ملخص
كانت مفاجأة القراء كبيرة حين وجدوا أن رواية الياباني هاروكي موراكامي "كافكا على الشاطئ" ليس لها أي صلة بالكاتب التشيكي الأثير باللغة الألمانية، على الرغم مما أوحاه العنوان
قبل عام 2006 الذي بدأت فيه روايته الـ10 "كافكا على الشاطئ" (2002)، تترجم وتنشر على عادة رواياته الأخرى، إلى عدد كبير من لغات العالم، كان الكاتب الياباني هاروكي موراكامي معروفاً ومقروءاً في معظم أنحاء العالم، ولكن خصوصاً في بلده اليابان، إذ يعتبر سيد الحداثة الروائية من دون منازع، وهو سيقرأ بعد تلك الرواية أكثر وأكثر كما حاله الآن، إذ ثمة دائماً مئات ألوف القراء ينتظرون جديده بصورة منتظمة.
ومع ذلك لا شك في أن رواية "كافكا على الشاطئ" هذه عرفت كيف تتخذ لنفسها مكانة فريدة وصاخبة في المسار الإبداعي لهذا الكاتب الذي تجاوز في العام الماضي ثلاثة أرباع القرن من عمره، ولا يزال يبدو في شرخ الشباب، بل حتى لا يزال أدبه تجريبياً وكأنه يبني لآداب مستقبلية واعدة.
ولئن كانت الرواية التي نتناولها هنا، وبخاصة لمكانتها في تاريخ موراكامي وسعة انتشارها، تتفرد بالنسبة إلينا بمعان ستتوضح في السطور التالية، فإن هذا التناول يكاد يكون نوعاً من الاستعراض لجوهر الأدب الموراكامي، ناهيك بكونه تحفيزاً لقراءة ما لم يقرأ بعد من أدب فذ لا شك أنه عرف كيف يعيد للرواية اليابانية الحديثة مكانة كانت قد استكانت بعض الشيء منذ الربع الأخير من القرن الـ20، الذي لمعت فيه أعمال ناكازاكي وكاواباتا وميشيما، قبل أن تخلي المكان لكتاب أكثر نخبوية حققوا أمجاداً لبلدهم وأدبه من خلال فوز بعضهم بنوبل، ولكن كذلك من خلال أفلمة رواياتهم في شرائط نخبوية بدورها، ونقول هذا ونفكر طبعاً هنا بكوبي آبي ورفاقه.
نجم في عالم ينحدر
والحقيقة أن وصف موراكامي بأنه نجم كبير في بلاده الآن، بل حتى منذ ما يزيد على ثلث قرن، لن يحمل أي قدر من المبالغة. ومن هنا فإن "كافكا على الشاطئ" لم تحتج إلى وقت طويل قبل أن تجد مكانتها المحلية والعالمية في مضمار الأدب الياباني. ففي النهاية كانت بالتأكيد رواية منتظرة وبشغف وبخاصة منذ كشف عنوانها قبل صدورها بأشهر وراح القراء يتوقعون من كاتبهم المفضل عملاً اعتقدوه كافكاويا وراحوا يترقبون، بلهفة، كيف سيتعامل موراكامي مع ذلك البعد الموعود. ومن هنا كانت مفاجأتهم كبيرة حين وجدوا أن ليس للكاتب التشيكي الأثير باللغة الألمانية، أدنى علاقة بالرواية الجديدة. كل ما في الأمر أن العنوان "الخادع" الذي جر قراء جدداً لقراءتها ليس سوى عنوان أغنية كانت "بطلة" الرواية كتبتها وغنتها قبل ثلث قرن، تعبر من خلالها عن حزنها لرحيل حبيبها، بل إنها هي استقت العنوان من عنوان لوحة لا نعرف أبداً من رسمها. بل لن نعرف نحن بصورة واضحة ما إذا كانت هي نفسها رسمتها في ذلك الأمس البعيد. أما عدا ذلك فالرواية تبدو الأقل تشابكاً وتعقيداً، وبالتالي: الأقل كافكاوية من أي عمل آخر لموراكامي الذي لا يمكن وسم أدبه بأنه كافكاوي بالمعنى الأسلوبي للكلمة، فهل في الأمر خدعة؟ أم أنه جزء من الدروب التي اعتاد هذا الكاتب أن يملأ بها نصوصه وهو يتعمد منذ البداية ألا تفضي إلى أي مكان؟ فرضية يمكن القول إن قارئ هذه الرواية سيشعر بسرعة أنه في غنى عنها منذ يجتاز عتبة الصفحات الأولى، بل تحديداً الحوار التمهيدي الذي يشكل نوعاً من مدخل إلى الرواية، وهو من النوع الذي يعتمده موراكامي في بعض رواياته، ولكن ليس بالضرورة لتوضيح ما سيطرأ من أحداث في الرواية، بل لإدخال القارئ بسهولة في عوالمه المعقدة، ولكن عم تدور تلك الأحداث؟
في قلب الحكاية
تدور أساساً من حول ابن الـ15 المدعو تامورا كافكا الذي يغادر منزله العائلي في طوكيو لمجرد أن ينجو بجلده من نبوءة رهيبة بدت من أبيه العنيف القاسي أشبه بحكم مبرم عليه، وهو بالتالي خلال تجواله على غير هدى في جنوب اليابان يصل إلى منطقة تاكاماتسو النائية في جزيرة تدعى شيكوكو، إذ يجد لنفسه كما تقول الحكاية مأوى في مكتبة تديرها آنسة فائقة الحسن تدعى ساييكي التي سرعان ما يلاحظ في آن معاً، غموضها وروعة جمالها ووعيها بهذا الجمال. وفي المكتبة موظف يدعى أوشيما سرعان ما يرتبط كافكا بصداقة معه تجعل من المكتبي نوعاً من معلم فكري له. وفي الوقت نفسه تبرز من ناحية أخرى من الرواية شخصية العجوز ناكاتا الذي يغادر طوكيو بدوره في الوقت نفسه تقريباً، متسماً بفقدانه ذاكرته وغرابة أطواره، ناهيك بأميته التي تجعله غير قادر على التواصل إلا مع القطط التي يفهم لغتها الخاصة. وفي المكتبة يلتقي ناكاتا وكافكا من دون أن يتنبه أي منهما إلى أن اللقاء لا يمكن أن يكون صدفة، بل هو مرسوم في مجرى عدد من الأحداث الغريبة التي تجمع بينهما، تماماً كما تجمعهما أغنية الآنسة ساييكي وحكايتها القديمة الحزينة. والحزينة تحديداً لأن الأغنية تتحدث كما أشرنا عن حبيب ساييكي الذي كان رحل بدوره إلى طوكيو في ذلك الزمن القديم، حيث قتل خلال انتفاضات طلابية عاشتها اليابان عام 1969.
عودة للماضي؟
منذ البداية إذاً، وحتى النهاية التي ستكون ولو جزئياً، نوعاً من اللقاء الحاسم بين والد كافكا و"الفتى الغراب" محاور هذا الأخير، ثمة تجوال بين الماضي والحاضر لعل عنوانه الأساس تاريخ اليابان منذ نهاية الحرب العالمية، ونسيان ذلك التاريخ من جانب تاكانا الفاقد ذاكرته ولغته. ويتحدد مجرى ذلك التجوال على أية حال، من خلال الحوار التمهيدي الافتتاحي على أنغام موسيقى "كافكا على الشاطئ" إلى حد ما، يتحدد كإطار لاستعادة مستحيلة لذاكرة نائمة تتعلق بالحادثين الأساسيين الماضويين، الحادث الغيبي الذي يصيب تاكانا ويفقده النطق والذاكرة، وحادث عام 1969 الذي يقضي على حبيب ساييكي ليخلق أغنيتها التي تعير الرواية عنوانها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بين أوديب وكافكا
ومع ذلك كله، وعلى رغم هذه الأبعاد التاريخية، ها نحن نجد هاروكي موراكامي وقد بسط الأمور من خلال تكراره رداً على العدد الأكبر من الأسئلة التي طرحت عليه خلال الأعوام التالية لصدور الرواية، بأن فكرته الأولية والأساسية، و"ربما الوحيدة التي اشتغلت عليها حقاً"، كانت أن "أسرد قصة فتى في الـ15 من عمره يهرب من والده الشرير باحثاً عن والدته".
ومن المؤكد أن هذه الرغبة، وبأكثر مما دفعت الكاتب إلى استحضار كافكا بل حتى يوكيو ميشيما في سياق الرواية، دفعته بطبيعة الحال إلى استحضار أسطورة أوديب، لكن موراكامي يستطرد في هذا المجال نفسه قائلاً إن مرجعية أوديب يعتبرها مجرد تفصيل واحد وثانوي أيضاً، من مواضيع الرواية المتعددة والمتشابكة. وهو أشار في السياق نفسه إلى أنه حتى وإن كان يعتبر فرانز كافكا أحد كتابه المفضلين، إلا أنه لم يستلهم مباشرة من عالمه الخيالي، بل سعى إلى "تفكيك النظام الروائي القائم في زمني الخاص، وربما على النحو الذي اتبعه كافكا نفسه في عصره".
مع ذلك لا يعتبر موراكامي نفسه كاتباً ما بعد حداثي، "وذلك بالتحديد لأن ما أتوخاه شخصياً من الكتابة ليس أكثر من أن أخوض تميزاً يطبعني في أسلوبي في سرد القصص".
وهنا قد يكون من الملائم التوقف بعض الشيء عند واقع أن موراكامي دائماً ما اهتم بالتعبير عن المهمشين المنبوذين في رواياته، وها هو يفعل ذلك من جديد في "كافكا على الشاطئ"، إذ نلاحظ أن معظم شخصيات الرواية تعيش على هامش المجتمع. وينطبق هذا بصورة خاصة على ناكاتا، شخصيته المفضلة. ومن ناحية أخرى لا بد من التذكير بكم أن موراكامي يعشق القطط، التي اعتاد أن يعبر عن عميق تآلفه معها في معظم رواياته، وها هي من جديد هنا، تلعب دوراً مهماً في الحبكة من دون أن يضفي عليها ذلك أي معنى خاص، كما أنه لا يعطي وظيفة رمزية لكلمات أغنية "كافكا على الشاطئ".
بقي أن نذكر أخيراً أن الكاتب وبصدد هذه الرواية تحديداً لا يتوانى عن نصح القارئ بقراءة كتابه مرات عدة، مؤكداً "حتى وإن كان الكتاب لا يهتم بتقديم حل لتفسير كل جانب من جوانب الرواية الغامضة، فإن إعادة القراءة تكشف عن كيفية تفاعل هذه الجوانب مع بعضها بعضاً"، مما يمكن للقارئ حينها من استنتاج معنى عام يتوافق مع حساسيته الخاصة.