Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تكون جبال النوبة مسرح الحرب التالية؟

لم تعد مجرد ساحة صراع جانبية بل تحولت إلى عقدة حاسمة في هندسة التوازنات يعاد عبرها تشكيل خريطة النفوذ بعموم السودان

أصدر "اتحاد عام جبال النوبة" بياناً ندد بمؤتمر نيروبي ورفض بصورة قاطعة تحالف الحركة الشعبية مع "الدعم السريع"، معتبراً ذلك خيانة صريحة لقضية النوبة (سونا)

ملخص

في ظل تصاعد التعبئة القبلية وغياب مشروع سياسي وطني، فإن منطقة جبال النوبة مرشحة لأن تتحول إلى محور انفجار استراتيجي، يعيد إشعال نيران الصراع في ما كان يعرف بـ"السودان الكبير"، إذ تتقاطع الهويات المتنازعة وتتفكك الدولة على إيقاع الخريطة الإثنية. وتبدو "الحركة الشعبية - شمال"، في لحظة تحولها من فصيل مقاوم إلى حليف للسلطة ثم إلى شريك في بناء سلطة بديلة، وكأنها تعيد إنتاج إشكال السودان في صيغتها الأكثر تعقيداً.

تتربع سلسلة جبال النوبة في موقعها بجنوب السودان، فوق تعقيدات سياسية وعسكرية اتخذت من جيوسياسية المنطقة الممتدة، سماتها الصلدة. فمنذ عقود، لم تكن هذه الجبال مجرد تضاريس وعرة، بل تحولت إلى حاضنة دائمة للحركات المسلحة والهوية المقاومة، بفضل ما تختزنه من تراكمات تاريخية تتقاطع فيها السياسة بالسلاح، وتداعيات مظالم الهامش من المركز.

على إثر انفصال الجنوب عام 2011، إلى دولة مستقلة، دخلت منطقة جنوب كردفان بأكملها مرحلة القضايا العالقة، غذاها غياب الإرادة السياسية من جهة، وتآكل مؤسسات الدولة من جهة أخرى. في هذا الفراغ، أعادت "الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال" تموضعها، حاملة معها مشروع "السودان الجديد"، وإن بدا بصيغة أكثر حدة تحت قيادة عبدالعزيز الحلو، من ذلك الذي تبناه زعيم "الحركة الشعبية" الأم، جون قرنق دي مابيور. هذا المشروع، الذي يستند إلى خطاب تقرير المصير، تجاوز سقف اتفاق "نيفاشا" 2005، متكئاً على سرديات الإقصاء التاريخي والتمييز الثقافي، ليطرح رؤية جذرية تعيد تعريف العلاقة بين الإقليم والمركز.

 

في المقابل، ظل الجيش السوداني يواجه إشكالاً مزدوجاً، عسكرياً يتعلق بعجزه عن فرض السيطرة على مناطق ذات طبوغرافيا معقدة، وسياسياً يتعلق باستمرار فاعلين مسلحين داخل حدود ما يفترض أنها الدولة الواحدة. وعلى رغم محاولات دمج الحركة بشقيها السياسي والعسكري في العملية السياسية عبر اتفاقات متفرقة، بقيت جبال النوبة خارج المعادلة الفعلية للسلام.

ومع اندلاع حرب أبريل (نيسان) 2023، برزت الجبال كمراقب حذر، ثم كفاعل مؤثر بعد "ميثاق فبراير" (شباط) 2025، الذي شكل أول تحالف معلن بين جناح الحلو وقوات "الدعم السريع". هذا التحالف لم يكن مجرد اصطفاف تكتيكي، بل إعلان خريطة جديدة للصراع، يتجاوز ثنائية الجيش و"الدعم السريع"، ويؤسس لتحالفات مناطق المهمشين في وجه مركز تقليدي آخذ في التفكك.

وهكذا لم تعد جبال النوبة مجرد هامش جغرافي أو ساحة صراع جانبية، بل تحولت إلى عقدة حاسمة في هندسة التوازنات، يعاد عبرها تشكيل خريطة النفوذ، ليس فقط في جنوب كردفان، بل في عموم السودان. وفي ضوء ذلك، يبدو أن الجبال، ببأسها الجيوسياسي والعسكري، مرشحة لتكون مفصلاً محورياً في إعادة تعريف مركز الصراع ومستقبل الدولة السودانية.

إيقاع المظلومية

ظلت منطقة جبال النوبة التي تتميز بتنوع إثني وثقافي نادر، في قلب دوامات سياسية وعسكرية متعاقبة، جعلتها دوماً في موقع الضحية. لكن ما يتكشف اليوم لا يختزل في اشتباك مسلح أو صراع على السلطة، بل في تشظ عميق للعقد الاجتماعي ذاته، ليعاد رسم خطوط التماس على أسس قبلية حادة.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، اندلع العنف بين مجموعات مسلحة من قبيلتي النوبة والحوازمة، ولم يكن مجرد حادثة عابرة، بل مؤشراً صارخاً على انتقال الصراع من المستوى السياسي إلى العمق المجتمعي. ومع اشتداد التوتر، برزت ملامح اصطفاف أهلي واسع، لم تفلح محاولات التهدئة العسكرية في احتوائه.

