Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ظل "فاغنر": كيف تتسرب حرب السودان عبر الخاصرة الإقليمية؟

تعاظم الدور الروسي في الإقليم يمنح موسكو قدرة أعلى على توظيف النزاع ضمن استراتيجيتها الأوسع في الساحل والقرن الأفريقي

يمثل وجود تشكيلات روسية مرتبطة بـ"فاغنر" أو بـ"فيلق أفريقيا" عاملاً مضاعفاً للاختلال (غيتي)

ملخص

يمتد حضور مجموعة "فاغنر" في السودان على خط زمني واضح يبدأ من وقت بحث نظام عمر البشير عن مظلة حماية خارجية في مواجهة العزلة الدولية، وينتهي عند تشابك المصالح مع قوات "الدعم السريع" في قلب الحرب الحالية.

على تخوم السودان وأفريقيا الوسطى، حيث تتداخل طرق التجارة الشعبية مع مسارات السلاح والذهب واللاجئين، تتكثف اليوم صورة جديدة للأمن الهش في الإقليم. هناك، عند الأسواق الأسبوعية التي تحولت منذ اندلاع الحرب السودانية إلى شرايين حياة عابرة للحدود، وقعت حادثة إطلاق نار على مجموعة من المدنيين السودانيين نهاية الشهر الماضي، في واقعة سرعان ما تجاوزت حدودها المحلية لتلامس خرائط النفوذ الروسي المتجددة في وسط أفريقيا.

تفاصيل الحادثة تشير إلى تدخل عناصر روسية أعادت موسكو تنظيمها خلال العامين الماضيين ضمن تشكيلات مرتبطة مباشرة بوزارة الدفاع، بعد تفكيك البنية القديمة لمجموعة "فاغنر"، في السياق العسكري الإقليمي يشار إلى هذا الوجود باسم "فيلق أفريقيا"، وهو إطار عملياتي يستوعب الشبكات السابقة ويوحدها تحت قيادة رسمية، مع احتفاظه بالأساليب ذاتها في إدارة المناطق الحدودية الحساسة، من تأمين المناجم إلى ضبط الممرات غير النظامية.

في السوق الشعبية المشتركة داخل أراضي أفريقيا الوسطى، وعلى مسافة قصيرة من الحدود السودانية، كانت دورية روسية قد شددت إجراءاتها منذ أسابيع، في سياق أمني أوسع فرضته سيطرة قوات "الدعم السريع" على إقليم دارفور بما فيه المعابر مع تشاد وأفريقيا الوسطى عقب سقوط الفاشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ومع تصاعد حركة العبور غير المنظم للسودانيين الباحثين عن الغذاء والتجارة والملاذ، تحولت الأسواق الحدودية إلى نقاط تماس بين المدنيين العزل وقوى مسلحة متعددة الجنسيات.

تفيد الروايات الميدانية المتقاطعة بأن احتكاكاً نشب عندما منعت مجموعة سودانية من دخول السوق وهي تحمل أسلحة تقليدية للحماية الذاتية، قبل أن يتطور المشهد إلى إطلاق نار أدى إلى سقوط نحو 10 قتلى وإصابة العشرات. الحادثة، بقدر ما تكشف هشاشة الترتيبات الأمنية المحلية، تسلط الضوء أيضاً على طبيعة الدور الروسي الجديد في المنطقة، حضور رسمي بمظهر الدولة، وأدوات تنفيذ تحمل إرث الشركات العسكرية الخاصة، وبيئة حدودية مفتوحة على اقتصادات الحرب والتهريب.

ترسيخ الحضور

يمتد حضور مجموعة "فاغنر" في السودان على خط زمني واضح يبدأ من وقت بحث نظام عمر البشير عن مظلة حماية خارجية في مواجهة العزلة الدولية، وينتهي عند تشابك المصالح مع قوات "الدعم السريع" في قلب الحرب الحالية، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وخلال زيارة البشير إلى سوتشي، وضعت اللبنات الأولى لتعاون روسي - سوداني صيغ بلغة الجيوبوليتيك والموارد، حين قدم السودان باعتباره بوابة موسكو إلى أفريقيا مقابل دعم سياسي وأمني، بعد أشهر قليلة دخلت شركة "أم إنفست" الروسية إلى قطاع الذهب عبر ذراعها المحلية "مروي غولد"، لتتحول سريعاً إلى واجهة لعمليات أمنية أدارتها "فاغنر" لحماية مواقع التعدين وتأمين خطوط التصدير.

بين عامي 2018 و2019 توسعت أنشطة المجموعة في دارفور ومحيط الخرطوم، مستفيدة من هشاشة الدولة وتعدد مراكز القوة، ومع اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد البشير ظهرت عناصر أمنية مرتبطة بـ"فاغنر" في محيط التظاهرات، في سياق دور استشاري أمني هدفه تحصين النظام والحفاظ على شبكة المصالح التعدينية. وبعد سقوط البشير في أبريل (نيسان) 2019 أعادت المجموعة تموضعها داخل المشهد الجديد، فاختبرت قنوات تواصل مع قيادة الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان، قبل أن تستقر تدريجاً على شراكة أوثق مع محمد حمدان دقلو "حميدتي"، الذي وفر لها بيئة مثالية لتأمين مسارات الذهب عبر الحدود الغربية وصولاً إلى روسيا.

 

شكل انقلاب أكتوبر 2021 نقطة تحول نوعية في هذا المسار، إذ تزامن تثبيت نفوذ "الدعم السريع" مع توسع دور "فاغنر" في تقديم الدعم اللوجيستي والعسكري غير المعلن. وفي فبراير (شباط) 2022 حملت زيارة حميدتي إلى موسكو بعد يوم واحد من اندلاع الحرب في أوكرانيا دلالات سياسية واقتصادية عميقة، ربطت بين حاجات موسكو للموارد وشبكات الذهب السوداني، ومع اشتعال القتال بين الجيش و"الدعم السريع" في أبريل 2023 برزت تقارير عن تدفقات عسكرية عبر ليبيا وسوريا دعمت قدرات قوات حميدتي، في وقت حافظ فيه الكرملين على خطاب دبلوماسي متوازن يدعو إلى التهدئة.

جاءت وفاة يفغيني بريغوجين زعيم "فاغنر" في أغسطس (آب) 2023 لتفتح فصلاً جديداً في قصة القوات، إذ أعيد دمج شبكاتها الأفريقية ضمن تشكيلات ترتبط بوزارة الدفاع الروسية تحت تسميات جديدة، من بينها "فيلق أفريقيا"، غير أن جوهر المعادلة بقي ثابتاً، اقتصاد ظل قائم على الذهب، وحدود تدار عبر وكلاء محليين، وحروب بالوكالة تمنح موسكو نفوذاً بكلفة محدودة. في السودان تبلورت هذه المعادلة في علاقة عضوية مع "الدعم السريع"، حيث التقت مصالح القوة المحلية الطامحة للسيطرة مع استراتيجية روسية ترى في الفوضى المنظمة طريقاً مختصراً لترسيخ الحضور في قلب أفريقيا.

مقاربة مزدوجة

يفتح حضور "فاغنر" في الفضاء السوداني - الإقليمي باباً واسعاً تتداخل فيه اعتبارات الأمن والسيادة والاقتصاد السياسي للحرب، فعلى الحدود مع دول مثل أفريقيا الوسطى وليبيا وتشاد تتفاقم الهشاشة بفعل العجز عن إدارة فضاء أمني متشظ، فقد حول انتشار السلاح في هذه الدول، وإقليم دارفور خلال الحرب، بعض المجموعات القبلية إلى فاعلين مسلحين عابرين للحدود، يتعاملون مع المجال الحدودي بوصفه امتداداً طبيعياً لمسرح الصراع، في هذا السياق يمثل وجود تشكيلات روسية مرتبطة بـ"فاغنر" أو بـ"فيلق أفريقيا" عاملاً مضاعفاً للاختلال، إذ يضيف بعداً دولياً إلى نزاعات محلية مثقلة بعوامل الانفجار.

على المستوى الدولي تتراكم التحديات أمام هذا الوجود في صورة عقوبات متصاعدة وضغوط دبلوماسية وتحذيرات حقوقية موثقة. تقارير صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية في فبراير 2024 عكست صورة قاتمة لدور "فاغنر" في أفريقيا، مشيرة إلى سجل طويل من الانتهاكات في جمهورية أفريقيا الوسطى ومالي والسودان، شمل تدمير قرى وعمليات إعدام خارج القانون واستغلالاً منظماً للموارد الطبيعية، هذه المعطيات غذت موقفاً غربياً يرى في الشبكة الروسية نموذجاً للاقتصاد الحربي العابر للحدود، حين يتحول الذهب والألماس والأخشاب إلى أدوات تمويل مباشر للصراعات.

وعلى رغم ذلك يواصل النفوذ الروسي تمدده في السودان عبر مقاربة مزدوجة تجمع بين الضغط العسكري والمناورة الدبلوماسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أشار تحليل صادر عن "معهد أبحاث السياسة الخارجية" العام الماضي إلى تزويد موسكو قوات "الدعم السريع" بالأسلحة والمشورة لتأمين مواقع استراتيجية، بالتوازي مع مساعٍ لاجتذاب المؤسسة العسكرية السودانية عبر ملف القاعدة البحرية على البحر الأحمر، هذه السياسة البراغماتية تبقي روسيا حاضرة في معادلة القوة، حتى تحت وطأة العقوبات المفروضة على شركات مثل "أم - إنفست" و"فاغنر".

في الإطار الإقليمي الأوسع يكتسب وجود "فيلق أفريقيا" في ليبيا وأفريقيا الوسطى أهمية خاصة، إذ يوفر شبكة لوجيستية تسمح بنقل المقاتلين والسلاح عبر الحدود، ويحول الحرب السودانية إلى عقدة مركزية في اقتصاد نزاعات إقليمي مربح، هكذا تتبدى مفارقة أساسية، إجماع دولي واسع على خطورة نموذج "فاغنر"، يقابله استمرار عملي لهذا النموذج بفعل تشابك المصالح، وضعف الدول الهشة، وقدرة الشبكات العسكرية الخاصة على إعادة إنتاج نفسها داخل أنماط جديدة من الحروب بالوكالة.

إنكار الوجود

 يشكل الإنكار الروسي لوجود قوات "فاغنر" في السودان جزءاً محورياً من سردية دبلوماسية صيغت بعناية منذ اندلاع الحرب بين الجيش و"الدعم السريع"، فقد حرصت موسكو، عبر تصريحات رسمية متكررة، على تقديم نفسها بوصفها طرفاً معنياً بالاستقرار لا بالانتظام العسكري. أكدت وزارة الخارجية الروسية في أكثر من بيان أن اهتمامها ينصب على "حل سلمي" للأزمة، وأنها تتابع التطورات بقلق بالغ، من دون أن تقرن هذا الخطاب بأي اعتراف بوجود عسكري مباشر أو غير مباشر، وحينذاك، ذهب يفغيني بريغوجين، إلى أبعد من ذلك حين أعلن صراحة أن شركته الأمنية "غير متورطة بأي صورة من الصور في النزاع السوداني"، في محاولة واضحة لرسم حدود فاصلة بين الدولة الروسية وشبكاتها العسكرية الخاصة.

هذا الخطاب تكرس على مستوى القيادة الدبلوماسية، إذ عبر وزير الخارجية سيرغي لافروف خلال لقائه نائب رئيس مجلس السيادة في يونيو (حزيران) 2023 عن "قلق روسيا البالغ" إزاء تطورات الأوضاع، مؤكداً أن موسكو "مهتمة بتهيئة الظروف لتطبيع الأوضاع ودعم الاستقرار"، وضمن هذا الإطار قدمت روسيا نفسها شريكاً سياسياً يسعى إلى التهدئة، في مقابل روايات دولية ترى في هذا الموقف صورة من صور إدارة الإنكار الاستراتيجي.

في المقابل برزت شهادات ميدانية وتقارير حقوقية عام 2022 لترسم صورة مغايرة، مدنيون سودانيون وعمال في قطاع التعدين التقليدي على الحدود مع جمهورية أفريقيا الوسطى تحدثوا عن هجمات نفذها مسلحون مرتبطون بـ"فاغنر، شملت إطلاق نار على تجمعات عمال ونهب مواقع غنية بالذهب، بعض الشهادات قدرت عدد القتلى في إحدى الوقائع بأكثر من 70 شخصاً، وهي أرقام عززت قناعة دوائر دولية بأن الفجوة واسعة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.

 

في هذا السياق، دعت المديرة المشاركة لمشروع التهديدات العابرة للحدود في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن، كاترينا دوكسي، إلى مراقبة دقيقة لدور فاغنر في السودان ونشر أكبر قدر ممكن من المعلومات الموثقة حول أنشطتها، ورأت أن التوثيق الشامل لأي انتهاكات محتملة يمثل أداة أساسية لتعزيز المساءلة وتقويض قدرة الشبكات العسكرية الخاصة على الاحتماء بغطاء الإنكار، وأشارت إلى أن فهم كيفية تكيف "فاغنر" مع النزاعات المحلية يتيح لصناع القرار استشراف الأخطار المستقبلية، خصوصاً في ما يتصل بملفات حساسة مثل اتفاقات القواعد العسكرية والنفوذ الروسي الطويل الأمد في البحر الأحمر وأفريقيا الوسطى.

تعقيد المسار

يفتح التحول الجاري في بنية الشركات الأمنية الروسية في أفريقيا، من "فاغنر" إلى "فيلق أفريقيا"، أفقاً جديداً لقراءة ما ينتظر السودان على حدوده الجنوبية – الغربية، فالحوادث الأخيرة في المناطق المتاخمة لأفريقيا الوسطى، وما رافقها من احتكاكات دامية مع مدنيين وعمال تعدين، تكشف عن مرحلة لم تعد تقتصر على اقتحام بلدة حدودية أو اشتباك عابر، بل تشير إلى إعادة تشكيل عميقة لخرائط النفوذ والقوة في الإقليم. انتقال الثقل من شبكات شبه خاصة إلى مظلة أكثر رسمية تابعة لوزارة الدفاع الروسية يبدل قواعد اللعبة، إذ يحول الوجود الروسي من هامش قابل للإنكار إلى فاعل مباشر في معادلات الأمن الإقليمي.

في هذا السياق يواجه السودان احتمال اتساع نطاق التداخل بين حربه الداخلية والصراعات المحيطة به. استمرار تمركز قوات روسية في أفريقيا الوسطى وليبيا ومالي يخلق طوقاً جيوسياسياً حول دارفور، حيث الحدود رخوة، والسلاح متاح، والفاعلون المحليون يبحثون عن داعمين خارجيين. هذا الواقع يمهد لسيناريو تتزايد فيه العمليات العابرة للحدود، من تأمين طرق تهريب الذهب إلى ضبط مسارات الهجرة القسرية، مع تحول الأسواق والبلدات الحدودية إلى عقد أمنية تتنازعها قوى متعددة الجنسيات.

 

على المدى المتوسط، تبدو التوقعات متجهة نحو تعقيد أكبر في مسار الحرب السودانية، فتعاظم الدور الروسي في الإقليم يمنح موسكو قدرة أعلى على توظيف النزاع السوداني ضمن استراتيجيتها الأوسع في الساحل والقرن الأفريقي، سواء عبر الضغط من أجل موطئ قدم على البحر الأحمر، أو عبر إدارة توازن دقيق بين القوى المتصارعة في الداخل، هذا التوظيف قد يدفع نحو تكريس الحرب بوصفها نزاعاً منخفض الحدة طويل الأمد، تتغذى عليه شبكات الاقتصاد الحربي، بدلاً من حسم عسكري سريع.

أما على المدى البعيد فتتبدى مفارقة استراتيجية، كلما اتسع حضور روسيا المؤسسي في أفريقيا تزايدت مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن نتائج هذا الحضور. السودان، في هذه المعادلة، مرشح لأن يكون أحد ميادين الاختبار الكبرى، فإما أن يتحول إلى نقطة ارتكاز لمشروع نفوذ روسي منظم في قلب القارة، أو إلى ساحة استنزاف تتراكم فيها الكلفة الأمنية والإنسانية، وتنعكس ارتداداتها على دول الجوار مرة أخرى، من تشاد إلى أفريقيا الوسطى، في دورة عدم استقرار تتجاوز حدود أي بلدة اقتحمت، لتطاول الإقليم بأسره.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل