ملخص
"السمسرة القضائية وانتشار شبكات النصب في محيط وداخل بعض المحاكم المغربية تعد نتيجة مباشرة وتراكمية لمجموعة من الاختلالات البنيوية والمؤسساتية التي تعانيها منظومة العدالة، والتي شكلت بيئة حاضنة لهذه الظواهر الخطرة التي تضرب ثقة المواطن في المرفق القضائي
تشن السلطات المغربية حملة أمنية مكثفة وواسعة تروم "تنظيف" محيط المحاكم من شبكات السمسرة والابتزاز وانتحال الصفات داخل أروقة العدالة، إذ أطاحت عدداً من الموظفين والمحامين والقضاة والسماسرة الذين يعمدون إلى محاولة التأثير في سير الأحكام القضائية، باستعمال المال والوساطات.
ويرى مراقبون أن تفشي ظاهرة السمسرة في المحاكم المغربية تنجم عن اختلالات بنيوية تعانيها منظومة العدالة، الشيء الذي يمس بثقة المواطن في المرفق القضائي، داعين إلى تكثيف وإدامة تنظيف محيط المحاكم من شبكات السمسرة وتفعيل الرقابة والمساءلة، ونشر الثقافة القانونية والحقوقية والقطع مع صور الريع والوساطة في مرفق العدالة.
حملة واسعة
تتوالى اعتقالات وتوقيفات أمنية وإصدار أحكام قضائية ضد أفراد شبكات إجرامية تنشط في السمسرة القضائية داخل عدد من مدن المغرب خلال الآونة الأخيرة، ضمن حملة واسعة لتنقية محيط المحاكم من عصابات السمسرة والتدخلات في مسار العدالة.
وأحال القضاء المغربي أخيراً ثلاثة موظفين داخل مدينة الجديدة يعملون في وزارة العدل بتهمة القيام بتدخلات غير قانونية في ملفات معروضة على المحاكم، من طرف وسطاء وسماسرة يقدمون "خدمات" مقابل مبالغ مالية، بهدف إصدار "أحكام قضائية على المقاس".
وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا الملف بدأ بالتقاط المكالمات الهاتفية والتنصت عليها منذ أكثر من عام ونصف العام، واستهدفت أشخاصاً يعملون كسماسرة في المحاكم منذ أعوام عدة، قبل أن يقعوا في قبضة الأمن والعدالة بسبب تنامي مخططاتهم غير القانونية.
وحسب المصادر ذاتها، فإن هناك موجة مرتقبة من التوقيفات الأمنية في هذه القضية، من موظفين ومحامين ورجال أمن أيضاً، ارتبطوا بصورة أو بأخرى بشبكة السمسرة للتأثير في أحكام قضائية بعينها، أو لتسريع ملفات لفائدة جهات مستفيدة، وذلك مقابل تحصيل أموال.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي مدينة سلا القريبة من الرباط، قضت المحكمة بسجن عدد من الأشخاص منهم رجل أمن وأشخاص آخرون انتحلوا صفة محامين، إذ تورطوا في التلاعب بملفات قضائية، الشيء الذي عده متابعون رسالة قوية لمحاربة جميع المظاهر المخلة بهيبة العدالة، من سمسرة وابتزاز وتدخلات في الملفات.
ويستغل أعضاء هذه الشبكات الإجرامية محيط المحاكم وأروقتها من أجل استهداف مواطنين لديهم ملفات قضائية تنتظر النطق بالأحكام، إذ يُصطادون ويُقنعون بقدرة هؤلاء السماسرة على توجيه الأحكام أو تسوية الملفات مقابل الحصول على عمولات مالية.
التصدي الحازم
يعلق الباحث في شؤون العدالة والقانون عزيز العبدي على موضوع اعتقال موظفين وقضاة ومحامين وسماسرة يعملون في محيط المحاكم بالقول، إن هؤلاء السماسرة يعملون على الملفات التي يكون أصحابها معتقلين في جرائم تتعلق بالمخدرات وجنايات أخرى.
وأوضح المتحدث ذاته أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية المعروفة بحنكتها في حل وتتبع أعقد الجرائم، تتعامل مع ملفات السمسرة القضائية في المحاكم بكثير من المهنية والجدية، عبر إقامة الحجة والدليل على كل مشتبه فيه بالتورط ضمن هذه الشبكات التي تخدش صورة العدالة بالبلاد.
