Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما مصير حرب السودان في ظل تعثر الجهود الدولية؟

من المتوقع استمرارها مع غياب مظلة سياسية جامعة مما يتيح للجيش وقوات "الدعم السريع" التمسك بخيارات الحسم العسكري

تسيطر قوات الدعم السريع على معظم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان (غيتي)

ملخص

إشراك السلطتين في الاجتماع المقبل من دون خطة واضحة لوقف الحرب بصورة عاجلة، سيؤدي إلى تكريس الانقسام وربما فتح الباب أمام ترتيبات أشبه بـ"الحكم الذاتي" على غرار مقترحات طرحت بالفعل في الكواليس الدبلوماسية.

شكّل إعلان إلغاء اجتماع واشنطن الذي تشارك فيه المجموعة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، المعنية بحل الأزمة السودانية تطوراً سياسياً، أعاد الأزمة للمربع الأول. فالاجتماع الذي كان مقرراً عقده أمس الأربعاء برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو وبمشاركة وزراء خارجية المجموعة، كان ينظر إليه على أنه محطة محورية يمكن أن تمهد لوضع إطار متماسك لوقف الحرب وفتح مسار سياسي نحو تسوية شاملة تضع حداً لانهيار الدولة السودانية وتداعياته الإنسانية.

لكن قرار الإلغاء الذي جاء على رغم أسابيع من التحضيرات المكثفة التي شملت تنسيقاً إقليمياً واسعاً وإعداد بيان مشترك مسبق، كشف عن حجم التعقيدات التي تحيط بالأزمة السودانية، إذ إن السودانيين علّقوا آمالاً كبيرة على الاجتماع كفرصة لإحداث اختراق دبلوماسي، لكن التطور الأخير عمق الشعور العام بأن مسار الحل لا يزال محفوفاً بعقبات داخلية وخارجية متشابكة، بعضها يرتبط بانقسامات القوى المحلية، وبعضها الآخر يعكس تباين الحلول المطروحة.

ولم تعُد الأزمة السودانية مجرد تنازع على السلطة بين مراكز قوى متصارعة، بل تحولت إلى مأساة إنسانية شاملة، فاستمرار القتال أودى بحياة عشرات الآلاف ودفع ملايين المدنيين إلى النزوح أو اللجوء في ظروف كارثية باتت تهدد استقرار الإقليم بأسره. ووسط هذا المشهد القاتم، يطرح سؤال جوهري حول مدى قدرة الأدوات الدبلوماسية التقليدية على كسر الجمود السياسي.

يأتي هذا التطور في وقت تتفاقم حال الاضطراب الأمني ضمن عدد من مدن البلاد، مما يثير مخاوف جدية من انقسامات جديدة تهدد ما بقي من وحدة الدولة. وهذه المخاوف تستحضر تجربة السودان القريبة، حين فقد نحو ثلث مساحته بعد حرب الجنوب التي امتدت حتى عام 2005 وانتهت بانفصال جنوب السودان رسمياً عام 2011. وهذا الإرث التاريخي يضاعف القلق من أن يؤدي استمرار النزاع الحالي إلى تشظٍّ جغرافي وسياسي أعمق، في وقت تبدو مؤسسات الدولة منهكة وعاجزة عن فرض سلطة موحدة على كامل أراضيها.

تراكمات عميقة

تبدو أسباب إلغاء الاجتماع، ليس كمسألة ظرفية أو عابرة، بل نابعة من تراكمات عميقة وانقسام في الرؤى بين القوى السودانية وفشل بناء الثقة. فهناك أولاً، خلاف واشنطن والقاهرة حول مشاركة الجيش السوداني في الاجتماع تسبب في تأجيل الفعالية، إذ أصرت مصر على حضور قادة الجيش، بينما رفضت الولايات المتحدة ذلك بسبب العقوبات المفروضة على قيادته.

وثانياً، هذا الإلغاء جاء بعد تجارب فاشلة سابقة مثل مؤتمر لندن في أبريل (نيسان) الماضي الذي انهار سريعاً، فهذه التجربة كشفت عن ضعف القدرة الغربية على فرض رؤية موحدة، وتبين أن القوى الداخلية تحمل "حق النقض العكسي" الذي يقلب التأثير لمصلحة أحد طرفي النزاع، وهو عامل أساس في تقويض فاعلية أية مبادرة جديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثالثاً، فإن المفاوضات الدولية السابقة، مثل اتفاق جدة، توقفت مراراً بسبب رفض الجيش وقوات "الدعم السريع" تنفيذ إجراءات بناء الثقة وعدم التزام فتح ممرات إنسانية، أو وقف إطلاق النار بطريقة مستدامة.

رابعاً، انعدام الثقة بين المدنيين وتباين تحالفات القوى المدنية مثل "صمود" بقيادة عبدالله حمدوك مقابل "الكتلة الديمقراطية" المدعومة من الجيش، أظهرا انقساماً عميقاً حول مراجع الحل، والصدام حول اعتماد "إعلان جدة" كمحور مرجعي لاستمرار الحوار أثار انتقادات داخلية كبيرة، مما حد من قدرة القوى المدنية على تقديم رؤية موحدة للمفاوضات.

خامساً، انشغال القوى الدولية بقضية غزة واجتماعات حل الدولتين، فالتصعيد المتواصل في غزة وما تبعه من حراك دبلوماسي مكثف تقوده الولايات المتحدة والأمم المتحدة، بالتنسيق مع العواصم الأوروبية والإقليمية، لترتيب مخرجات "حل الدولتين" ووضع أسس تسوية شاملة، استحوذ على النصيب الأكبر من الاهتمام الدولي، مما دفع المؤسسات الدبلوماسية الكبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها بصورة عملية، فبدا أن إدارة أكثر من مسار تفاوضي معقد في وقت واحد قد تبدد الجهد السياسي وتقلل من فرص النجاح في أي منهما.

تكريس الانقسام

في ضوء التطورات التي فرضها استمرار الحرب السودانية، تبدو اللجنة الرباعية أمام واقع جديد لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه. فوجود سلطتين بحكم الأمر الواقع، إحداهما بقيادة الجيش من بورتسودان مسيطرة على الشمال والشرق والوسط، والأخرى بقيادة قوات "الدعم السريع" التي أعلنت السبت الماضي حكومة موازية في نيالا بإقليم دارفور وتسيطر على معظم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، يشكل معضلة حقيقية لأي مسار سياسي أو تفاوضي مقبل.

وكنتيجة لهذا الانقسام الجغرافي والعسكري العميق، وفي حال عقدت اجتماعات الرباعية المؤجلة، فإن تجاهل أحد الطرفين سيكون خطأ استراتيجياً مكلفاً، إذ سينظر إلى العملية برمتها على أنها منحازة وغير قابلة للصمود. أما إشراك السلطتين من دون خطة واضحة لوقف الحرب بصورة عاجلة، فسيؤدي إلى تكريس الانقسام وربما فتح الباب أمام ترتيبات أشبه بـ"الحكم الذاتي" على غرار مقترحات طرحت بالفعل في الكواليس الدبلوماسية. لذلك، على اللجنة الرباعية أن تحدد بدقة منهجها في التعامل مع الطرفين، سواء كان ذلك عبر آلية تفاوضية مزدوجة تفضي إلى اتفاق شامل، أو من خلال ترتيبات ضغط متوازية تشجع على تنازلات متبادلة.

 

 كما ينتظر أن ترتكز استراتيجية "الرباعية" على مسارين متلازمين، يكمن الأول في إعلان وقف فوري للأعمال العدائية بضمانات واضحة، مما يفتح المجال لتخفيف الأزمة الإنسانية التي تعد الأكبر عالمياً اليوم، ويتمثل الثاني في بدء عملية سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، مستفيدة من أدوات الضغط السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها واشنطن.

وفي المقابل، إذا استمرت "الرباعية" في استبعاد أحد الطرفين، فعليها أن تمتلك استراتيجية واضحة للتعامل مع بنيته السياسية والعسكرية بطريقة لا تجر السودان إلى تقسيم فعلي. أما ترك الأمور على حالها، فسيعزز ديناميكيات الحرب المفتوحة ويزيد من احتمالات تفكك الدولة، إذ إن التعاطي مع هذا الواقع الجديد لا يحتمل الحلول الرمزية أو المؤجلة، بل يستدعي مقاربة شاملة تعالج الجذور العميقة للأزمة التي اتخذت بعداً إنسانياً واسعاً.

هدف مشترك

ويرتبط رفض الجيش السوداني المشاركة في بعض المؤتمرات الدولية لحل الأزمة السودانية في جانب منه بحسابات تتجاوز الأطر السياسية التقليدية لتلامس المصالح الوجودية للفاعلين الرئيسين في السلطة. فالمؤسسة العسكرية التي تمسك بمفاصل الدولة السيادية تدرك أن أي انضواء جاد في مسار سلام متكامل قد يفتح الباب أمام مساءلات داخلية ودولية عن انتهاكات سابقة، وفي مقدمتها أحداث فض الاعتصام وغيرها من الملفات الثقيلة التي لم تُطوَ بعد. وهذا الهاجس يجعل القيادة العسكرية أكثر ميلاً إلى تعطيل المبادرات التي قد تؤدي إلى تسوية شاملة تقيد حركتها وتحد من امتيازاتها.

