Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متابعة من الجو... هكذا تلقى المساعدات فوق أنقاض غزة وجوعاها

من على متن طائرة أردنية، بدت غزة كمقبرة جماعية مشرعة تتساقط على أرضها الممزوجة بالموت صناديق إغاثة لا تسمن ولا تغني من جوع

مشهد غزة المدمرة كما يظهر من داخل طائرة عسكرية أردنية تلقي المساعدات من الجو (بيل ترو)

ملخص

من على متن طائرة عسكرية أردنية، تنقل مراسلة "اندبندنت" بيل ترو مشهداً سوريالياً لغزة من الجو، مدن محترقة تبدو كأن عمالقة مزقوها بأسنانهم، وعائلات تائهة تحت الشمس على الشاطئ، في حين تُلقى المساعدات من السماء ضمن محاولة يائسة لا تسمن ولا تغني من جوع.

يطالعك من الجو مشهد أنقاض متفحمة لمدن كانت تعج يوماً بالحياة، فيما يفتح الباب الخلفي للطائرة العسكرية الأردنية. وتبدو الأرض تحتنا -أي غزة- كومة رماد وركام، قاع حفرة نار تمتد حتى الأفق.

يبدو للناظر وكأن عمالقة نسفوا كل أثر للحياة هنا ودمروه، آثار أسنانهم الضخمة بارزة على المباني القليلة التي ما زالت، بالكاد، منتصبة بعدما قضموا أجزاء منها. وكل شيء آخر يبدو وكأنه دهس تحت الأقدام.

ومن بعض الزوايا الأخرى، تظهر آثار الدبابات الإسرائيلية التي نهشت ما تبقى من التربة، تاركة خربشات مقيتة على الأرض. أما الأثر الوحيد للحياة في المكان فهو العائلات المكدسة داخل خيم نصبت على بعض أجزاء الشاطئ تحت أشعة الشمس الشرسة.

ومن على الأرض، تبدو هذه الطائرات الهائلة وهي تشق السماء بصخب. أمر يبعث على السخرية. فغزة لا تتعدى 40 كيلومتراً طولاً وبضعة كيلومترات عرضاً مفتوحة تماماً ويمكن الوصول إليها بالكامل من البر والبحر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن بسبب القصف الإسرائيلي الذي لا يهدأ على القطاع، والحرب مع حركة "حماس" المسلحة، إضافة إلى الحصار الخانق الذي فرضته إسرائيل، تلجأ دول عدة الآن إلى إنزال المساعدات جواً، وهي عملية تكبد أثماناً باهظة.

في كل الأحوال، يعد الإنزال الجوي للمساعدات الحل الأخير وإجراء يائساً، إذ نادراً ما تصل المساعدات إلى من هم بأمس الحاجة إليها، كما أن العملية قد تكون خطرة، وهناك طرق برية أكثر أماناً وبساطة، وفقاً لما قاله مسؤولون في الأمم المتحدة لـ"اندبندنت"، فالمحتضرون من الجوع أضعف من أن يشاركوا في لعبة البقاء للحصول عليها.

أحياناً، تسقط المساعدات في البحر، وأحياناً تسقط فوق رؤوس الناس عينهم الذين من المفترض أن تنقذهم، مخلفة تبعات قاتلة.

عن هذا، قال معتصم القرعان 31 سنة من وسط غزة، متحدثاً عن قريبه الممرض عدي القرعان الذي قتل سحقاً خلال وقت سابق أول من أمس الإثنين "مثل كل الشباب الآخرين، انتظر عدي تحت لهيب الشمس أربع ساعات طوال. لكن عندما وصلت الطائرات، لم يستطع الابتعاد خلال الوقت المناسب".

وقعت حمولة المساعدات الملقاة من الجو فوق وسط غزة على رأسه فيما كان ينتظر الحصول على مساعدات غذائية، كما قالت عائلته وشهود عيان لـ"اندبندنت".

وأضاف معتصم "(عدي) متزوج ولديه ولدان. وكان مثل كل مواطن في غزة، جائعاً منذ أربعة أشهر".

وتابع "كانت الطائرة التي ألقت المساعدات والتي قتلت عدي تحمل 12 صندوقاً داخل كل واحد منها 36 كرتونة طعام. أين عسانا نوزعها؟ لا تكفي المساعدات التي أنزلتها الطائرة لـ20 ألف شخص كانوا ينتظرون هنا".

وفي شمال القطاع، قال محمد منصور الأب لستة أطفال إنه عندما تُلقى المساعدات غالباً ما تستولي عليها عصابات مسلحة، فيما تفجر الجوع الخانق ليستحيل فوضى وخروجاً عن القانون.

وأحياناً، تسقط في البحر.

وقال محمد بنبرة يائسة "لا أجيد السباحة. خرج بعض في قوارب صيد صغيرة لكن عندما وصلوا إلى المساعدات، كان الطحين والسكر والرز فسدت بفعل مياه البحر".

أول من أمس، نفذت القوات المسلحة الأردنية التي تسمى أيضاً بالجيش العربي سبع عمليات إنزال جوي للمساعدات، إلى جانب الإمارات وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وكندا، فأسقطت 45 طناً من المساعدات الإنسانية على غزة في إطار جهود المملكة المتواصلة لدعم فلسطينيي القطاع.

وبالإجمال، نُفذت 289 عملية إنزال منذ أن سمحت إسرائيل باستئنافها قبل أسبوعين، أسقطت 305 أطنان من المساعدات.

وفي هذه الأثناء، حذر مسؤولون داخل الأردن من أن المساعدات المخصصة لغزة مكدسة في مستودعاتهم منذ أن أعادت إسرائيل فرض حصارها الخانق على القطاع خلال مارس (آذار) الماضي.

ووصف أمين عام الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية المسؤولة عن تنسيق القسم الأكبر من الإغاثة الأردنية لغزة حسين الشبلي، صورة قاتمة عن كابوس إدخال المساعدات إلى غزة من طريق البر.

وقال إن الصعوبات المتمثلة بالمسافات الطويلة والتوقف المتكرر على نقاط تفتيش متعددة يجعل عملية النقل صعبة، إضافة إلى إغلاق المعابر الحدودية مع غزة غالب الأوقات، و"عرقلة مستمرة لدخول المساعدات من قبل الكيان المحتل".

وتحدث عن "التأخير المتعمد في تفتيش المساعدات عند نقاط التفتيش والمعابر، الذي غالباً ما تحجز الشحنات بسببه لفترات طويلة ما يؤدي إلى فساد المؤن ومزيد من العرقلة".

كما أن هجوم المستوطنين الإسرائيليين المتكرر على قوافل المساعدات تسبب بتأخير كبير وأضرار في الشحنات. ثم يمكن أن ترفض المساعدات التي تنجح في العبور "لأسباب مشكوك بها" كما قال، في إشارة إلى حمولة تمور أعيدت أدراجها "بذريعة وجود نوى في التمر حسب زعمهم".

ما زالت إسرائيل تنفي وجود أية قيود على المساعدات أو حتى أية أزمة جوع داخل غزة، مع أن مرصد الجوع المدعوم من الأمم المتحدة قال أخيراً إن ما يحدث حالياً هو "أسوأ سيناريو للمجاعة".

وفي المقابل، تلقي الحكومة الإسرائيلية بالمسؤولية عن المعاناة داخل غزة على عاتق "حماس"، وتقول إنها تتخذ إجراءات لإيصال مزيد من المساعدات للسكان، بما في ذلك الإسقاطات الجوية.

وصل الأمر بالوحدة العسكرية الرئيسة التي تنسق شؤون المساعدات –"كوغات" COGAT- إلى لوم الأمم المتحدة على عدم تسلم المساعدات التي سمحت إسرائيل بدخولها، مع أن المسؤولين الأمميين يقولون إنهم يواجهون عدداً من العقبات، بما في ذلك صعوبة الحصول على تصاريح للوصول إلى نقاط التسلم.

وقال الجيش الإسرائيلي أول من أمس إنه سيواصل العمل "لتحسين الاستجابة الإنسانية داخل قطاع غزة"، فيما ينفي الادعاءات الكاذبة بتعمد تجويع غزة.

لكن الحقيقة أن الجوع ما زال يخطف حياة الأفراد، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة أول من أمس وفاة خمسة أشخاص إضافيين من الجوع أو سوء التغذية خلال الـ24 ساعة التي سبقت. ورفعت هذه الوفيات حصيلة الخسائر البشرية جراء الجوع إلى 180 شخصاً من بينهم 93 طفلاً، منذ بداية الحرب. لم يتوقف سيل الصور القادمة من المستشفيات، والتي يظهر فيها أطفال أذاب الهزال أجسادهم وعظامهم بارزة من تحت جلدهم الرقيق.

خلال الوقت نفسه، يلف القلق الشديد وضع الرهائن والأسرى الإسرائيليين الـ20 المتبقين على قيد الحياة، الذين ما زالوا في قبضة "حماس" بعدما أسرت أكثر من 250 شخصاً خلال هجماتها الدموية على جنوب إسرائيل خلال السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حين قتلت أكثر من ألف شخص آخرين وفق التقديرات الإسرائيلية.

في نهاية الأسبوع الماضي، نشرت الحركة المسلحة فيديوهات جديدة وصادمة عن أسيرين إسرائيليين هزيلين محتجزين داخل غزة، كان وقعها شديداً على الإسرائيليين، وتسبب بزيادة الضغط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كي يتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع "حماس"، خلال وقت تدرس فيه حكومته احتمال توسيع رقعة الحرب مرة جديدة، بعد مرور 22 شهراً تقريباً على بدايتها.

ويظهر أحد الفيديوهات أفيتار ديفيد الذي أصبح كالهيكل العظمي، بعدما أسر من مهرجان نوفا الموسيقي، وهو يقول إنه يحفر قبره بيديه ويتكلم عن قضاء أيام بلا طعام.

ومع تصاعد حدة الغضب العالمي من تفاقم المجاعة في غزة واستمرار القصف عليها، تحذر وكالات الأمم المتحدة من أن إلقاء المساعدات جواً لا يكفي، وأنه على إسرائيل أن تزيد بدرجة كبيرة كميات المساعدات التي تسمح بدخولها إلى القطاع براً.

وقالت الناطقة باسم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) تمارا الرفاعي إن عمليات الإنزال الجوي تكلف 100 ضعف كلفة إيصال المساعدات عبر البر، وعلى رغم امتنان الأمم المتحدة لأي اختراق يدخل مساعدات، فإن ما يُلقى جواً لا يعادل سوى "حمولة 10 شاحنات".

وأضافت "إذا كان هناك إرادة سياسية كافية لتنفيذ عمليات إسقاط جوي، فلا بد أن تكون هناك إرادة سياسية أيضاً للضغط على الحكومة الإسرائيلية لفتح المعابر والسماح للأمم المتحدة بأداء عملها".

العام الماضي، قدر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية Center for Strategic and International Studies الذي يتخذ من العاصمة واشنطن مقراً له أن كلفة رحلة جوية تستغرق أربع ساعات ذهاباً وإياباً لطائرة "سي 130" العسكرية تبلغ نحو 32 ألف دولار أميركي، فيما تقدر كلفة رحلة بالشاحنة من القاهرة إلى رفح جنوب غزة (حين كان هذا الطريق متاحاً) نحو 970 دولاراً.

وبالعودة إلى غزة، أفادت طواقم طبية محلية عن مقتل 40 فلسطينياً في الأقل بنيران القوات الإسرائيلية وجراء القصف الجوي على غزة أول من أمس، من بينهم 10 أشخاص من منتظري المساعدات في مراكز التوزيع التي تديرها منظمة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة، والتي تثير جدلاً واسعاً.

تقول الأمم المتحدة إن أكثر من ألف شخص لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات داخل القطاع خلال أشهر قليلة، أردي معظمهم قتلى بنيران وحدات الجيش الإسرائيلي العاملة في نقاط قريبة.

ونفت القوات الإسرائيلية مراراً استهداف طالبي المساعدات، وقالت إنها لم تطلق النار سوى في محيط مراكز التوزيع.

ومع استمرار الحرب، تواصل العائلات في غزة المنكوبة الموت أثناء محاولاتها إيجاد ما يسد رمقها.

وقال معتصم أثناء مشاركته في جنازة قريبه عدي "نشكر جميع الدول التي ساعدتنا والتي تحاول مساعدتنا، لكن الحل الوحيد هو فتح المعبر وتوزيع المؤن"، مضيفاً "ذهب قريبي كي يحضر وجبة لإطعام عائلته وأطفاله، وعاد إليهم جثة هامدة".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير