Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسالة إلى الرئيس ماكرون: قبل أن تصبح فلسطين "مقبرة"

بعثها مؤرخان إسرائيليان فرنسيان تحمل في افتتاحيتها مطالبة بعقوبات مباشرة ورادعة بحق إسرائيل

صناديق المساعدات الغذائية ووزنها طن واحد في أجواء غزة بعدما ألقاها الجيش الأردني (بيل ترو)

 

ملخص

يخاطب الكاتبان الرئيس الفرنسي، في عنوان مقالتهما، خطاباً مباشراً يحذر "السيد الرئيس" من أن اعترافه بدولة فلسطين، إذا اقتصر على المبادرة الدبلوماسية، ولم تصحبها إجراءات عقابية قاسية ورادعة ومباشرة في حق إسرائيل، لن يؤدي إلا إلى "اعتراف بجبانة" ترقد فيها أشلاء القتلى الفلسطينيين، أي ضحايا حرب غزة.

وجه مؤرخان إسرائيليان- فرنسيان رسالة إلى الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، غداة إعلانه في الـ24 من يوليو (تموز) عزمه على الاعتراف بدولة فلسطين الخريف القادم في إطار "حل الدولتين"، صيغة فعلية، في نظره للخروج من نفق حرب غزة المتدحرجة والمتناسلة لا إلى غاية أو نهاية. والمؤرخان الكاتبان هما إيلي بَرنافي، الدبلوماسي وسفير إسرائيل سابقاً (2000- 2002) إلى فرنسا، وأستاذ (متقاعد) مادة تاريخ الغرب المعاصر في جامعة تل أبيب، ومستشار متحف أوروبا في بروكسل، ومؤلف عدد من الكتب في تاريخ الدولة العبرية المعاصر. والمؤرخ الآخر هو فانسان لومير، ويدرس في جامعة شرق باريس- غوستاف إيفل. وكان مديراً لمركز البحث الفرنسي في القدس (2019- 2023)، ونشر كتابين تناول فيهما تاريخ القدس واجتماعيات حارة المغاربة فيها. ونشرت صحيفة لوموند، الفرنسية، رسالة المؤرخين في الخامس من أغسطس (آب) الجاري... في باب مقالات الرأي.

ويخاطب الكاتبان الرئيس الفرنسي، في عنوان مقالتهما، خطاباً مباشراً يحذر "السيد الرئيس" من أن اعترافه بدولة فلسطين، إذا اقتصر على المبادرة الدبلوماسية، ولم تصحبها إجراءات عقابية قاسية ورادعة ومباشرة في حق إسرائيل، لن يؤدي إلا إلى "اعتراف بجبانة" ترقد فيها أشلاء القتلى الفلسطينيين، أي ضحايا حرب غزة، والإبادة التي يرتكبها جيش الدولة العبرية في أهالي غزة منذ قرابة السنتين، وتتوّجها حرب التجويع منذ ستة أشهر.

وتدعو الرسالة، في مطلعها، الرئيس الفرنسي إلى ألا يستسلم للنشوة التي قد تخلفها سلسلة الاعترافات بدولة فلسطين، في إطار الدولتين، وبادرت إليها دول غربية في "مجموعة (الدول) السبع"، شأن المملكة المتحدة وكندا. ولا ينكر أن سبحة الاعترافات هذه "تعظم قدرات المواطنين الفلسطينيين الحقيقية والقانونية في الهيئات والمحافل الدولية"، في وقت يحتاج فيه هؤلاء إلى هذه القدرات أشد الحاجة.

تكافؤ الدولتين

ويذكر المؤرخان بأن المبادرة الأخيرة حلقة في سلسلة حلقات وعود واعترافات وإنكار، أولها وعد بلفور، في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917. وفي ختام الحرب الإسرائيلية - العربية الأولى، في الـ24 من يناير (كانون الثاني) 1949، اعترف وزير خارجية فرنسا، روبير شومان، كتابة، بحكومة إسرائيل الموقتة. وأضاف أن القرار هذا لا يستبق ترسيم الأمم المتحدة حدود الأراضي التي تخضع لسيادة الحكومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الثاني من مايو (أيار) 1989، اعترف ياسر عرفات، مشافهة في عبارته الشهيرة عن بنود ميثاق منظمة تحرير فلسطين (التي نصت على "تدمير الكيان الصهيوني") الماضية ("كادوك" بالفرنسية) وكتابة في التاسع من سبتمبر (أيلول) 1993 (اعترف عرفات نفسه) بـ"حق إسرائيل في العيش بسلام وأمن"، وبقراري مجلس الأمن 242 و238، وبحدود وقف إطلاق النار بين 1949 و1967. وفي اليوم التالي، اعترفت الحكومة الإسرائيلية، في رئاسة يتسحاق رابين، بجبهة تحرير فلسطين، "ممثلاً للشعب الفلسطيني"، من غير اعتراف بحق الفلسطينيين في دولة. وغياب التكافؤ هذا، أو هذا الإنكار للحق الفلسطيني، يراه المؤرخان الخطيئة الأصلية التي ارتكبتها اتفاقية أوسلو، والتي تحاول رسالة الرئيس الفرنسي إلى محمود عباس، الرئيس الفلسطيني، تعويضها. فالرسالة الفرنسية تحمل الاعتراف بالدولة الفلسطينية على مقدمة عملية السلام من خلال حل الدولتين. وعليه، يصدق وصف مبادرة ماكرون بـ"التاريخية"، يقول الكاتبان.

وبعد مديح المبادرة، والتنويه بفضائلها، يستدرك صاحبا الرسالة على المديح والتنويه، وينبهان إلى أن لا فلسطينيو غزة ولا الرهائن الإسرائيليون يقرأون الصحافة الدولية التي تعالج القضايا الدبلوماسية، وتناقش مسائل الإبادة. والأرجح أن لا علم لهؤلاء ولا لأولئك بأن المنظمة غير الحكومية "بتسيليم" الإسرائيلية نشرت تقريراً يتناول بتوثيق دقيق استراتيجية الإبادة التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية. ويؤيد التقرير ما خلصت إليه منظمات أخرى في الشأن نفسه، مثل "أطباء بلا حدود" و"لجنة العفو الدولية" ("أمنستي")، إلى مؤرخين إسرائيليين كثر شأن دانييل باتمان وألومير بارتوف، وأموس غولدبرغ، ومتخصصين آخرين. وفي الأثناء اقترح موفد الرئيس ترمب، ستيف ويتكوف، اتفاقاً "نهائياً" يقضي بتحرير الرهائن مرة واحدة نظير إنهاء الحرب على غزة، وأعلنت "حماس" استعدادها للموافقة على الاتفاق.

وعلم الفلسطينيون والرهائن بالأمر أم لم يعلموا، فالحق أن علمهم لا يغير شيئاً في ما يعانونه. فهم يموتون جوعاً، ويموتون عطشاً، وتفتك بهم الأمراض التي لا دواء لها في القطاع المحاصر، ويقتلون برصاص القناصة المرتزقة الذين يخدمون منظمة غزة المزعومة إنسانية. ويضيف المؤرخان: "هم يموتون كذلك جراء جبننا وتنازلنا وتنصلنا من تبعاتنا الأخلاقية والقانونية". وحاجاتهم لم تعد تقتصر على الأدوية والطعام والماء، بل تتعدى هذه إلى الأطباء والممرضين، وهؤلاء يستحيل إلقاؤهم من الطائرات والمظلات، على ما يفعل بعض المسعفين، ومنهم ربما فرنسا نفسها، حضرة السيد الرئيس"، على ما يكتب المؤرخان معاتبين.

