ملخص
تحذيرات من أن تباطؤ النمو الاقتصادي وضعف سوق العمل وكلفة التغييرات المفاجئة لحكومة حزب العمال في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، أدت مجتمعة إلى تعميق العجز في المالية الحكومية
سيتعين على وزيرة الخزانة البريطانية راشيل ريفز رفع الضرائب فوراً لسد فجوة جديدة بقيمة 50 مليار جنيه استرليني (66.5 مليار دولار) في المالية العامة، وفقاً لإحدى أعرق المؤسسات الاقتصادية في بريطانيا.
يحذر المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية (NIESR) من أن تباطؤ النمو الاقتصادي وضعف سوق العمل وكلفة التغييرات المفاجئة لحكومة حزب العمال في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، أدت مجتمعة إلى تعميق العجز في المالية الحكومية.
ويتوقع المعهد أن تخفق وزيرة الخزانة في تحقيق أهداف الاقتراض بمقدار 41.2 مليار جنيه استرليني (54.8 مليار دولار)، وإذا أرادت استعادة هامش الأمان المالي البالغ 9.9 مليار جنيه استرليني (13.1 مليار دولار) الذي حافظت عليه منذ موازنة العام الماضي، فيتعين على ريفز إما رفع الضرائب أو تقليص الإنفاق بنحو 51.1 مليار جنيه استرليني (68 مليار دولار).
وقال مدير المعهد ديفيد أيكمان، لصحيفة "تلغراف"، إن الأمر يزداد صعوبة على وزيرة الخزانة لتجنب فرض ضرائب على العاملين إذا أرادت الالتزام بقواعد المالية العامة والوعود المتعلقة بالإنفاق.
وتأتي هذه التوقعات لتثير القلق في "داونينغ ستريت"، نظراً إلى مكانة المعهد كأقدم مركز أبحاث اقتصادي مستقل في بريطانيا، الذي شارك في تأسيسه الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز، الذي أسهم في تشكيل الفكر اليساري الحديث.
ويعد المعهد من المراكز الاقتصادية المرموقة عالمياً، وتستخدم بحوثه مؤسسات مثل وزارة الخزانة وصندوق النقد الدولي، ويترأس المعهد نائب محافظ بنك إنجلترا السابق السير بول تاكر.
يأتي هذا التحذير بعد عام فقط من هجوم راشيل ريفز على حزب المحافظين، بسبب ما وصفته بفجوة مالية تبلغ 22 مليار جنيه استرليني (29.2 مليار دولار) في المالية العامة.
واستندت وزيرة الخزانة إلى ذلك لتبرير ما وصفته بـ"موازنة تنذر بحدث يحدث مرة واحدة في الجيل"، وشهدت فرض زيادة ضريبية بلغت 40 مليار جنيه استرليني (53.2 مليار دولار).
وقالت ريفز إن هذه الزيادة القياسية في الضرائب كانت ضرورية لإصلاح المالية العامة، ومع ذلك فإن هذه الإجراءات يعتقد على نطاق واسع أنها تسببت في نتائج عكسية، إذ تراجعت ثقة رجال الأعمال، وارتفع معدل البطالة، وعادت معدلات التضخم للارتفاع مجدداً.
ما هي المفاضلات المكلفة التي تواجهها ريفز؟
من جانبه، اتهم وزير خزانة الظل ميل ستراد الفجوة المالية بأنها نتيجة "سوء إدارة اقتصادية" من حزب العمال.
وتشير التوقعات الكارثية للمعهد إلى أن موازنة هذا العام قد تفوق موازنة العام الماضي، على رغم أن وزيرة الخزانة كررت وعودها بعدم تكرار زيادات ضريبية على هذا النحو.
وفي محاولة لخفض الإنفاق الحكومي، واجهت ريفز تمردات كبيرة من نواب حزبها في البرلمان، مما يشير إلى أن تحقيق وفورات كبيرة عبر هذا الطريق سيكون صعباً.
وأضاف نائب مدير المعهد ستيفن ميلارد أن أي تعديل لقواعد الاقتراض قد يؤدي إلى "لحظة أخرى تشبه لحظة ليز تروس"، فيما أصرت ريفز على أن قواعدها المالية "صلبة كالصخر".
وبناء على ذلك، تبدو الزيادات الضريبية هي الطريق الأكثر احتمالاً لسد الفجوة في الموازنة.
وقال ديفيد أيكمان إن وزيرة الخزانة "تواجه معضلة ثلاثية مستحيلة، فمن الصعب بصورة متزايدة رؤية كيف ستحقق الحكومة أهدافها المالية، وتلتزم بوعود الإنفاق، وتتجنب رفع الضرائب على العمال، شيء ما سيتعين التنازل عنه".
وأشار ستيفن ميلارد إلى أن حجم الزيادات الضريبية المطلوبة يعادل زيادة قدرها خمسة بنسات، على معدلات ضريبة الدخل الأساسية والعليا.
وأضاف "هذه هي القرارات الصعبة حقاً التي ستضطر وزيرة الخزانة إلى اتخاذها إذا كانت تنوي جمع 50 مليار جنيه استرليني (66.5 مليار دولار)، لذا فإن التلاعب على الهامش لن يجدي نفعاً".
وحذر المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية من أن الوزيرة تواجه مفاضلات مكلفة، فتجميد حدود ضريبة الدخل لإجراء زيادة خفية يعني تحصيل مزيد من العمال ذوي الأجور المنخفضة والمتقاعدين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما رفع ضريبة القيمة المضافة فسيرفع معه كلفة المعيشة للأسر الفقيرة، وزيادة ضريبة الشركات ستزيد من معاناة الشركات التي تعاني أصلاً، وفي الوقت ذاته سيعد استهداف المدخرين والمستثمرين تهديداً للنمو الاقتصادي المستقبلي.
وأظهرت أرقام منفصلة صادرة عن هيئة الضرائب والجمارك البريطانية (HMRC) أن ما يقرب من 2.6 مليون شخص سيجبرون على دفع ضرائب على مدخراتهم هذا العام، بزيادة تتجاوز 120 ألفاً مقارنة بعام 2024.
ويتوقع أن يدفع المدخر العادي الذي يتلقى فاتورة ضريبية مبلغ 2300 جنيه استرليني (3 آلاف دولار)، وفقاً لتحليل شركة الوساطة المالية "إيه جيه بيل".
وقال نائب زعيم حزب "ريفرم يو كيه" ريتشارد تايس إن حزب العمال سيضطر على الأرجح إلى خرق وعوده في البيان الانتخابي، بعدم زيادة الضرائب على العاملين.
وأضاف "خياراتهم الاقتصادية السيئة منذ ذلك الحين، جعلت من شبه الحتمي أن يضطروا إلى زيادة الضرائب مجدداً".
إجراءات فورية لوقف هرب الأثرياء من بريطانيا
وتابع "تحتاج هذه الحكومة إلى اتخاذ إجراءات فورية لوقف هرب الأثرياء من بريطانيا، والسيطرة على المليارات التي أهدرها بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) عبر سياسات التيسير الكمي والتشديد النقدي، وإنهاء أجندة الحياد الكربوني التي تسير بالبلاد نحو الخراب المالي".
أما ميل سترايد فقال "العمال دائماً ما يلجأون إلى خيار رفع الضرائب لأنهم لا يفهمون الاقتصاد، الشركات تغلق أبوابها، والبطالة في ارتفاع، والتضخم تضاعف، والاقتصاد في حالة انكماش، ومع ذلك يرفض حزب العمال استبعاد فرض مزيد من الضرائب الضارة على الاستثمارات".
واستغل عدد من نواب حزب العمال وداعميه من النقابات العمالية توقعات المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية، لتجديد الدعوات إلى فرض ضريبة على الثروة.
وقال الأمين العام المساعد لنقابة "يونيزون" جون ريتشاردز للصحيفة "فرض ضريبة على الأثرياء في المجتمع سيكون خطوة أولى منطقية، يمكن النظر في فرض ضرائب جديدة على قطاع القمار، وربما ضريبة على المبيعات عبر الإنترنت، كي تسهم شركات عملاقة مثل أمازون بدور أكبر في دعم الاقتصاد البريطاني".
وقال النائب العمالي عن دائرة ليدز إيست ريتشارد بورغون، "تحتاج الحكومة إلى التعامل مع مسألة إعادة توزيع الثروة بجدية بدلاً من اللجوء مجدداً إلى قرارات تقشفية غير شعبية. تضاعفت ثروات المليارديرات في بريطانيا منذ عام 2010، وفرض ضريبة بنسبة اثنين في المئة على الأصول التي تتجاوز 10 ملايين جنيه استرليني (13.3 مليون دولار) قد يدر نحو 24 مليار جنيه استرليني (31.9 مليار دولار) سنوياً".
وأضاف "هذه السياسة تحظى بشعبية واسعة بين المواطنين، وتلقى دعماً متزايداً من نواب حزب العمال، ويمكن أن تساعد في تجنب قرارات كارثية مثل تقليص بدل التدفئة الشتوية وخفض إعانات ذوي الإعاقة".
ودعا النائب العمالي عن دائرة نورمانتون وهمسوورث جون تريكيت، بدوره وزيرة الخزانة، إلى فرض ضريبة على الثروة.
وقال "نمو الثروات الهائلة لدى القلة هو السبب المباشر لانخفاض دخول ملايين، علاوة على أن تقاعسهم عن دفع حصتهم العادلة من الضرائب يفسر نقص تمويل الخدمات العامة".
أما النائبة العمالية عن دائرة يورك سنترال راتشيل ماسكل، فقالت "دائماً ما دعوت وزارة الخزانة إلى دراسة إمكان فرض ضريبة على الثروة لفهم كيفية تطبيقها، إلى جانب إمكان إدخال أنواع أخرى من الضرائب المباشرة. لكن الإصلاح لا بد أن يترافق مع دعم الخدمات العامة، لأن نماذج الوقاية والتدخل المبكر يمكن أن تقلل من النفقات الحكومية على المدى الطويل".
كيف سيغذي مزيد من الضرائب نيران التضخم؟
حذر قادة المعارضة من أن رفع الضرائب لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلات، وقال وزير الأعمال في حكومة الظل أندرو غريفيث "حقق حزب العمال حلقة كارثية من الضرائب المرتفعة والنمو المنخفض، تتبعها ضرائب أعلى مرة أخرى".
وتشهد معنويات قطاع الأعمال حالياً أدنى مستوياتها على الإطلاق، في أعقاب فرض رسوم إضافية بقيمة 25 مليار جنيه استرليني (33.2 مليار دولار) على مساهمات التأمين الوطني لأصحاب العمل، وهي الإجراءات التي دخلت حيز التنفيذ في أبريل (نيسان) الماضي.
ودعت مجموعات الأعمال ريفز إلى استبعاد أية زيادات ضريبية إضافية على الشركات، في ظل مخاوف من تأثيرات اقتصادية سلبية أعمق، وقالت الرئيسة التنفيذية لاتحاد التجزئة البريطاني هيلين ديكنسون إن الضرائب تدفع الكلفة إلى الارتفاع، وحذرت من أن مزيداً من الضرائب "سيغذي نيران التضخم".
بدوره أكد ستيفن ميلارد من المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية أن الوضع بات ملحاً، محذراً من أن بريطانيا قد تفقد صدقيتها أمام الأسواق العالمية إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة.
وقال "يجب رفع الضرائب الآن بقدر معين، كإشارة على استعداد الحكومة لرفعها بصورة أكبر مستقبلاً، وإلا فهل يمكن اعتبار الوعود المؤجلة إلى أربع سنوات من الآن جديرة بالثقة؟".
من جانبه، قال متحدث باسم وزارة الخزانة "سينشر مكتب مسؤولية الموازنة (OBR) توقعاته المحدثة متوسطة الأجل بالتزامن مع موازنة الخريف، ولا نعلق على تكهنات في شأن تلك التوقعات".
وأضاف "مثلما ورد في خطة التغيير، فإن أفضل وسيلة لتعزيز المالية العامة هي عبر تحقيق نمو اقتصادي، وهو ما نركز عليه حالياً. وبفضل إصلاحاتنا في مجال التخطيط، قال مكتب الموازنة إن الاقتصاد من المتوقع أن ينمو بحلول نهاية هذا العقد".