أما تنظيم "الإخوان" الذي يسعى إلى إعادة ترميم نفوذه بعد أعوام من التراجع عقب سقوط نظام عمر البشير، فيرى أن أية تنازلات في هذا التوقيت ستقوض فرصه في إعادة بناء شبكاته السياسية والاجتماعية، كما يدرك أنه بينما يواجه الضغوط الدولية اليوم، فإن المواجهة التالية ستكون مع الدولة العميقة داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وهي مواجهة يخشى التنظيم أن يخوضها في ظروف ضعف أو تفكك. من هنا ينبع تشدده في رفض الدخول في ترتيبات قد تضعف أوراقه المستقبلية.

 

 وفشل أكثر من 10 محاولات إقليمية ودولية منذ اندلاع الحرب، عزز هذا المنطق، فكل جولة فاشلة، من جدة إلى نيروبي وصولاً إلى مؤتمر لندن، أكدت للجيش و"الإخوان" على حد سواء أن المجتمع الدولي عاجز عن فرض تسوية ملزمة وأن الوقت قد يعمل لمصلحة من يملك السيطرة الميدانية.

وعليه، فإن رفض المشاركة لا يُقرأ فقط كتكتيك تفاوضي، بل كجزء من استراتيجية أوسع لتجنب الدخول في مسار ينتهي ربما بتقويض النفوذ أو فتح ملفات المساءلة. وبينما ترفع المؤسسة العسكرية شعار السيادة الوطنية، وتتمسك جماعة "الإخوان" بخطاب الممانعة، يبقى الهدف الضمني مشتركاً، كسب الوقت وإبقاء موازين القوى الداخلية والخارجية في حال سيولة تسمح لكل طرف بتأمين موقعه قبل أن تفرض عليه تسوية قد يعتبرها مكلفة وجودياً.

سيناريوهات محتملة

 وإلغاء اجتماع "الرباعية" يفتح الباب أمام مجموعة من السيناريوهات. والسيناريو الأول هو استمرار الحرب وتصاعدها، فغياب أية مظلة سياسية جامعة سيتيح للطرفين الرئيسين، الجيش وقوات "الدعم السريع"، التمسك بخيارات الحسم العسكري، خصوصاً أن كل طرف يرى أنه أحرز مكاسب ميدانية خلال الفترة الأخيرة. وهذا المسار يهدد بتوسيع رقعة النزاع إلى مناطق جديدة ويضاعف من الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي باتت الأكبر عالمياً.

والسيناريو الثاني تثبيت خطوط السيطرة وانزلاق نحو "تقسيم الأمر الواقع". وإذا لم يتمكن أي طرف من تحقيق انتصار حاسم، فمن المرجح أن تتجه الحرب إلى حال من الجمود العسكري، مع ترسيم خطوط تماس شبه ثابتة بين الشمال والشرق والوسط تحت سيطرة الجيش، والغرب وأجزاء من كردفان تحت سيطرة "الدعم السريع"، مما يفرز إدارات موازية بحكم الأمر الواقع، بما يشبه سيناريو "الحكم الذاتي" غير المعلن، وهو مسار يرسخ الانقسام الجغرافي والاجتماعي ويجعل إعادة توحيد البلاد أكثر صعوبة على المدى الطويل.

أما السيناريو الثالث، فإعادة إحياء المسار السياسي بضغوط جديدة. وعلى رغم تراجع الجهود الحالية، من الممكن أن تدفع الكارثة الإنسانية وتزايد كلفة الحرب الأطراف الدولية والإقليمية إلى تبني مقاربة أكثر صرامة، عبر فرض عقوبات على المعرقلين، أو استخدام أدوات ضغط اقتصادية وسياسية مباشرة لإجبار الأطراف السودانية على وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات جادة. وهذا السيناريو يتطلب تنسيقاً فاعلاً بين القوى الإقليمية المؤثرة وتقديم ضمانات حقيقية للطرفين بأن أية تسوية لن تترجم إلى انتصار سياسي للطرف الآخر.

ومع ذلك، يبقى مستقبل الحرب في السودان رهيناً بمدى قدرة الأطراف على تجاوز الحسابات الضيقة واستعداد المجتمع الدولي للتحرك وفق رؤية موحدة، فالإبقاء على الوضع الراهن يعني الانزلاق نحو دولة منقسمة وممزقة، بينما يتطلب المسار البديل إرادة صلبة لإطلاق عملية سياسية واقعية تستند إلى وقف عاجل للأعمال العدائية وإعادة بناء الدولة على أسس أكثر شمولاً واستدامة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل