ملخص
يعزز تزايد عدد الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية من قدرة الأخيرة على الانضمام إلى مزيد من المعاهدات والاتفاقات الدولية، وكذلك قدرتها على حماية شعبها وممتلكاتها، فضلا عن ضمان إثارة مسؤولية إسرائيل عن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي.
فيما تمضي موجة الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية المستقبلية قدماً بقيادة قوى غربية فاعلة تملك نفوذاً اقتصادياً وجيوسياسياً، على وقع شعور عالمي متزايد بالإحباط من السياسات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وتفاقم حدة الأزمة الإنسانية داخل قطاع غزة، تتصاعد الأسئلة في شأن أهمية هذه الخطوات على المستوى القانوني الدولي، لا سيما في ظل وجود اعتراف أكثر من 140 بلداً حول العالم بالدولة الفلسطينية منذ عقود.
كيف نفهم تبعات تزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين قانونياً؟ يجيب المتخصص في مجال القانون الدولي الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة إبراهيم سيف المنشاوي، قائلاً إن "الاعتراف بفلسطين كدولة يمثل خطوة أساس نحو تجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة"، موضحاً خلال مقابلة صوتية مع "اندبندنت عربية" أن "الاعتراف بالدولة الفلسطينية في القانون الدولي يستند إلى عدد من المواثيق والقرارات القانونية الدولية الراسخة، والتي من بينها ميثاق الأمم المتحدة الذي نص في المادتين 1 فقرة (2) و(55)، على حق الشعوب في تقرير مصيرها".
قاعدة "حق تقرير المصير"
ويمضي المنشاوي في حديثه قائلاً إن "حق الشعوب في تقرير مصيرها، يعد قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي، وبمقتضاه يحق للشعوب تحديد وضعها السياسي بحرية تامة ودون تدخل خارجي، بما في ذلك الحق في إقامة دولة مستقلة. وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة –غير مرة- هذا الحق للشعب الفلسطيني، لا سيما ضمن قرارها رقم 3236 (1974) الذي اعترف بالحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، بما في ذلك الحق في تقرير المصير والاستقلال والسيادة الوطنية. وشددت محكمة العدل الدولية على هذا الحق أيضاً ضمن فتواها في شأن مدى مشروعية بناء الجدار العازل داخل الأراضي الفلسطينية لعام 2004، وفتواها في شأن الآثار القانونية الناشئة عن ممارسات وسياسات إسرائيل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية عام 2024".
ويتابع المنشاوي "كذلك، يستند الأساس القانوني للاعتراف بفلسطين إلى عدد من قرارات الأمم المتحدة، وبخاصة قرار الجمعية العامة رقم 181 لعام 1947، المعروف بقرار التقسيم، إذ يمثل نقطة انطلاق تاريخية وقانونية لإقامة دولتين في فلسطين، وقرار الجمعية العامة رقم 67/19 لعام 2012 بمنح فلسطين صفة "دولة مراقب غير عضو" في الأمم المتحدة، والذي يمثل اعترافاً ضمنياً بمكانتها ككيان دولي، إذ يؤكد هذا القرار على استيفاء فلسطين لأركان الدولة في القانون الدولي، كما هو محدد في اتفاق مونتيفيديو في شأن حقوق وواجبات الدول لعام 1933، والتي تتطلب وجود إقليم محدد وسكان دائمين وحكومة فعالة، والقدرة على الدخول في علاقات مع الدول الأخرى. ولا يخفى أن هذا القرار-كذلك- يدعم من قدرة الدولة الفلسطينية المستقبلية على الانضمام إلى المعاهدات والمنظمات الدولية، إذ بموجبه انضمت إلى اتفاقات جنيف ونظام روما الأساس للمحكمة الجنائية الدولية، ومعاهدات حقوق الإنسان الرئيسة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية".
البناء على "اتفاقات أوسلو"
وعن موجة الاعترافات الدولية الأخيرة التي تقودها دول غربية كبرى مثل فرنسا والمملكة والمتحدة وكندا، يضيف المنشاوي "يعزز من الاعتراف الدولي بفلسطين -أيضاً- اتفاقات أوسلو لعام 1993 التي أبرمتها منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. فعلى رغم أن هذه الاتفاقات لم تؤد إلى قيام دولة مستقلة بصورة كاملة، فإنها أقرت بوجود سلطة فلسطينية لها صلاحيات إدارية على أجزاء من الأراضي الفلسطينية، مما يشكل خطوة نحو الاعتراف بكيان سياسي فلسطيني، هذا إلى جانب إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي أصدرته منظمة التحرير الفلسطينية خلال الـ15 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1988 في الجزائر، والذي بموجبه اعترف عدد من الدول بفلسطين منذ ذلك الحين، كالدول العربية والإسلامية وعدد من دول أميركا اللاتينية. ناهيك بعدد من القرارات التي أصدرها مجلس الأمن والجمعية العامة التي تؤكد عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية منذ عام 1967، وتدعو إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتي كان آخرها القرار (دإط23/10-) الذي اعتمدته الجمعية العامة والصادر خلال الـ10 من مايو (أيار) 2024، بغالبية (143) صوتاً، وطالبت بموجبه بضرورة دعم طلب فلسطين للحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وأوصت مجلس الأمن بإعادة النظر في هذا الطلب".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشرح المنشاوي أهمية هذا القرار الأممي الأخير، قائلاً أن "وثيقته تضمنت مرفقاً يحدد طرق إعمال الحقوق والامتيازات الإضافية المتعلقة بمشاركة دولة فلسطين، اعتباراً من الدورة الـ79 للجمعية العامة، ومن بينها الحق في الجلوس بين الدول الأعضاء حسب الترتيب الأبجدي، وحق التسجيل في قائمة المتحدثين في إطار بنود جدول الأعمال، غير البنود المتعلقة بقضيتي فلسطين والشرق الأوسط، والحق في الإدلاء ببيانات باسم مجموعة ما، بما في ذلك إلى جانب ممثلي المجموعات الرئيسة، إضافة إلى الحق في تقديم والمشاركة في تقديم مقترحات وتعديلات وعرضها، بما في ذلك باسم مجموعة ما، وكذلك الحق في تقديم تعديلات للتصويت باسم الدول الأعضاء في مجموعة ما، وحق الرد في ما يتعلق بمواقف مجموعة ما".
التأثير المستقبلي
وعن أهم التبعات المرتقبة على أرض الواقع لموجة الاعترافات بالدولة الفلسطينية، يتساءل المنشاوي قائلاً "السؤال المهم الذي يثور في هذا الصدد، كيف سيؤثر هذا الاعتراف على مستقبل الدولة الفلسطينية؟"، ثم يجيب "الاعتراف الدولي بفلسطين سيعزز بصورة كبيرة من شخصيتها القانونية الدولية والحق في تقرير المصير، إذ سيرسخ الاعتراف الدولي المتتالي بفلسطين من حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، فكلما زاد عدد الدول التي تعترف بفلسطين، تأكد الحق الأصيل للشعب الفلسطيني في تحديد وضعه السياسي بحرية، وإقامة دولته المستقلة على أرضه. وسوف يمنح الاعتراف فلسطين وجوداً قانونياً مستقلاً عن إسرائيل، مما يعني أن حقوق والتزامات فلسطين كدولة قائمة بذاتها ستصير معترفاً بها بصورة أوسع، حتى وإن كانت ممارستها لهذه الحقوق مقيدة بسبب الاحتلال".
ثم يتابع "كما أن الاعتراف بفلسطين سيجعل لديها القدرة على الانضمام إلى مزيد من المعاهدات والاتفاقات الدولية، بما يعزز من قدرتها على حماية شعبها وممتلكاتها، وسيضمن إثارة مسؤولية إسرائيل عن الانتهاكات المزعومة للقانون الدولي، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، على غرار ما حدث بالنسبة إلى إحالة فلسطين الوضع في الأراضي المحتلة، بما فيها غزة، إلى المحكمة الجنائية الدولية".
ويضيف "من ناحية أخرى، يضع الاعتراف فلسطين من الناحية النظرية والقانونية على قدم المساواة مع الدول الأخرى في العلاقات الدبلوماسية، ويقلل من علاقات التبعية التي يفرضها الاحتلال. ويخلق الاعتراف الدولي المتزايد ضغطاً سياسياً ودبلوماسياً متزايداً على إسرائيل لإنهاء الاحتلال والالتزام بالقانون الدولي. وقد يدفع الدول التي لم تعترف بعد بفلسطين إلى إعادة تقييم مواقفها، مما يعضد بصورة متزايدة من مسألة حل الدولتين. كذلك، يمنح الاعتراف بفلسطين وزناً أكبر لها في المنظمات الدولية المختلفة، فحصولها على حقوق إضافية في الجمعية العامة بموجب قرار الـ10 من مايو 2024، السابق الإشارة إليه، سيسمح لها بالمشاركة بفاعلية أكبر في المداولات وصياغة القرارات وتقديم المقترحات. وأخيراً، يمكن أن يؤدي الاعتراف إلى قيام الجماعة الدولية بتقديم يد العون والمساعدة لفلسطين من أجل بناء وتعزيز مؤسسات الدولة الفلسطينية، مثل الأنظمة القضائية والتعليم والصحة والبنية التحتية، مما يعزز من قدرتها على ممارسة سيادتها المستقبلية، وهذا كله يصب بالطبع في مصلحة الشعب الفلسطيني".