وفي ظل هذا التمزق، أحكمت "الحركة الشعبية - جناح الحلو" سيطرتها على منافذ الشمال الغربي، بينما سيطرت قوات "الدعم السريع" على الطريق الذي يربط المنطقة مع مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، لتدخل الدلنج، ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان بعد كادوقلي العاصمة، مرحلة عزلة خانقة، لا تقل فتكاً عن الحصار العسكري التقليدي، بل تتجاوزه بكونه حصاراً للنسيج الاجتماعي ذاته.

 

من ناحية أخرى، فإن جذور الأزمة ليست وليدة اللحظة، فمنذ بروتوكول "ميشاكوس" عام 2002، ظلت جبال النوبة حبيسة وضع قانوني معلق، وتطلعات سياسية مؤجلة. ولم تسع الحكومات المتعاقبة إلى تضمين هذه المنطقة في مشروع وطني جامع، بل ظل التهميش قائماً، في السياسة والتنمية وتمثيل الهوية، عزز ذلك إحساساً جمعياً بالمظلومية، غذته الحرب، ورسخه تجاهل قضية أبيي، وترك الحدود مفتوحة على توترات ممتدة.

تتحدث جبال النوبة أكثر من 100 لغة، وتحمل ذاكرة مريرة من الإقصاء الممنهج. وفي ظل تصاعد التعبئة القبلية وغياب مشروع سياسي وطني، فإن المنطقة مرشحة لأن تتحول إلى محور انفجار استراتيجي، لا يهدد جنوب كردفان فحسب، بل يعيد إشعال نيران الصراع في ما كان يعرف بـ"السودان الكبير"، حيث تتقاطع الهويات المتنازعة، وتتفكك الدولة على إيقاع الخريطة الإثنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مسار متعرج

خاض عبدالعزيز الحلو بحركته مساراً متعرجاً، يراوح بين العزلة والصدام، ثم التفاهم والتحالف، إلى أن انتهى به المطاف في محور جديد يعكس تحولاً جذرياً في عقيدة الحركة الاستراتيجية. هذا المسار لم يكن انعكاساً لتحولات ظرفية، بل تعبيراً عن حراك سياسي محسوب، ربما يعيد تشكيل تموضع الحركة من قوة مسلحة متمركزة في الجبال إلى فاعل مركزي يسعى إلى صياغة معادلة جديدة على مستوى الدولة.

مع دخول الحركة مدينة الدلنج في يناير (كانون الثاني) 2024، بدا واضحاً أنها انتقلت من دور المراقب المسلح إلى طرف مباشر في مسرح العمليات. ومع تصديها المشترك لهجوم "الدعم السريع"، جنباً إلى جنب مع اللواء 54 من القوات المسلحة، ظهر تنسيق ميداني غير معلن، غذته ضرورات اللحظة لا القناعة السياسية. إلا أن هذا التقارب لم يلبث أن تآكل، حين اصطدمت طموحات الحركة في إعادة صياغة الدولة السودانية على أسس علمانية وفيدرالية بمقاومة المؤسسة العسكرية، التي سعت إلى توظيف الحركة في معركتها ضد "الدعم السريع" من دون الاستجابة لمطالبها الجوهرية.

سرعان ما انهار هذا التفاهم الهش، لتعود الحركة لاشتباكات عنيفة مع القوات المسلحة، وتبادل للاتهامات حول خرق تفاهمات إنسانية، وصولاً إلى قصف مدن استراتيجية مثل كادوقلي. كانت هذه التحولات تنذر بانفصال نهائي بين الطرفين، غير أن لحظة الذروة تجلت في فبراير 2025، حين ظهر الحلو في مؤتمر نيروبي إلى جانب قادة "الدعم السريع" وفصائل أخرى، معلناً ميلاد "الميثاق التأسيسي" لتشكيل سلطة بديلة.

الميثاق لم يكن مجرد بيان سياسي، بل خطة لتحالف أمني وعسكري، ترمي إلى إنشاء "جيش وطني موحد"، في قطيعة تامة مع الجيش السوداني. هنا غادرت الحركة موقع الممانعة الحذرة، وعادت لموقعها المناوئ للدولة المركزية، مؤكدة عزمها على الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وفتح جبهات جديدة في جنوب كردفان والنيل الأزرق. هذا التموضع الجديد لا يحمل فقط رهاناً على تحالف ظرفي، بل يؤسس لهندسة سياسية بديلة، تبدو فيها الحركة شريكاً في مشروع يهدد بإعادة رسم حدود السودان وتفكيك مركزه التاريخي.

تحالف متقلب

هذا التحول لم يمر من دون كلفة، فقد أصدر "اتحاد عام جبال النوبة" بياناً ندد بما وصفه بـ"مهزلة نيروبي"، ورفض بصورة قاطعة تحالف الحركة مع "الدعم السريع"، معتبراً ذلك خيانة صريحة لقضية النوبة، وانزلاقاً خطراً نحو تحالفات تهدد وحدة البلاد واستقرارها. وأكد الاتحاد أن "الحركة، في تحالفها الأخير، تخلت عن تمثيل مصالح أهل جبال النوبة، واختارت أن تكون جزءاً من مشروع تفتيتي لا يحظى بإجماع شعبي في الإقليم".

 

وفي موازاة ذلك، أعلن "التجمع السياسي والمدني لجبال النوبة" هيكلته الجديدة بقيادة دانيال كودي، ونائبه محمد كورتكيلا، مع تولي مبارك أردول رئاسة التجمع. وقدم التجمع نفسه كبديل سياسي وطني، يرفض عسكرة الإقليم، ويؤكد وحدة السودان وسيادته، ملوحاً بحراك سياسي واسع داخل البلاد وخارجها لحماية حقوق النوبة، ومنع تحويل الإقليم إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لمشاريع التطهير العرقي والتوسع العسكري.

تبدو "الحركة الشعبية - شمال"، في لحظة تحولها من فصيل مقاوم إلى حليف للسلطة، ثم إلى شريك في بناء سلطة بديلة، وكأنها تعيد إنتاج إشكال السودان في صيغته الأكثر تعقيداً، والانخراط في مشروع بلا قاعدة سياسية موحدة، وتحالف هش ومتقلب مع المركز، ثم مع قوى لا تشترك معها إلا في العداء للمركز، لا في تصور واضح لماهية الدولة البديلة. ومن هنا، يرى كثيرون، ومنهم أبناء النوبة نفسها، بأن الحركة تبدل دورها التاريخي بدور آني، من دون أن تضمن موطئ قدم مستقر في المستقبل الآتي.

حرب مركبة

على رغم أن "اتفاق نيروبي" طرح، في بداياته، باعتباره إطاراً سياسياً "للتنسيق بين القوى المهمشة"، فمن ضمن التداعيات سرعان ما تحولت بنوده من نصوص موقعة إلى تحركات عسكرية ملموسة، ترجمتها الهجمات المشتركة التي نفذتها القوات المتحالفة من "الجيش الشعبي - جناح الحلو" و"الدعم السريع"، في استهداف مباشر للمواقع التي استعادت السيطرة عليها القوات المسلحة بعد فتح محور الطريق الحيوي بين الدلنج وكادوقلي.

وأعادت هذه الاشتباكات السيطرة المتبادلة على المواقع، مما يعكس ديناميكية ميدانية غير مستقرة، تتسم بالتأرجح بين الكسب الموقت والانسحاب التكتيكي. إلا أن ما يلفت الانتباه هنا ليس فقط تغير خرائط السيطرة، بل نمط الاشتباك الجديد الذي تشكل نتيجة ذلك التحالف. فقد غادر الصراع منطق التمركز الثنائي المعتاد (جيش في مقابل حركة مسلحة)، ليدخل طوراً من أطوار ما يعرف في العلوم العسكرية بـ"الحرب شبه النظامية المركبة"، وهي حالة يتقاطع فيها العمل العسكري المنظم مع القتال غير المتناظر، وتتداخل فيها خطوط الجبهة بين فواعل تمتلك خبرات نظامية، لكنها تتحرك بأجندات فصائلية وتحالفات متقلبة.

هذا النمط من المواجهة يفتح الباب أمام مستوى تصعيدي جديد، لا يقوم فقط على تبادل المواقع أو تكتيكات الإغارة والانسحاب، بل قد يشهد محاولات لتغيير التوازنات الجيوسياسية داخل الإقليم نفسه، عبر إعادة هندسة خريطة الولاءات، وتكريس وقائع جديدة على الأرض تشكل ضغطاً تفاوضياً في أي سيناريو لاحق لإعادة تشكيل السلطة في السودان.

ومن ثم، فإن ما يجري في جبال النوبة لم يعد يقرأ فقط باعتباره فصلاً فرعياً من حرب المركز، بل كجبهة استراتيجية، قد تتحول في أية لحظة إلى مركز ثقل جديد للصراع. وفي هذا السياق، فإن التحالف بين جناح الحلو و"الدعم السريع"، حتى وإن بدا تكتيكياً، فإنه يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع. وعليه، فإن انزلاق الوضع إلى نمط الحرب المركبة يحمل تداعيات تتجاوز التخوم الجغرافية لجنوب كردفان، ويضعف من فرص العودة لطاولة حوار وطني شامل، في ظل تعقيد الأطراف، وتشظي الولاءات، وتعدد المشاريع المتنافسة على ما تبقى من كيان الدولة السودانية.

المزيد من تحلیل