وتابع المتكلم أن هذه الحملة التي بدأتها السلطات القضائية لملاحقة السماسرة الذين يعملون في عدد من محاكم المملكة، تبين أن السلطات القضائية ممثلة في رئاسة النيابة العامة والرئيس المنتدب للسلطة القضائية جادة في التصدي بكل حزم لكل من يسيء إلى سمعة العدالة المغربية.
ومن جهتها، تحرص وزارة العدل المغربية عبر مراقبة محيط المحاكم على محاربة ظاهرة السمسرة والوساطات، بهدف تخليق منظومة القضاء والنأي عن كل ما يسيء إلى سمعة القضاء.
سوق سوداء
من جهته، أفاد مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان عبدالإله الخضري أن "السمسرة القضائية وانتشار شبكات النصب في محيط وداخل بعض المحاكم المغربية، هي نتيجة مباشرة وتراكمية لمجموعة من الاختلالات البنيوية والمؤسساتية التي تعانيها منظومة العدالة، والتي شكلت بيئة حاضنة لهذه الظواهر الخطرة التي تضرب ثقة المواطن في المرفق القضائي".
وحصر الخضري أسباب انتشار ظاهرة السمسرة والوساطات ضمن عوامل، الأول غياب الشفافية في الإجراءات القضائية وطبيعتها المعقدة، مما يترك مجالاً لوسطاء السوء لاستغلال جهل بعض المتقاضين بالقانون، ولتقديم أنفسهم كحلقة ضرورية لتسريع الملفات أو ضمان نتائج معينة لفائدة المتقاضي، وهي وضعية خطرة تفتح الباب أمام الزبونية والابتزاز.
والعامل الثاني، وفق المتحدث، هو ضعف آليات الرقابة الداخلية والخارجية على سلوك بعض العاملين داخل القطاع العدلي، بما في ذلك المهنيون أو الموظفون الإداريون أو المفوضون القضائيون، وهو ما يسمح بتمدد علاقات غير قانونية بين بعض الأطراف الداخلية والخارجية للمحكمة، وتخلق نوعاً من "السوق السوداء" للعدالة.
وأما العامل الثالث، تبعاً لتحليل الخضري، هو انتشار الأمية القانونية وضعف التوعية الحقوقية لدى فئات واسعة من المواطنين، الشيء الذي يجعل كثيراً من المتقاضين فريسة سهلة في يد السماسرة الذين يوهمونهم بقدرتهم على التأثير في مجرى العدالة مقابل مبالغ مالية، دون أن يدركوا أن هذه الممارسات تشكل جريمة يعاقب عليها القانون.
مجال للربح
وسجل الخضري بخصوص العامل الرابع ما سماه "تأخر إصلاح عميق وشامل لمنظومة العدالة، مما يجعل الفعل القضائي أحياناً بطيئاً أو غير فعال في عيون المواطن، مما يدفع بعضاً للبحث عن "طرق مختصرة"، فيسقطون ضحية شبكات منظمة تحترف السمسرة والنصب".
وأما العامل الخامس، بحسب المحلل نفسه، هو تنامي الشعور العام بضعف المحاسبة واستمرار الإفلات من العقاب، إذ على رغم توقيف وتفكيك عدد من هذه الشبكات فإن العقوبات أحياناً تظل غير رادعة أو لا تطاول كل المتورطين، وهو ما يكرس انطباعاً بأن السمسرة القضائية يمكن أن تكون "مجالاً للربح" دون ثمن حقيقي.
ولفت المصدر إلى أن ضعف سوق الشغل على استيعاب الفئة النشيطة يظل سبباً مباشراً في تدفق كثير منهم نحو مهن السمسرة والوساطة غير القانونية والنصب على المواطنين، لكونها تحقق فرص جني عوائد على رغم جرميتها من الناحية القانونية والدينية والأخلاقية.
وخلص الخضري إلى أن "التصدي الفعلي لهذه الظاهرة لا يمكن أن يتحقق فقط عبر المقاربة الأمنية أو الزجرية، بل يجب أن يدرج في إطار إصلاح شامل للعدالة، يقوم على تعزيز الشفافية وتبسيط الإجراءات وتفعيل الرقابة والمساءلة، ونشر الثقافة القانونية والحقوقية والقطع مع كل صور الريع والوساطة في مرفق العدالة".