والمعتصمين، وهناك عند هذا الفاصل، جمعت بين العناصر المتقاعدين وهؤلاء الموجودين في الخدمة الفعلية وحدة الشكوى والأزمة المعيشية نفسها.
هناك يقول أحد العسكر المتقاعدين، "استدنت 20 دولاراً أميركياً لآتي إلى هنا، والمشاركة في التحركات، لأنه بعد 30 عاماً من الخدمة، خرجنا مع تعويض ضئيل لم يعد لدينا ما يقينا شر الجوع". وليس بعيداً منه، موظفة متقاعدة جاءت من أقصى الجنوب، تتحدث عن "وضع يثير الشفقة"، وهي تدمع عندما تقول "بعض أقاربي من المغتربين باتوا يرسلون إليّ المساعدة، وهي الصدقة بالخفاء"، حيث "أصبحت كرامة المتقاعد في الأرض".
التقاعد المقلق
يعد التقاعد ركيزة من ركائز دولة الرفاه والرعاية الاجتماعية التي اعتمدها لبنان، منذ عهد الاستقلال عام 1943، والتي بلغت ذروتها في الحقبة الشهابية، نسبة إلى الرئيس السابق فؤاد شهاب، الذي ينظر إليه على أنه الرئيس الذي وضع أسس العمل المؤسساتي، ومعه تم تأسيس الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وإقرار تعويض نهاية الخدمة. في موازاة، بات هناك مجلس الخدمة المدنية، وتنظمت الإدارة العامة.
لكن جاءت الحرب الأهلية (1975 – 1990)، لتنهك الهرم المؤسساتي للدولة اللبنانية، خلالها تصاعد دور الميليشيات من كل الطوائف، التي استغلت الإدارة العامة وأتخمتها بالمناصرين.
وفي أعقاب نهاية الحرب، راح القطاع العام يضعف أكثر فأكثر، وباتت الحكومات تنظر إليه بوصفه عبئاً على الموازنة، وهي تحاول "ترشيقه" وفق وصفات صندوق النقد الدولي. وهو ما انعكس خشية شديدة وحذراً لدى موظفي القطاع العام في الأسلاك العسكرية والمدنية سواء كانوا في الخدمة الفعلية أو في مرحلة التقاعد.
لسان حالهم "تهدمت كل الآمال"
في الأول من فبراير تبلغ السيدة صباح إلياس سن التقاعد بعدما أمضت أربعة عقود ونيفاً في التعليم والعمل التربوي. وتختصر نظرتها إلى مرحلة التقاعد في لبنان ما تعيشه من مخاوف كبيرة، "ما نعيشه حاضراً هدم كل الآمال، كنت أنتظر أن نمضي ما تبقى من العمر بعد مسيرة تربوية مع راتب لائق، يسمح للموظف العيش بكرامة وراحة من دون قلق وهم الغد، وأن يساعده على مواجهة المفاجآت المرضية. ولكن للأسف خذلتنا الدولة، وأضاعت تعبنا، ونهبت حقوقنا".
من جهته، يتحدث العميد المتقاعد جورج نادر عن معاناة العسكري المتقاعد في لبنان، ويقول "لم يسلم منهم أحد من إصابة أو مرض أو إعاقة في سبيل القيام بواجباتهم والدفاع عن بلدهم، ولكن لم يحظ هؤلاء على أي تقدير لتضحياتهم"، لافتاً "نشعر بالإهانة والتجريح بسبب تآكل قيمة التعويضات والمعاشات التقاعدية التي لا تؤمن الحد الأدنى للحاجات". ويتساءل "هل يعلمون حجم معاناة العسكر المصاب، وذوي الإعاقة، وعائلات من فقدوا حياتهم وهم يدافعون عن وطنهم؟"، موضحاً "تأتي إلينا زوجات من ضحى بحياته للشكوى، ويخبروننا عن المأساة التي يعيشونها، وتقول بعضهم إنه لا قدرة لهم على تأمين التدفئة في هذا الشتاء القاسي".
يتهم نادر السلطة بدفع العسكر المتقاعدين والموظفين إلى الثورة بسبب الوضع الذي لا يحتمل، لأنه "لا يعقل دفعهم إلى القيام بمهنة ثانية وثالثة، والاستدانة لتأمين قوتهم"، متحدثاً عن "الكيل بمكيالين" لأنه "الحكومة تجد الأموال لأجور الهيئات الناظمة للنفط، وتلك المتخصصة بالكهرباء في ظل انقطاع التيار، وهيئة الاتصالات في بلاد تقدم أسوأ خدمة في العالم. حيث يساوي أجر رئيس الهيئة الناظمة ثمانية أضعاف معاش قائد الجيش، وعشرات المرات للعسكر المتقاعدين".
ويطالب العميد المتقاعد الدولة بوقف التوظيف العشوائي، والتهرب الجمركي، واستعادة الدولة للأملاك البحرية والنهرية العامة من أجل تأمين موارد مالية لتغطية زيادة أجور موظفي القطاع العام، ويقول "نحن في بلد منهوب ومسروق، وليست دولة مفلسة".
هجوم على المجلس
قبيل إقرار قانون الموازنة العامة لعام 2026، شهد مجلس النواب حالة من الإرباك. ففي الخارج، اجتاز العسكريون المتقاعدون خطوط الحماية للمجلس، ووصلوا إلى المدخل الرئيس المؤدي إلى القاعة العامة. أما في الداخل، فاشتباك كلامي بين وزير المال ياسين جابر ونواب بسبب رفضه التعهد بأي تقديمات إضافية إلا قبل دراسة الجداول، وتأمين الواردات، متهماً النواب بأخذ البلد إلى المجهول، ومذكراً بسلسلة الرتب والرواتب غير المدروسة التي أقرها النواب في صيف 2017، عشية الانتخابات النيابية.
تسربت الأخبار إلى الخارج، فجاء التحرك سريعاً لمواجهة "انقلاب الحكومة على تعهداتها"، وفي ظل الحصار المفروض على المجلس دخل العميد المتقاعد والنائب السابق شامل روكز إلى باحة مجلس النواب لإجراء المفاوضات بحضور نائب رئيس مجلس النواب إلياس أبو صعب، الذي كشف عن أجواء إيجابية سادت اللقاء الذي عقد بحضور رئيس الوزراء نواف سلام ووزيري الداخلية أحمد الحجار، والدفاع ميشال منسى، وممثلين عن العسكريين المتقاعدين، وفي الخدمة الفعلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حيث جدد رئيس الحكومة نواف سلام التزامه بالوصول إلى حل عادل للرواتب قبل نهاية فبراير، وإقرار المساعدات المدرسية لعامي 2025-2026، والتعويضات العائلية.
من جهته، تحدث العميد شامل روكز عن "لقاء عقد قبيل مناقشة الموازنة، في منزل رئيس الحكومة بحضور وزير المالية، وجرى الاتفاق على سلة اقتراحات تتعلق بالتعويضات العائلية والمنح المدرسية، ولكن تفاجأنا بما حدث وبعدم المضي بما اتفق عليه"، قائلاً "لم نأت إلى هنا للتسول، وإنما للمطالبة بالحقوق كما هي، وتجاوزنا مرحلة العطاءات الطارئة للعسكريين، بعدما دفعوا ثمناً كبيراً بدءاً من عام 2019 ولغاية اليوم".
وشدد على أن مطلب العسكر هو "إعادة الأجور إلى سابق عهدها، وأقله إلى 50 في المئة كخطوة أولى في نهاية فبراير، وزيادة 10 في المئة كل ستة أشهر على الأجور، وصولاً إلى عام 2028 لاستعادة الحقوق كما كانت قبل 2019، وتطبيق مبدأ العدالة بموجب الاتفاق المنعقد في منزل رئيس الحكومة نواف سلام".
أزمة بدأت عام 2019
يكشف الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين أن عدد المتقاعدين في لبنان يبلغ 115 ألفاً، 85 ألف شخص منهم كانوا في السلك العسكري و30 ألفاً مدني نصفهم من المعلمين، وقد بدأت أزمتهم فعلياً عام 2019 مع انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية من 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد، وارتفاعه بصورة جنونية بعد سنوات إلى 140 ألفاً، قبل أن يتراجع سعر الصرف ويستقر عند نحو 89 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد.
ومع هذا الانهيار التاريخي للعملة الوطنية، وجد المتقاعد نفسه أمام راتب تقاعدي لا يتخطى في بعض الأحيان الـ200 دولار أميركي في الشهر، فاقدين أكثر من 90 في المئة من قيمة رواتبهم الفعلية.
ناهيك بأن التعويض الذي يحصل عليه العسكري المتقاعد في نهاية الخدمة، وبعد أقله 20 سنة في السلك العسكري، كان يبلغ في السابق نحو 100 ألف دولار بالحد الأدنى، لكنه اليوم يراوح بين 2000 و5000 دولار تقريباً.
معضلة الإصلاح
في التاسع من فبراير، يستقبل لبنان وفداً من صندوق النقد الدولي للاطلاع على التقدم الحاصل على مستوى الإصلاحات البنيوية والاقتصادية. ويعد "ملف أجور القطاع العام والتقاعد" عقبة من العقبات الكبيرة أمام التوازن ضمن الموازنة المتهالكة، حيث يقدر عدد الأجور التي تدفعها الدولة بـ320 ألف معاش شهري.
يؤكد الدكتور أنيس أبو دياب الأكاديمي في الجامعة اللبنانية على صعوبة الوضع، بسبب الحجم الكبير للقطاع العام من جهة، وتدني القدرة الشرائية للأجور التي لم تصل بعد إلى مستوى 23 في المئة (مع المساعدة الاجتماعية وبدل النقل)، مما كانت عليه قبل الانهيار المالي والاقتصادي، وغياب أي تصحيح فعلي للأجور، حيث اتخذت المساعدات الاجتماعية طابع المساعدات والهبات، وليس تصحيحاً أساسياً يدخل إلى صلب الراتب، فيما "لا تتجاوز أجور التقاعد عتبة 200 دولار أميركي في ظل التضخم الكبير تجاوز عام 2025 وحده 15 في المئة".
ويلفت أبو دياب إلى "اعتماد الدولة لأسلوب الترقيعات وليس الحلول المستدامة، وابتداع ما يسمى المساعدات الاجتماعية الطارئة، من دون النظر بالرواتب بسبب ضعف الاقتصاد"، فالمتقاعد يتقاضى 11 راتباً، ولكن راتباً واحداً منها ضمن التقديمات الفعلية، أما الأخرى فتدخل تحت بدعة المساعدة الاجتماعية، التي يمكن للحكومة أن تتوقف عنها عندما تشاء.
ينوه أبو دياب إلى أنه في المرحلة السابقة لعام 2019، كان حجم الناتج المحلي 54 مليار دولار أميركي، أما حالياً فلا يتجاوز 34 مليار دولار أميركي، كما أن الإدارة العامة في حال يرثى لها، وودائع الناس محتجزة في المصارف، والحكومة عاجزة عن إيجاد موارد مستدامة، مستبعداً البحث في سلسلة جديدة للرواتب قبل أواسط فصل الربيع، إذ يمكن إلى حينه إقرار قانون الفجوة المالية، والتواصل السليم مع صندوق النقد الدولي الذي يشترط أن تبقى الموازنة متوازنة.
يتطرق أبو دياب إلى ما يصفه "الموازنة المتوازنة" ومطالب صندوق النقد، معتبراً أنه "لا يمكن الخروج من الأزمات المتراكمة دون اتفاق واضح مع صندوق النقد، ليفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية والمؤسسات المالية الدولية. بالتالي إنهاء الدوامة المالية التي بدأت قبل أكثر من عقد، وهو ما مهد إلى عزل لبنان عن العالم العربي والمؤسسات المالية الدولية".
يصف الاتفاق مع صندوق النقد الدولي بجواز سفر إلى العالم، مع ضرورة الحفاظ على النظام التقاعدي في لبنان، شرط إعادة هيكلة القطاع العام، ووضع سياسة حماية اجتماعية شاملة لجميع الشرائح اللبنانية. كما لا بد من إعادة النظر في المؤسسات التي لا تعمل والتي تشمل مئات الموظفين، ووقف أبواب الهدر الواسع من بوابة الزبائنية السياسية، وحشو الإدارات والمؤسسات. متحدثاً عن خلق 32 ألف وظيفة منذ عام 2018 ولغاية اليوم، تحت تسميات وظيفية مختلفة.
يخلص أبو دياب "لا بد من حماية المعاشات التقاعدية والحفاظ عليها شرط تخفيف الهدر"، ومن ثم "ليس المطروح إلغاء النظام التقاعدي، وإنما إعادة النظر فيه. حيث هناك توجه للعودة إلى مشروع وضع عام 2014، واعتماد نهاية خدمة وتعويضات مدروسة ومخفضة، مع ضمانة وجود نظام حماية اجتماعية شاملة، وتغطية صحية وطبية وتعليم مجاني، وهو ما يحتاج إلى تمويل دائم".