Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هاروكي موراكامي يشرع أبواب الرواية اليابانية على الحداثة الغربية

"مجاز يتحول" جزء ثانٍ من رواية "مقتل الكومنداتور" ووقائع متخيلة من الحرب العالمية الثانية

هاروكي موراكامي ظاهرة روائية في اليابان (غيتي)

الجزء الثاني من رواية الياباني هاروكي موراكامي "مقتل الكومنداتور"، جاء تحت عنوان "مجاز يتحول"، والترجمة العربية للجزأين أصدرتها دار الآداب في بيروت، وأصدرت مكتبة "تنمية" في القاهرة طبعة خاصة منها لمصر، وقد أنجز الترجمة المصري ميسرة محمد، وحررها السوري معاوية عبد المجيد؛ بحسب تنويه ورد في نهاية الجزء الثاني.

الرواية بجزأيها (نحو ألف صفحة) تتضمن من زاوية نظر تبسيطية حكاية عادية عن رسام بورتريهات تجارية ينتاب علاقته بزوجته فتور شديد، على الرغم من تفهمه رغبتها في عدم الإنجاب، إذ تصارحه بأنها على علاقة حميمة بشخص آخر. يترك منزل الزوجية، ويهيم على وجهه، إلى أن يستقر في منزل بمنطقة جبلية معزولة يمتلكه فنان تشكيلي مخضرم أصيب بألزهايمر بعد أن تخطى التسعين من عمره، فنقله ابنه، وهو صديق السارد إلى مصحة.

يستغرق ذلك نحو ثمانية أشهر تنتهي بأن يعود السارد إلى زوجته وهي على وشك الوضع، معتقداً أنها حملت منه على الرغم من انفصالهما جسدياً، في حين تنتهي الرواية وقد أصبحت الطفلة التي وُلدت عقب استئناف أبويها اتصالهما الفيزيقي، في نحو الخامسة من عمرها، بينما يرفض الأب حسم الشك في أنها ابنته بالخضوع لتحليل طبي، مرسخاً الاعتقاد أن البنوة "شعور أكيد تجاه شخص معين بصرف النظر عن هويته البيولوجية".

نقاط التقاء

الرواية كاملة تتألف من 56 فصلاً، وحمل الجزء الأول منها العنوان الفرعي "فكرة تظهر"، ومسألة الإنجاب عبر حلم، ليست سوى واحدة من وقائع عجائبية عدة احتواها هذا العمل الذي يواصل فيه موراكامي نزوعه نحو واقعية سحرية تستند إلى رؤى فلسفية وفنية غربية، تتماس مع جذور ثقافية شرقية عموماً، ويابانية على وجه الخصوص. ومن ثم يجد لطرفي تلك الحالة في رواية "مقتل الكومنداتور" نقاط التقاء حديثة، خصوصاً عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، كما لا يستبعد أنه سرب فيها – كما في أعمال سابقة له - شذرات من سيرته الذاتية وقناعاته الشخصية.

ووفقاً لمقالة له نشرت في مجلة يابانية، ذكر موراكامي أن جده لأبيه كان كاهناً بوذياً، وأن والده انخرط في الحرب الصينية - اليابانية الثانية، وعانى صدمة عميقة بسببها. وفي تصريحات أخرى له لا ينكر الكاتب المولود في عام 1949 تأثره منذ طفولته بالأدب الغربي، ممثلاً في فرانز كافكا، وغوستاف فلوبير، وتشارلز ديكنز، وكورت فونيغت، وفيودور دوستويفسكي، وريتشارد بروتيغان، وجاك كيرواك، ما ميزه على غالبية الأدباء اليابانيين.

درس موراكامي الدراما في جامعة واسيدا بطوكيو، حيث التقى بيوكو، التي أصبحت زوجته. كان عمله الأول في متجر تسجيلات. وقبل إنهائه دراسته بوقت قصير، افتتح حانة تقدم موسيقى الجاز، سماها "بيتر كات"، أدارها هو وزوجته بين عامي 1974 و1981، وقد قررا ألا ينجبا أطفالاً.

أصداء اهتمام موراكامي الشديد بالسينما والموسيقى الكلاسيكية والمعاصرة، وبالأدب الغربي، بل وبالثقافة الغربية عموماً، وخصوصاً في ما يتعلق بتشجيع استقلال المرأة وإعطائها الحق في إقامة علاقة حميمة مع من تشاء من الرجال، موجودة بوضوح تام في رواياته التي ترجمت إلى كثير من لغات العالم، وتعد بين الأكثر مبيعاً داخل اليابان، وخارجها، ومن بينها "مقتل الكومنداتور" التي تدين همجية وطنه اليابان ضد جارته الصين، حتى وهي تعلي مقولة ألفريد هيتشكوك "يوجد ما هو أهم من المنطق، إنه الخيال".

لوحة يابانية وأوبرا ألمانية

لا يجد السارد، وهو رسام تخطى للتو الأربعين من عمره، مفراً من الانشغال بتفسير لوحة "مقتل الكومنداتور" للفنان توموهيكو أمادا، ويصل في مرحلة مهمة من ذلك الانشغال إلى الربط بين محتوى تلك اللوحة المنفذة وفق أسلوب ياباني موغل في القدم، وأحداث شهدتها ألمانيا والنمسا واليابان في ثلاثينيات القرن الماضي، على خلفية بروز نزعات نازية وفاشية في ذلك الفضاء الأورو آسيوي.

في تموز (يوليو) 1937 وقعت أحداث جسر ماركو بولو، وكانت السبب في حرب شنتها اليابان ضد الصين، وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه استولى اليابانيون على قلعة فانكين، واحتلوا المدينة التي تحمل الاسم نفسه بعد مذبحة راح ضحيتها عدد مهول من المدنيين. وبالعودة إلى الوراء قليلاً سنلاحظ أن اليابان وألمانيا وقعتا اتفاقية دفاع مشترك في عام 1936. وعلاقة ذلك باللوحة تمكن ملاحظتها من معرفة أن تسوغوهيكو أمادا، شقيق توموهيكو، انخرط رغماً عنه في صفوف الجيش الياباني من يونيو (حزيران) 1937، ولمدة عام، مع أنه كان لا يزال يدرس الموسيقى في الجامعة. بعد تسريحه من الجيش عاد إلى الدراسة، لكنه سرعان ما مات منتحراً، بعد عزه عن نسيان اشتراكه في مذبحة فانكين.

كان توموهيكو في تلك الأثناء مقيماً في فيينا للدراسة، وربما دفعه انتحار شقيقه إلى الانخراط في حركة مقاومة سرية ضد النازية، بحسب ما اعتقده ماساهيكو أمادا، صديق السارد، وهو ابن الرسام توموهيكو.

الكومنداتور (قائد كتيبة فرسان) يظهر للسارد، في هيئته الواردة في اللوحة، بملابس عصر أشكا، وطول قامته لا يزيد على 60 سنتيمتراً، يتدلى سيف طوله 20 سنتيمتراً من خصره. ظهر كفكرة اختارت أن تتجسد للسارد في تلك الهيئة بالذات بعد أن ساعدها على الخروج من حفرة بعمق ثلاثة أمتار، مكثت فيها مئات السنين، وفق طقس بوذي مندثر بمقتضاه يمكن لراهب ما أن يحول جسده إلى مجرد فكرة عابرة للمكان والزمان، وبالتالي يصير له وجود في عالم مجازي يوازي العالم الواقعي. في ذلك العالم المجازي، لا توجد عادات؛ إذ يسير فيه الزمن بحرية في كلا الاتجاهين، ولكن هل تحتاج الفكرة إلى مصدر للطاقة؟ يسأل السارد نفسه، ثم يجيب "هذا صعب"، قبل أن يستطرد في مونولوغه "أي شيء مهما كان يحتاج إلى طاقة ما لكي يولد ويستمر في الوجود. هذه إحدى قواعد الكون العامة"، لكن الكومنداتور الذي يبدو مطعوناً بسيف دون جيوفاني فيما ابنته دونا آنا، تصرخ رعباً (كما في أحداث أوبرا دون جيوفاني) ويراقب الموقف شخص غامض لا يظهر سوى وجهه، بينما يتدلى جسمه في حفرة، بات فكرة واستخدم جرساً كان معه في الحفرة لينبه السارد إلى وجوده فيها ورغبته في الخروج منها، وهو ما عرفه القارئ من مجمل أحداث الجزء الأول من الرواية.

معضلة التطرف الديني

في المنطقة الجبلية، حيث يقع بيت توموهيكو أمادا، هناك بيتان آخران، الأول يقيم فيه رجل أعمال غامض يدعى منشكي، في حين تقيم في البيت الآخر الطفلة ماريا مع عمتها ووالدها. يتعرف منشكي على السارد، ويشاركه الاهتمام بأمر الحفرة التي خرج منها الكومنداتور، ويطلب منه أن يرسم له بورتريهاً، قبل أن يخبره بشكه في أن ماريا ربما تكون ابنته؛ بما أن أمها التي ماتت في ريعان شبابها، ربطتها به علاقة حميمة سبقت مولد تلك الطفلة، ولذلك فإنه اختار العيش في ذلك البيت بالذات ليتمكن من مراقبتها عن كثب، فربما يقطع الشك باليقين في أمر انتسابها البيولوجي له من عدمه.

وفي "مقتل الكومنداتور"، وتحديداً الجزء الثاني، يتحدث السارد سريعاً عن جماعة دينية غامضة يجد والد ماريا نفسه غارقاً فيها حتى أذنيه، ويغدق عليها أموالاً طائلة، وهو ما كان الموضوع الرئيس لرواية موراكامي 1Q84، ما يجعلنا نرجح أن تلك المعضلة ربما كانت من شواغل الكاتب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقرر السارد بعد اطلاعه على لوحة مقتل الكومنداتور التي وجدها مخبأة في منزل توموهيكو أمادا، التوقف عن العمل في رسم البورتريهات التجارية، لكنه يخضع لإلحاح منشكي بأن يرسم له بورتريهاً. وهنا يجد نفسه يلبي ذلك الطلب، ولكن على نحو يظهر موهبة كبيرة في عالم الرسم، ويشجعه ذلك على تكرار التجربة مع ماريا، فيرسم لها صورة على درجة عالية من الإتقان الفني. تشعر ماريا وهي مراهقة في الثالثة عشرة من عمرها تجاهه بارتياح، في حين ترتاب من منشكي، خصوصاً بعد أن تعرف أنه يراقبها بمنظار متطور من شرفة بيته، ويقيم علاقة حميمة مع عمتها. لن تعرف ماريا أبداً بشك منشكي في أنها ربما تكون ابنته، وستخرج من تجربة الاقتراب من السارد، برغبة قوية في أن تكون لها حياة مستقلة بمجرد دخولها الجامعة.

قناعة شخصية

وفي تلك الأثناء سيبلغ السارد حد اليقين بقدرته على "تخطي القيود الفيزيائية للواقع"، مسترجعاً ذلك الحلم: "زرت شقة هيرو (يقصد تلك التي تعيش فيها زوجته)، وولجت زوجتي فعلياً، وقذفت منياً حقيقياً. أستطيع تحقيق أي شيء أرغب فيه من كل قلبي. لقد مررت عبر قناة خاصة تحول الواقع إلى لا واقع، أو تجعل اللا واقع واقعاً".

أما منشكي، فقد جرب النزول في الحفرة الغامضة ليتذكر تجربة عيشه في سجن انفرادي لشهور طويلة بسبب وشاية من منافسيه، في مجال البيزنس، فيحيله ذلك إلى شعوره بنكبة يعيشها الفلسطينيون، ما يجعلنا لا نستبعد وجود قناعة شخصية لموراكامي نفسه في هذا الصدد: "عندما ينزل المرء إلى أسفل يشعر بضغط نفسي شديد بسبب ارتفاع الجدار، فيتولد لديه أحد أنواع الضعف. لقد رأيت منذ فترة ما يشبه هذا الجدار في فلسطين: الجدار الخرساني الذي بنته إسرائيل" (الرواية الجزء الثاني، ص 317).

وفي الختام يضطر السارد إلى مغادرة عالم المجاز، ليعود مجدداً إلى واقع يطالبه بأن يسعى لكسب المال، لا الإخلاص لإبداع قد لا يجد أثناء حياته من يقدره "كانت تلك هي الحياة التي يطلبها مني الآخرون، وأنا أيضاً رغبت فيها. عمل يوفر لي دخلاً مؤكداً. ذلك ما كنت أحتاج إليه، إذ لديَّ أسرة أعولها"، ص 472، ومع ذلك ظل على إصراره على أن يعلم ابنته أن للكومنداتور وجوداً حقيقياً، وكان يقول لها "من الأفضل أن تؤمني بذلك".

المزيد من ثقافة