ملخص
بعد أكثر من عقدين وفي ظل حرب مفتوحة تلتهم غزة وتغيرات عميقة في مواقف الرأي العام الدولي، تعود هذه المبادرة للواجهة، لا كوثيقة منسية في أرشيفات القمم بل كأداة سياسية متجددة تتصدرها السعودية بالشراكة مع فرنسا، في محاولة لصياغة توازن جديد يعيد الاعتبار لحل الدولتين، ويكسر حال الجمود الدبلوماسي التي أرستها واشنطن وتغذيها تل أبيب.
في ربيع عام 2002 دوى داخل أروقة السياسة الدولية صوت غير معتاد من الرياض حينما نشرت "نيويورك تايمز" مقالة للكاتب الأميركي توماس فريدمان بعنوان "إشارة مثيرة من ولي العهد السعودي"، كشف فيها عن أن ولي العهد السعودي آنذاك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز كان يدرس طرح مبادرة غير مسبوقة للسلام، تقوم على انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة عام 1967 في مقابل اعتراف وتطبيع شامل من الدول العربية، واستند الصحافي حينها إلى مصادر عليا التقاها خلال زيارته الرياض، واعتبر بمثابة تمهيد إعلامي لمبادرة سياسية قيد التشكل، وبعد أسابيع فقط تحولت تلك الإشارات إلى واقع سياسي حين أعلنت السعودية رسمياً "مبادرة السلام العربية" ضمن قمة بيروت خلال مارس (آذار) من العام نفسه، في صيغة غير مسبوقة لعرض جماعي عربي على طاولة التاريخ.
وبعد أكثر من عقدين، وفي ظل حرب مفتوحة تلتهم غزة وتغيرات عميقة في مواقف الرأي العام الدولي، تعود هذه المبادرة للواجهة، لا كوثيقة منسية في أرشيفات القمم بل كأداة سياسية متجددة تتصدرها السعودية بالشراكة مع فرنسا، في محاولة لصياغة توازن جديد يعيد الاعتبار لحل الدولتين، يكسر حال الجمود الدبلوماسي التي أرستها واشنطن وتغذيها تل أبيب.
واليوم ومع اشتداد الغضب الدولي من الحرب المفتوحة داخل غزة والضفة تتقدم السعودية ومعها فرنسا لإعادة تفعيل المبادرة، مدعومتين بزخم شعبي عالمي وشبكة من الاعترافات المتزايدة بالدولة الفلسطينية من عواصم غربية، وبينما تتريث الولايات المتحدة وتقاوم إسرائيل بشراسة، يبقى السؤال الأهم المعلق لدى المراقبين: هل يملك هذا الحراك ما يكفي من الأدوات لفرض واقع سياسي جديد؟
حراك دبلوماسي دولي
ما يميز الحراك السعودي الراهن، وفق رئيس مركز التفكير السياسي العراقي إحسان الشمري، "لا يكمن في توقيته وحسب، بل في تحوله إلى مشروع دبلوماسي متكامل يجمع بين الثوابت القومية والإسلامية والبراغماتية السياسية، ويترجم على الأرض لا عبر البيانات"، مشيراً إلى أن "مبادرة السعودية الراهنة بخلاف مبادرات عام 2002 تنبع من موقع قوة سياسية فاعلة قادرة على رسم خرائط إقليمية ودولية، وهذا التحرك الذي تقوده الرياض لا يكتفي بإبداء النيات بل يكرس الفعل السياسي المستند إلى عقلانية واتزان وإيمان راسخ بضرورة تحقيق الاستقرار في الإقليم".
وبرأيه فإن "ما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لسلسلة متغيرات حادة فرضتها الحرب داخل غزة وتداعيات التوتر مع "حزب الله" والتصعيد مع طهران، مما جعل الرياض ترى أن ترك زمام المبادرة بيد قوى خارجية لم يعد خياراً ممكناً، فالرياض لا تتحدث فقط عن حل الدولتين بل تحاول صناعته"، مشيراً إلى أن "المؤتمر الذي عقد في نيويورك هو ترجمة فعلية لهذا الإيمان لا مجرد دعم نظري".
وبعدما كانت مبادرة السلام العربية عام 2002 نقطة ارتكاز في سياسة الرياض، تعود اليوم كمرجعية أصيلة في مقاربة السعودية للمسألة الفلسطينية، لكن الفارق كما يوضح الشمري أن "الرياض لم تعد تكتفي بطرح المبادرات، بل تتصدر تنفيذها ضمن رؤية أشمل لشرق أوسط جديد يقوم على المصالح المشتركة والتنمية والاستقرار"، مردفاً أن "فلسفة السعودية الجديدة التي يعبر عنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ترتكز على بناء فرص سلام لا تفويت لحظات، ولعل الانشغال الأميركي وتآكل المبادرات الأممية شكلا حافزاً إضافياً دفع السعودية إلى التحرك، لا كمجرد راع للقضية الفلسطينية بل كقائد فعلي لمسار سياسي بديل".
أما عن الشراكة السعودية - الفرنسية فيصفها الشمري بأنها "رهان محسوب بدقة نجح في نقل القضية الفلسطينية من إطارها الإقليمي إلى محفل دولي واسع التأثير، فالمشاركة الواسعة التي شهدها مؤتمر نيويورك ستنتج ضغطاً متصاعداً على إسرائيل وتضعها أمام معادلة صعبة، فإما أن تواصل الرفض أو أن تدخل في مشروع يتطابق مع قرارات مجلس الأمن والقانون الدولي"، ويشير الشمري إلى أن "الرياض بما تملكه من أدوات وحنكة قادرة على لعب دور الدولة الضامنة لحلول سياسية عادلة، ولا سيما في المسألة الفلسطينية"، مشدداً على أنها لم تكتف برعاية الحوارات بل أثبتت قدرتها على جمع فرقاء متخاصمين في ملفات معقدة، من لبنان إلى العراق والسودان، ويرى أن "هذا الإرث التفاوضي منح السعودية مشروعية التقدم بمبادرات توصف بأنها أكثر من مجرد تحركات رمزية، بل هي رهان جاد يمكن البناء عليه".
وفي تعليقه على السيناريوهات المقبلة يؤكد الشمري أن استمرار الرفض الإسرائيلي لحل الدولتين سيدفع بالتحالف الداعم لهذه الرؤية، وعلى رأسه السعودية، إلى التوجه نحو مجلس الأمن، فهناك رصيد من القرارات الدولية التي تدعم هذا المسار، والمبادرة الحالية بحد ذاتها تشكل قاعدة سياسية لإلزام إسرائيل بخيار السلام، لا باعتباره مطلباً فلسطينياً وحسب، بل كضرورة إقليمية ودولية، مضيفاً أن الزخم الذي رافق مؤتمر نيويورك من حيث حجم المشاركة العربية والدولية منح المبادرة قوة دفع غير مسبوقة، ومؤكداً أن هذا التحرك لا يُقرأ باعتباره تصعيداً ظرفياً بل انعطافة طويلة الأمد في فلسفة التعامل مع ملف الصراع العربي - الإسرائيلي.
ويشدد الشمري على أن المبادرة السعودية - الفرنسية لا تعبر عن لحظة استثنائية وحسب بل تضع أسساً لواقع دولي جديد، فـ"لم يحدث من قبل أن حظيت دولة فلسطين بهذا القدر من التأييد المتزامن من قوى غربية كبرى مثل فرنسا وإسبانيا وكندا وبريطانيا، وهذا الدعم لا يمكن وضعه في خانة الضغط المرحلي، بل هو تحول إستراتيجي يمكن البناء عليه"، ويرى أن على إسرائيل أن تتعاطى مع هذا الواقع لا بوصفه تحدياً بل كفرصة لإنهاء عقود من الجمود السياسي، فـ"لسنا أمام موجة موقتة من التعاطف بل أمام مسار تاريخي بدأ يتشكل والسعودية في صدارة صناعه".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وسط فراغ أميركي
من جهته يؤكد الكاتب والباحث السياسي السعودي زيد بن علي الفضيل أنه "في ظل تراجع الحضور الأميركي التقليدي داخل الشرق الأوسط، وتخبط القرار الغربي بين يمين متطرف وأولويات اقتصادية متناقضة، تمضي الرياض في مشروعها السياسي بمنطق الواقعية والاتزان الذي يشدد على أن تلك المبادرة ليست رد فعل، بل رؤية استباقية تهدف إلى احتواء الانفجار الإقليمي، ولا سيما مع ملامح التصعيد بين إيران وإسرائيل، وتداعيات الحرب المفتوحة على غزة، فحقيق السلام العادل عبر حل الدولتين لم يعد خياراً مثالياً بل ضرورة وجودية للاستقرار الإقليمي".
أما الحضورالفرنسي المتنامي في هذا المسار فيراه الفضيل رغبة من جانب باريس في استعادة دورها الإقليمي المفقود، واستثمار التحرك السعودي كجسر لعودة التأثير في منطقة عرفت فرنسا تاريخياً كقوة فاعلة فيها، ويقول "بعدما أضعف انسحاب بريطانيا التعاون الأوروبي وجعلت الهيمنة الأميركية من أوروبا ظلاً هشاً، تأتي باريس لتتشارك مع الرياض صناعة قرار يعيد رسم توازنات المنطقة".
وعن المؤتمر الأخير في نيويورك يؤكد الفضيل أنه منعطف فعلي في المزاج السياسي الأوروبي تجاه الدولة الفلسطينية، ويعده أول إجماع دولي متعدد الجنسيات والقارات يضع وثيقة مزمنة ومعنونة لحل الدولتين، موضحاً أن "هذه المرة الأولى التي تحاصر فيها إسرائيل سياسياً خارج مظلة الفيتو الأميركي، وتجد نفسها أمام وثيقة لا يمكن تجاوزها".
وفي معرض حديثه عن مدى قدرة الحراك الدولي على تجاوز الفيتو الإسرائيلي - الأميركي يرى الفضيل "أن الإجماع العالمي بات أقوى من أن يُكسر بموقفين منفردين"، مشيراً إلى أن "الرفض الإسرائيلي المتواصل سيقابل لاحقاً بعقوبات فردية ومحاكمات دولية وعزلة سياسية تخشاها تل أبيب قبل غيرها".
وحول واقع الانقسام الفلسطيني يقول الباحث السياسي إن "حجم المأساة في غزة والشلل في الضفة يفرضان حتمية إصلاح شامل للمؤسسات الفلسطينية، بدءاً من انتخابات نزيهة وصولاً إلى توحيد القيادة تحت مظلة منظمة التحرير"، وبرأيه فإن "غياب القناعة بضرورة التغيير هو التحدي الحقيقي لا الاحتلال وحده"، وفي ما يتعلق بفرص المصالحة الفلسطينية يطرح الفضيل إمكان أن تلعب السعودية بالتنسيق مع الأردن ومصر ودول الخليج دوراً ضامناً وداعماً لتشكيل أرضية سياسية حقيقية لقيام دولة فلسطينية، شرط أن يكون الفلسطينيون أنفسهم جاهزين لذلك.
ويحذر الفضيل من مغبة الاستهتار بالموقف الدولي الجديد ويرى أن التحالف الداعم لحل الدولتين يمتلك أدوات ردع قانونية واقتصادية ضد إسرائيل في حال استمرار رفضها، إذ "يمكن عزل إسرائيل وفرض حصار سياسي واقتصادي يخنق حكومتها ويقلب الرأي العام ضدها"، وعن موقع السعودية في هذا المشهد المتحول ينوه الفضيل إلى أن "موقف الرياض لم يتغير، وإسرائيل ستظل دولة عدوة ما لم توقع على اتفاق سلام عادل يعترف بدولة فلسطينية ذات سيادة، وهذا ما تتمسك به السعودية ماضياً وحاضراً، وستبقى متمسكة به مستقبلاً".
وفي ظل تصاعد الزخم الدولي الداعم لحل الدولتين رصدت صحيفة "نيويورك تايمز" ملامح عودة الاهتمام العالمي بهذا المسار، مشيرة إلى أن تآكل فرص التسوية وتفاقم الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة كشفا عجز إسرائيل والولايات المتحدة عن كبح الانحدار السياسي والإنساني المتسارع، ومن جهتها تناولت "فايننشال تايمز" ضمن سلسلة تقارير تحليلية التوجه الأوروبي المتنامي نحو الاعتراف بدولة فلسطينية، مسلطة الضوء على أدوار محورية لكل من فرنسا وكندا والمملكة المتحدة، في محاولة لإعادة تنشيط الملف الفلسطيني وملء الفراغ الذي خلفه التراجع الأميركي عن قيادة جهود التسوية.