Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل بين أرباح الغاز وشبح النضوب بعد الصفقة مع مصر

35 مليار دولار لم تمحُ مخاوف تل أبيب على رغم التفاؤل الرسمي

تقديرات بنفاد الغاز الإسرائيلي خلال 20 عاماً بفعل الصادرات الضخمة وتنامي الاستهلاك المحلي (أ ف ب)

ملخص

هناك من يرى في تل أبيب أن مكاسب الصفقة تتجاوز الـ35 مليار دولار إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

أحيت صفقة توريد غاز حقل "ليفياثان" إلى مصر مخاوف إسرائيلية قديمة من نفاد الاحتياطات خلال أقل من 20 عاماً، قوبلت على الجانب الآخر بزهو من القائمين على الحقل بمنجزات الصفقة الأضخم في تاريخ البلاد.

وقع الشريكان في حقل "ليفياثان"، "ريشيو" و"نيوميد إنرجي" المملوكة لمجموعة "ديليك" التي يملكها الملياردير وقطب الأعمال الإسرائيلي إسحاق تشوفا اتفاقاً لتصدير الغاز من الحقل إلى مصر حتى عام 2040، مقابل 35 مليار دولار.

وبحسب صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية الإسرائيلية وُقِّع الاتفاق مع شركة "بلو أوشن" التي تشتري الغاز لمصر، وتتضمن بيع 130 مليار متر مكعب للقاهرة على مرحلتين، ومن المتوقع تنفيذ المرحلة الأولى من الصفقة الحالية، وهي بيع نحو 20 مليار متر مكعب بدءاً من العام المقبل.

هذه أبرز تفاصيل الاتفاق بين مصر وإسرائيل

ومع اكتمال مشروع توسعة حقل "ليفياثان" واستكمال خط الأنابيب الجديد (خط رامات هوفاف - نيتزانا) ستبدأ المرحلة الثانية من الصفقة التي تشمل 110 مليارات متر مكعب إضافية، وبعد اكتمال المرحلة الثانية، سيبيع شركاء "ليفياثان" 12 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً لمصر.

وتنص الشراكة على أن كمية الغاز المراد بيعها جرى حسابها وفقاً للطلب المتوقع على إمدادات الغاز الطبيعي في الاقتصاد المحلي في إسرائيل بهدف ضمان توفير حاجات الاقتصاد المحلي، وأن تواريخ بدء إمدادات الغاز حددت وفقاً لتقدم المشاريع المتعلقة بزيادة كمية الغاز وتطوير حقل "ليفياثان".

وتمثل الكميات 22 في المئة من احتياط "ليفياثان" ونحو 13 في المئة من إجمال سعة الغاز في إسرائيل، وينضم هذا الاتفاق إلى اتفاق التصدير المبرم عام 2019، بنحو 60 مليار متر مكعب، ويضاعف الصادرات إلى مصر ثلاثة أضعاف.

وفي بلد تملؤه الهواجس حيال نفاد احتياطات الغاز كان من الطبيعي أن تبرر "نيوميد" الصفقة بتأكيد كونها تسهم في زيادة كمية الغاز الطبيعي المنتج في إسرائيل بصورة كبيرة (زيادة بنحو 30 في المئة مقارنة بكمية الغاز الطبيعي المنتجة حالياً)، ورفع القدرة الإنتاجية السنوية من الخزان إلى نحو 21 مليار متر مكعب.

وصف الرئيس التنفيذي لشركة "نيوميد" يوسي أبو يوم الإعلان عن الصفقة بـ"التاريخي"، مشيراً إلى قدرة حقل "ليفياثان"، أكبر حقل للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط، كـ"أداة لتغيير الواقع الاستراتيجي".

"تغيير قواعد اللعبة في قطاع الطاقة الإقليمي"

بالنسبة إلى يوسي تعزز الصفقة من قدرات شركته على "تغيير قواعد اللعبة في قطاع الطاقة الإقليمي" بالنظر إلى أن الاتفاق الموقع هو "الأكبر والأهم" في تاريخ قطاع الغاز الطبيعي الإسرائيلي، ويمثل أحد أكبر الاتفاقات في تاريخ البلاد، فضلاً عما يعنيه من تعزيز لاستقرار المنطقة، وتمهيد لتعزيز أمن الطاقة في الاقتصاد الإسرائيلي.

أما الملياردير الإسرائيلي إسحاق تشوفا مالك المجموعة فيرى أن الصفقة "تعكس تقديراً عميقاً ومتبادلاً" بين مجموعة "ديليك" وشركائها المصريين، ثم يضيف "بالنسبة إلينا، لا يعد هذا إنجازاً تجارياً استثنائياً فحسب، بل هو أيضاً علامة فارقة تاريخية تعزز التعاون الإقليمي والاستقرار والأمل في الشرق الأوسط. يثبت حقل (ليفياثان) الذي أصبح رصيداً استراتيجياً لدولة إسرائيل مرة أخرى أنه ليس مجرد حقل غاز، بل هو ركيزة أساسية للتعاون الاقتصادي. فهو ينشئ روابط ويفتح آفاقاً جديدة ويؤسس شراكات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل والرؤية المشتركة لمستقبل أفضل. أفخر بدور مجموعة (ديليك) المحوري في هذه العملية الاستراتيجية، وأتطلع إلى تعزيز التعاون مع دول أخرى في المنطقة".

ولم يتوقف سيل تبرير الصفقة إسرائيلياً على الشركاء في الحقل، بل كان لرئيس جمعية الغاز الطبيعي الإسرائيلية أمير فوستر نصيب منه، فبالنسبة إليه تعد "صفقة تاريخية لإسرائيل والمنطقة".

يبرز توقيع الصفقة الأكبر في تاريخ إسرائيل، القوة الجيوسياسية والاقتصادية لاقتصاد الغاز الطبيعي الإسرائيلي، بحسب ما يصف فوستر، مشيراً إلى تضمين الصفقة استمرار التطوير الكبير للبنية التحتية لإنتاج الغاز الطبيعي في إسرائيل، مما يضمن أمن الطاقة لعقود قادمة، ويزيد إيرادات الدولة بعشرات المليارات من الشواكل الإضافية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي دفاعه يخفف رئيس "نيوميد" من روع مخاوف البعض حيال نفاد الطاقة الإسرائيلية في غضون سنوات، ويقول "صممت الصفقة برمتها لتراعي أولاً حاجات الاقتصاد المحلي. اكتشفت نحو 1000 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الموجود والمثبت في إسرائيل. تستهلك إسرائيل حالياً 13.5 مليار متر مكعب سنوياً، بالتالي عند أخذ الاستهلاك الحالي والنمو المتوقع فيه في الاعتبار، يقدر أنه سيصل إلى نحو 440 مليار متر مكعب بحلول عام 2050. بعبارة أخرى لدينا كمية هائلة من الغاز الطبيعي قابلة للتصدير بالتوازي مع ما يكفي لخدمة الاقتصاد المحلي بعد عام 2050 بكثير".

ويختتم حديثه قائلاً "إن الغاز الطبيعي سيكون بمثابة مرساة لخلق التطبيع مع الدول الأخرى في المنطقة، ونحن عازمون على المشاركة في ذلك".

"أكبر صفقة غاز في التاريخ"

كان وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين من بين المتحمسين للصفقة مع مصر، إذ كتب على حسابه بموقع "إكس" قائلاً "تعد أكبر صفقة غاز في التاريخ. تظل خبراً مهماً على الصعيد الأمني والدبلوماسي والاقتصادي. هي ترسخ مكانتنا كقوة إقليمية رائدة في مجال الطاقة، ويعتمد عليها جيراننا ويحتاجون إليها، وتمثل خبراً ساراً للاقتصاد الإسرائيلي، إذ ستدر مليارات الدولارات على خزانة الدولة، وتوفر فرص عمل، وتعزز الاقتصاد. سنواصل تعزيز قطاع الغاز الطبيعي، وهو رصيد استراتيجي لإسرائيل".

في إسرائيل ثلاثة حقول غاز طبيعي عاملة: حقل "تمار" الذي يحوي نحو 300 مليار متر مكعب، وتمتلك شركة "شيفرون"، مشغلة الحقل، حصة 25 في المئة منه، وحقل "ليفياثان"، الذي يحوي نحو 600 مليار متر مكعب، وتشارك فيه "شيفرون" أيضاً بحصة 40 في المئة، أما الحقل الثالث، "كاريش"، فيحوي نحو 100 مليار متر مكعب، وتملكه وتشغله شركة "إنرجي"، وهذا يعني أن "شيفرون" تدير ما يقارب 90 في المئة من احتياطات الغاز في إسرائيل، مما يمنحها نفوذاً كبيراً في سوق الغاز الطبيعي الإسرائيلية.

ووفقاً لبيانات من الشركات الإسرائيلية توجد احتياطات غاز تبلغ نحو 1027 مليار متر مكعب، وتقدر وزارة الطاقة بناءً على عمل مستشارين خارجيين أن هناك احتياطات تبلغ 850 مليار متر مكعب فقط.

هل المخاوف الإسرائيلية مبررة؟

في غضون ذلك يتوقع أن يرتفع الطلب على الكهرباء في إسرائيل بصورة كبيرة، ويعد النمو السكاني العامل الأكثر تأثيراً، لكن في السنوات الأخيرة أضيفت أيضاً المركبات الكهربائية والاستخدامات الأخرى إلى هذا الاتجاه.

ووفقاً لتقرير صادر عن وكالة "موديز" سيزداد الطلب على الكهرباء إسرائيل بنسبة 9.9 في المئة سنوياً حتى عام 2028، مما يعني زيادة في الطلب بنسبة 3 -3.5 في المئة سنوياً، وسيتعين بناء 7 محطات طاقة جديدة بحلول عام 2035 لتلبية الزيادة في الطلب، وهو ما سيعني زيادة استهلاك الغاز الطبيعي محلياً.

المعارضون للصفقة من الأوساط الاقتصادية والبرلمانية يفترضون سيناريو ستستهلك فيه إسرائيل محلياً 515 مليار متر مكعب بحلول عام 2048 في حين أن احتياطات الغاز ملزمة بحجز 440 مليار متر مكعب للبيع في السوق المحلية بحلول عام 2043، مما يعني أنه غضون 20 عاماً، يمكن أن تصبح إسرائيل دولة مستوردة للغاز.

في ختام المشهد تكشف صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، على رغم حجمها القياسي وقيمتها البالغة 35 مليار دولار، عن مزيج معقد من الطموح الاقتصادي والمخاوف الاستراتيجية، فهي تمثل من جانب فرصة لتعزيز التعاون الإقليمي وترسيخ موقع إسرائيل كلاعب رئيس في سوق الطاقة، لكنها من جانب آخر تثير تساؤلات حول استدامة الاحتياطات المحلية وضمان أمن الطاقة على المدى الطويل. وبين مؤيديها الذين يرون فيها إنجازاً تاريخياً ومعارضيها الذين يحذرون من تداعياتها المستقبلية، تبقى الصفقة علامة فارقة في مسار الغاز بشرق المتوسط تحمل وعوداً وفرصاً بقدر ما تحمل تحديات وحسابات دقيقة للمستقبل.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز