ملخص
تعيش مدينتا كادوقلي والدلنج، أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، أوضاعاً مأسوية بسبب تصاعد وتيرة المعارك بين طرفي الحرب، خصوصاً عمليات القصف الجوي المتواصل، فضلاً عن الحصار الخانق الذي تفرضه "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو على المدينتين قرابة العامين.
أكد الجيش السوداني أن قواته الجوية والبرية نفذت عمليات عسكرية مكثفة استهدفت مواقع قوات "الدعم السريع" في إقليمي دارفور وكردفان وطرق مؤدية إلى جنوب ليبيا، أسفرت عن تدمير أكثر من 240 مركبة قتالية وعدد من المسيرات الاستراتيجية والمخابئ ومحطات التشغيل بمطار نيالا، فضلاً عن مقتل المئات من عناصر تلك القوات.
في حين أسقطت دفاعاته الجوية، أمس الجمعة، خمس مسيرات استراتيجية حاولت استهداف مدينة الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، إضافة إلى إسقاط مسيرة قبل وصولها إلى هدفها بمدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، من المرجح أن تكون تابعة لـ"الدعم السريع".
وبحسب بيان للمتحدث باسم الجيش، فإن قوات المشاة التابعة للجيش تمكنت من طرد عناصر "الدعم السريع" من مناطق واسعة في كردفان ودارفور، مؤكداً استمرار العمليات العسكرية لتدمير ما تبقى من القوات المتمردة في جميع مناطق وجودها، بالتنسيق مع القوات المساندة.
وتسيطر قوات "الدعم السريع" على معظم إقليم دارفور باستثناء جيوب محدودة، فيما يشهد إقليم كردفان مواجهات متواصلة بين الطرفين، بينما تفرض الأخيرة (الدعم السريع) سيطرتها على منطقة المثلث الحدودي مع ليبيا التابعة للولاية الشمالية.
مواجهات قرب تشاد
في الأثناء، شهدت المناطق القريبة من حدود السودان مع تشاد مواجهات بين الجيش والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة من جهة، وقوات "الدعم السريع" وحلفائها من جهة أخرى.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن "قوات الدعم السريع، مدعومة بمقاتلين من عناصر تابعة لتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، ومجموعة تتبع لفصيل العدل والمساواة الذي يقوده سليمان صندل، هاجمت منذ وقت مبكر من صباح أمس الجمعة تمركزات القوات المشتركة في بلدة جرجيرة، وهو ما أدى لانسحاب الأخيرة إلى داخل منطقة الطينة الواقعة على الحدود مع تشاد".
وأوضحت المصادر أن القوات المشتركة عادت مرة أخرى وتمكنت من إعادة السيطرة على البلدة، بدعم من الطيران المسير التابع للجيش، الذي نفذ ضربات استهدفت أهدافاً متحركة لقوات "الدعم السريع" في محيط بلدة جرجيرة، إضافة إلى مواقع أخرى قرب مدينة كلبسا بولاية غرب دارفور.
إسقاط مسيرة
في المقابل، قال المتحدث باسم قوات "الدعم السريع" في بيان، إن الدفاعات الجوية التابعة لقواته أسقطت، ليل أول من أمس الخميس، طائرة مسيرة من طراز "أكانجي" تركية الصنع في أجواء مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، أثناء محاولتها استهداف المدنيين، ضمن ما وصفه بسلسلة هجمات ينفذها الجيش.
وأكدت "الدعم السريع" جاهزيتها العالية للتصدي للاعتداءات الجوية، وقدرتها على حماية المدنيين من الهجمات المتكررة التي ينفذها الجيش عبر الغارات الجوية شبه اليومية باستخدام الطائرات المسيرة، والتي تستهدف المناطق السكنية والمرافق العامة والبنية التحتية والمستشفيات.
وتصاعدت المعارك في ولايات كردفان ودارفور أخيراً بين الجيش مسنوداً بالقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة وعناصر أخرى، وبين قوات تحالف "تأسيس" التي تتزعمها قوات "الدعم السريع"، حيث يتبادل الطرفان الهجمات والقصف، فضلاً عن السيطرة على عدد من المواقع في عمليات كر وفر لا تزال مستمرة.
ونشط طيران الجيش خلال الفترة الماضية في شن غارات جوية مكثفة على مناطق عدة في كردفان، خصوصاً مدينتي النهود والخوي بولاية غرب كردفان، التي تتمركز فيها قوات "الدعم السريع" وتستخدمها قواعد للتموين والانطلاق في عملياتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أيادٍ خارجية
من جانبه، قال وزير الإعلام السوداني خالد الإعيسر، إن "حكومة بلاده تمتلك أدلة تؤكد تورط أياد خارجية (...) في إدارة وتمويل وإمداد الدعم السريع، بما في ذلك جلب المرتزقة الأجانب، لتمكينها من مواصلة حربها الإجرامية ضد الشعب الأعزل ومحاولة إضعاف الدولة على نحو مماثل لما قامت به في دول أخرى بالمنطقة".
وأضاف الإعيسر أن "ميليشيات الدعم السريع لم تتحرك بقرار ذاتي منذ اليوم الأول للتخطيط لهذه المؤامرة الإجرامية الكبرى، بل تمت تحركاتها وفق خطة منظمة تهدف إلى تنفيذ أجندات خارجية تسعى إلى تقويض السلطة واختطاف الدولة وإطالة أمد تشريد المدنيين وتهجيرهم ليحل محلهم سكان جدد".
واستطرد وزير الإعلام، "هذا التورط يستدعي من كل الدول المحبة للسلام والشعوب الحرة أن تدعم الملاحقة والمساءلة القانونية الدولية للدولة التي رعت هذا الإرهاب وارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة وغير المسبوقة في حق السودانيين".
تصفيات عرقية
من جهتها، أفادت غرفة طوارئ كرنوي في ولاية شمال دارفور بمقتل نحو 300 شخص على أساس عرقي خلال المعارك التي شهدتها المنطقة بين قوات "الدعم السريع" والقوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة المساندة للجيش، حيث اقتحمت الأولى (الدعم السريع) مناطق المدنيين وقامت بتصفيات على أساس عرقي وإثني.
وأشارت الغرفة في بيان، أمس الجمعة، إلى اختطاف "الدعم السريع" عشرات المدنيين والمطالبة بفدية، وسط عمليات سرقة ونهب طالت مستلزمات النساء والأطفال.
وناشد البيان المنظمات الإنسانية ومجلس الأمن الدولي إدانة الانتهاكات والضغط على هذه القوات لمنعها من هذه الممارسات البشعة.
أوضاع مأسوية
في الأثناء، تعيش مدينتا كادوقلي والدلنج، أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، أوضاعاً مأسوية بسبب تصاعد وتيرة المعارك بين طرفي الحرب، بخاصة عمليات القصف الجوي المتواصل، فضلاً عن الحصار الخانق الذي تفرضه "الدعم السريع" والحركة الشعبية - شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو على المدينتين قرابة العامين.
ووفقاً لنائب رئيس غرفة إنقاذ الطوارئ الإنسانية في الدلنج، محيي الدين عبدالله يونس، فإن الأوضاع الصحية والمعيشية داخل مدينة الدلنج تشهد تدهوراً مريعاً نتيجة القصف المستمر وحركة النزوح وانهيار الخدمات الأساسية، مشيراً إلى أن الضربات المدفعية والجوية دفعت أعداداً كبيرة من السكان إلى مغادرة المدينة نحو مناطق داخل البلاد وخارجها، حيث يواجهون أوضاعاً إنسانية صعبة في مواقع نزوحهم.
وبين يونس أن معظم المرافق الصحية في الدلنج خرجت من الخدمة بسبب تعرضها للقصف أو مغادرة الكوادر الطبية، بالتزامن مع نقص كبير في الأدوية والمستلزمات الضرورية، مما دفع غرفة الطوارئ إلى العمل مع مبادرات محلية لتقديم الحد الأدنى من الرعاية الصحية في ظل الظروف الحالية. بيد أن أسعار السلع الأساسية مثل الدقيق والسكر والزيت شهدت ارتفاعاً كبيراً، مما جعل عديداً من الأسر غير قادرة على توفير احتياجاتها اليومية أو مغادرة المدينة بسبب ضعف الإمكانيات المالية.
فيما تواصلت المعارك في كادوقلي بين الجيش من جهة وقوات "الدعم السريع" والحركة الشعبية من جهة أخرى في المناطق الشمالية للمدينة، وسط تضييق أمني متزايد داخل الأحياء السكنية.
ويتسبب اشتداد المواجهات في هذه المدينة في تفاقم الأوضاع الإنسانية، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية وندرة واضحة في المعروض داخل الأسواق. وحذر ناشطون من أن يؤدي استمرار الوضع بهذه الصورة المتأزمة إلى أزمة إنسانية حادة، مشيرين إلى أن بعض الأسر قد تلجأ إلى تناول أوراق الأشجار بسبب انعدام الغذاء وغياب المساعدات.
نزوح مستمر
إلى ذلك، أكدت الأمم المتحدة بمناسبة مرور 1000 يوم من الحرب السودانية، أن 9.3 مليون شخص لا يزالون نازحين بسبب النزاع في جميع أنحاء السودان، وفر أكثر من 4.3 مليون شخص عبر الحدود، مشيرة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص قد يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد في جميع أنحاء البلاد.
وقال المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، يانس لاركيه، إن الاشتباكات لا تزال مستمرة على جبهات متعددة في كردفان، مشيراً إلى أن الحصار قطع الطرق المؤدية إلى مدينتي كادوقلي، عاصمة ولاية جنوب كردفان، ومدينة الدلنج بالولاية نفسها، مما قيد وصول الغذاء والرعاية الصحية والوصول إلى المزارع والأسواق.
وأضاف أن "الاشتباكات مستمرة على الأرض في دارفور وعن طريق هجمات الطائرات المسيرة من الجو"، بينما سجلت أيضاً ضربات بعيدة المدى على البنية التحتية المدنية بعيداً من خطوط المواجهة.
وأردف لاركيه أن "الأطفال يقتلون ويصابون بجروح وسط الاشتباكات المستمرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وأفادت التقارير بمقتل ثمانية أطفال في هجوم وقع في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان في وقت سابق من هذا الأسبوع".
في حين، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن "ما يقرب من ثلث الشعب السوداني نزح خلال فترة الصراع، أي ما يزيد على 15 مليون شخص، بمن فيهم 11.58 مليون نازح داخل السودان ونحو 4 ملايين فروا عبر الحدود في ذروة الأزمة".
وأضافت المنظمة في بيان أنها "في المتوسط، وقعت خمسة أحداث مسببة للنزوح أسبوعياً خلال هذه الفترة، نتيجة للصراعات والكوارث الطبيعية، مما أدى إلى نزوح واسع النطاق". وشددت على أنه من دون إحراز تقدم ملموس نحو السلام والاستقرار، سيظل ملايين السودانيين عالقين في دوامة من النزوح والخسارة وعدم اليقين.