عقوبات قبل فوات الوقت

ويعرج برنافي ولومير على رهائن "حماس"، وعلى الصور "المرعبة" التي تصف ضعفهم وهزالهم، وقربهم من الموت، وتبعث في نفوس أهلهم اليأس والقنوط. ويكرر الكاتبان أن الاعتراف لا يحمي فلسطينيي الضفة الغربية من عنف المستوطنين المنفلت من كل عقال أو قيد، ولا من الدعوة إلى ضم أرضهم، ومن إجراء هذا الضم الذي صوت عليه البرلمان الإسرائيلي في الـ23 من يوليو بـ71 صوتاً ضد 13. هؤلاء كلهم، الأحياء والأموات، ماذا يصيبهم، يسأل صاحبا الرسالة، من الجلبة الإعلامية والدبلوماسية الغربية التي أثارتها مبادرة الرئيس الفرنسي. فالرئيس الفرنسي يعلم حق العلم، على ما لا يشك الكاتبان ويقولان مخاطبين الرئيس، أن العقوبات وحدها في وسعها أن تؤتي نتيجة، وأن تؤثر.

والعقوبات التي يتوقع أن تؤثر، على قول الرجلين هي العقوبات السريعة والمحددة، أي تلك التي تنبه الرأي العام من غفلته، وينتقل أثرها من الجمهور إلى الحكومة. وإذا لم يفعل ماكرون هذا، ويبادر إليه اليوم قبل الغد، على ما يحذره بل وينذره مواطناه، فلن يبقى من فلسطين التي يدعو إلى الاعتراف بدولتها غير مقبرة واسعة لا يهم "مواطنيها"، على ما تقدم القول، الاعتراف بهم أو بـ"دولتهم". وينبغي أن تهدف العقوبات، على وجه الدقة، إلى إدخال الطعام والرعاية الصحية إلى غزة من غير قيد على الكمية. وتحتاج غزة، في الأحوال العادية، إلى حمولة 500 شاحنة يومية من الغذاء والأدوية والمحروقات طوال أسابيع من غير انقطاع، في سبيل كبح دينامية المجاعة الشرسة.

المباشرة وإلحاق الشلل

والإجراءات العقابية المطلوبة لا ترمي إلى كبح المجاعة وحسب. فكبحها فعلاً، وعلى الدوام، يشترط أموراً أخرى هي، بحسب الكاتبين، وقف إطلاق نار دائم، وتحرير كل الرهائن، وحماية فلسطينيي الضفة الغربية، وذلك في سبيل "حماية إسرائيل من نفسها"، ومن الحمى التي انتابتها. وعلى خطى عشرات الشخصيات الإسرائيلية المرموقة التي وقعت في صحيفة غارديان البريطانية، في الـ29 من يوليو، بياناً دعا، قبل الكاتبين، إلى فرض عقوبات مباشرة تصيب إسرائيل بـ"الشلل"، يستعيد الكاتبان صفة العقوبات هذه: عليها أن تصيب الدولة المعتدية بالشلل. ويسأل صاحبا الرسالة، مستبقين ومصطنعين السذاجة: هل هذه العقوبات "معادية للسامية"؟ أم أنها "معادية للصهيونية"؟ لا هذه ولا تلك، موقعو البيان: جنرال، ومدعٍ عام سابق، وقضاة... "وطنيون" يدركون أن المهرجانات الدبلوماسية والخطابية لا تنفع في معالجة سياسات حكومة فاشستية لا تفهم غير لغة القوة.

الكيل بمكيالين

ما هي هذه العقوبات؟ يسأل المؤرخان، ويجيبان بشواهد من عقوبات سابقة فرضتها دول متفرقة. فهولندا أصدرت قراراً باعتبار وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير وزميله العنصري وزير المالية سموتريتش، غير مرغوب فيهما على الأراضي الهولندية. ولكن هذا الإجراء غير كاف، في نظر المؤرخين فهما يقترحان تعميمه على كل الوزراء الإسرائيليين من غير استثناء، إلى شموله الأراضي الأوروبية كلها، فهؤلاء الوزراء "متضامنون متكافلون"، في إطار "حكومة مجرمة ومستبدة".

والشاهد الثاني هو دولة سلوفينيا التي أعلنت حظراً منفرداً على تصدير السلاح إلى الدولة العبرية، وتطالب السويد بتعليق الاتفاق التجاري بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وتبلغ التجارة البينية ثلث حجم التجارة الإسرائيلية. وأعلنت بلجيكا، وهولندا، وإيرلندا، وليتوانيا، وسلوفينيا، وإسبانيا، عزمها على تنفيذ مذكرة التوقيف التي أصدرتها محكمة الجزاء الدولية في حق بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وإلى اليوم، تذكر الرسالة الرئيس الفرنسي، لم تطلب فرنسا إنزال عقوبة محددة ونافذة في مسؤول إسرائيلي واحد، ولم تعد العدة بالأحرى لإجراء من هذا القبيل.

وبينما تتراكم العقوبات غير المجدية في حق روسيا، البلد القاري المساحة والموارد، لم يصوت الاتحاد الأوروبي على حزمة عقوبات واحدة في حق إسرائيل، البلد الضيق الذي تتردد أصداء عقوبة واحدة تنزل به في متاجره وبقالاته من أدناها إلى أقصاها. وهذا كيل بمكيالين، يقول الكاتبان، حين ينبغي أن يكون القانون الدولي واحداً، وأن يسري على الجميع. وإذا لم تتمسك أوروبا بهذا المبدأ، انتهى أمرها، يتنبأ لها المؤرخان، إلى الانهيار والاختفاء عن المسرح العالمي.

وإذ يعودان إلى مخاطبة ماكرون، وحثه على الإسراع في تشكيل تكتل من الدول المتطوعة يضطلع بإنفاذ إجراءات عقابية مباشرة ورادعة وتؤدي إلى شلل الدولة الجانية، على ما سبق القول، ينبهان إلى نيات التهجير والتطهير العرقيين و"الطوعيين" اللذين لا يتستر عليهما وزير إسرائيلي مثل وزير الاتصالات في حكومة نتنياهو، شلومو قارحي. ويعلن هذا الوزير أن حكومة بلده "في سباق مع الوقت"، وهو يقصد إخلاء غزة من أهلها. وعليه، ينبغي أن يسابق مناهضو الإخلاء والتهجير، شأن الرئيس الفرنسي، الوقت كذلك، وأن يسبقوا أنصارهما (الإخلاء والتهجير)، ويحتشد الغزيون الذين لم يرحلوا عن غزة بعد، اليوم، في مساحة لا تتعدى 12 في المئة من مساحة القطاع كلها. ومعنى هذا أن خطة التهجير المزمعة والمعلنة قريبة من بلوغ غايتها، يقول كاتبا الرسالة إلى الرئيس الفرنسي، غير آبهين بالإلحاح والتكرار، وهما يقارنان بين بطء الدبلوماسية ومداهمة الإجراءات النافذة والحاسمة:

"السيد الرئيس، لا تنساقوا إلى الخلط بين الضجيج الدبلوماسي وبين الوقائع الميدانية. فمنذ إعلانكم مبادرتكم في الـ24 من يوليو، انقلب الصعيد الدبلوماسي رأساً على عقب، إلا أن شيئاً لم يتغير في غزة نفسها. والوعد بالاعتراف لم يطعم يوماً أحداً بلغة [لقمة]. وإذا شئتم فعلاً حماية حظوظ دولة فلسطينية، وقيامها في المستقبل، عليكم أن تنقذوا أولاً أرواح مواطنيها" على أن يكون في أغسطس أسبوع العقوبات. وما لم يحصل ذلك، كان اعترافكم بدولة فلسطين توقيعاً على صك وفاة.

المزيد من تقارير