ملخص
تكمن دوافع الصين لتقديم منحة مالية للسودان في ظل حرب مستمرة وانهيار اقتصادي ونضوب في عائدات النفط، بما يتجاوز البعد الإنساني أو الاقتصادي المباشر، ليكشف عن حسابات استراتيجية دقيقة تستند إلى منطق براغماتي تقليدي في السياسة الخارجية الصينية. وتدرك بكين أن مآلات الحرب السودانية غير محسومة، وأن الحفاظ على علاقة غير عدائية مع مختلف الأطراف يضمن استمرار النفوذ الصيني على الأرض.
عندما قام رئيس مجلس الدولة الصيني جاو جيانغ بزيارة لبعض دول القارة الأفريقية في ديسمبر (كانون الأول) عام 1982، عمل على ترسيخ "المبادئ الأربعة" للتعاون الصيني مع أفريقيا، والمتمثلة في الندية والتكافؤ في المصالح، والتركيز على النتائج الملموسة، وتعدد أنماط التعاون، وتحفيز النمو الاقتصادي. وقد أسهمت هذه المبادئ في تعميق النفوذ الصيني داخل السودان في ما بعد، كنتيجة لسنوات طويلة من الاستثمار المنهجي في بناء شراكات استراتيجية عبر المساعدات والتجارة والتبادل الثقافي والتقني. كما أسهم هذا التوسع في بداية انفتاح وصعود الاقتصاد الصيني خلال ذلك العقد، وتنامي الطلب على الموارد الخام الأفريقية. وعلى رغم أن المساعدات الصينية للسودان وأفريقيا كانت، في بداياتها، غير مشروطة، فقد أعادت بكين، لاحقاً، هيكلة سياستها في مجال الدعم الخارجي، وأدخلت عليها ضوابط جديدة، وتحولت القروض الحكومية الخالية من الفوائد إلى قروض مصرفية، كما استبدلت بالمنح المرتبطة بالمشاريع المشتركة وسواها من صيغ التعاون المركب.
في تسعينيات القرن الماضي، جرى توقيع عدد كبير من الاتفاقات، التي امتزجت فيها المساعدات والمنح بالاستثمار في قطاع الطاقة والتبادل التجاري. وتمتاز المساعدات الصينية بسمات نوعية تجعلها أكثر تطابقاً مع حاجات دولة نامية مثل السودان.
تنتهج الصين مساراً غير تقليدي في تقديم التمويل والدعم التنموي، يمزج بين المنح المباشرة، والقروض من دون فوائد، وتخفيف أعباء الدين، إلى جانب القروض التفضيلية. هذا النهج لاقى ترحيباً من نظام الرئيس السابق عمر البشير، فبادر إلى فتح المجال واسعاً أمام الاستثمارات الصينية، في حين وسعت بكين، بدورها، فرص التمويل الممنوح للسودان، وقدمت دعماً تنموياً مباشراً، سواء عبر ديون حكومية، أو من خلال تنفيذ شركات صينية لمشاريع ممولة من قبل الحكومة الصينية نفسها.
وفي هذا السياق، تبرز منحة الـ200 مليون يوان (28 مليون دولار) التي قدمتها الصين للسودان كمؤشر لا يخلو من دلالة، فهل تسعى بكين من خلالها إلى استعادة موقعها المتقدم في السودان بعد التراجعات الأخيرة؟ أم إنها تحاول، فحسب، الحفاظ على موطئ قدم في مشهد بات أكثر انقساماً وتعقيداً؟
توازنات دقيقة
يمثل الاتهام السوداني الموجه إلى الصين بتزويد قوات "الدعم السريع" بطائرات مسيرة هجومية نقطة انعطاف حرجة في تعقيدات الصراع السوداني، إذ لا يقتصر أثره في ساحة النزاع المحلي، بل يطاول التوازنات الدقيقة التي تنسجها بكين بعناية في محيطها الأفريقي، وفي علاقاتها مع القوى الدولية. فالخرطوم، من خلال هذا الاتهام، لا تستهدف فقط التشكيك في طبيعة الدعم الذي يتلقاه خصمها الداخلي، بل تسعى أيضاً إلى إحراج الصين أمام المجتمع الدولي، وتصويرها كفاعل يخرق مبدأ الحياد في نزاع داخلي معقد، وهي خطوة ذات أبعاد استراتيجية عميقة.
بالنسبة إلى بكين، فإن ثقل المصلحة مع الحكومة التي يمثلها الجيش أكبر، ذلك أن مساندة "الدعم السريع" على رغم قوتها العسكرية على الأرض تضع الصين في موقف مقلق بشأن وحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. فمثل هذا الانحياز، قد يغذي سرديات انفصالية داخل أراضيها، بدءاً من التبت وشينغيانغ وصولاً إلى تايوان، مما يجعل حسابات الصين في السودان حذرة ومنضبطة.
ومع ذلك فإن بكين لا تستطيع تجاهل التحولات الواقعية التي يفرضها تفوق "الدعم السريع" الميداني، ولا تستبعد احتمالات إعادة تشكل السلطة في السودان عبر حكومة موازية. من هنا، تسعى الصين إلى الحفاظ على قناة تواصل مرنة معه، من دون أن تصل إلى حد الاعتراف الضمني به ككيان سياسي مشروع. فهي تأمل في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، خصوصاً في قطاعات البنية التحتية والتعدين، من خلال علاقة مستقرة مع الحكومة المركزية، لكنها تضع عيناً مفتوحة على من يتحكم فعلياً بالميدان.
وفي هذا السياق، تعمد الصين إلى اعتماد خطاب مزدوج، فهي تؤكد التزامها بالسلام ووحدة السودان، وتظهر حياداً دبلوماسياً محسوباً، لكنها، في الوقت ذاته، ترفض أن يزج بها في لعبة الاستقطاب الحاد، خشية أن تتحول من شريك اقتصادي عالمي إلى طرف مشكوك في نياته الاستراتيجية.
خطوة استباقية
يمكن أن يقرأ الاتهام السوداني الموجه من الحكومة السودانية إلى الصين في سياق خطوة استباقية لعزل "الدعم السريع" دبلوماسياً وإحاطتها بشبكة من الشبهات الدولية، لا سيما أن هذا الاتهام لا يمكن فصله عن التحركات المتسارعة على الأرض، وعلى رأسها إعلان "تحالف السودان التأسيسي" عزمه تشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة "الدعم السريع". فاختيار قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو (حميدتي) رئيساً للهيئة القيادية لهذا التحالف، وتعيين عبدالعزيز آدم الحلو نائباً له لا يعد قراراً تنظيمياً فحسب، بل هو إيذان بتحول نوعي في هيكل "الدعم السريع"، ينقله من مجرد فاعل عسكري إلى كيان سياسي ذي طموح سيادي.
كما أن الإعلان المرتقب لأعضاء الهيئة القيادية من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، التي ينتظر أن تصبح مقراً رسمياً للسلطة الجديدة، يعكس تصميماً واضحاً على فرض معادلة بديلة لمركزية الدولة التقليدية في الخرطوم. ومن هنا، يصبح الاتهام باستخدام الطائرات المسيرة مجرد عرض من أعراض التحول الأعمق، الذي يتمثل في نشوء بنية حكم موازية تستند إلى القوة الميدانية، والتحالفات الإثنية والسياسية.
بهذا المعنى، فإن الحكومة السودانية، وهي تواجه احتمال انقسام فعلي للسلطة، تدرك أن الرد العسكري وحده لم يعد كافياً، وأن تفوق "الدعم السريع" الجوي والسياسي يتطلب تحركاً دبلوماسياً مضاداً، ينزع عنه المشروعية الدولية قبل أن تتكرس على الأرض. فالتحالف الجديد لا يسعى إلى مجرد تقاسم للسلطة، بل إلى إعادة تعريفها من حيث المرجعية والموقع والتكوين. وهنا، تتداخل الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا السياسية، ويتحول جنوب دارفور إلى مركز قوة يتحدى رمزية الخرطوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منطق براغماتي
تكمن دوافع الصين لتقديم هذه المنحة في ظل حرب مستمرة وانهيار اقتصادي ونضوب في عائدات النفط، بما يتجاوز البعد الإنساني أو الاقتصادي المباشر، ليكشف عن حسابات استراتيجية دقيقة تستند إلى منطق براغماتي تقليدي في السياسة الخارجية الصينية.
أولاً: التموضع في ظل الفراغ الدولي والإقليمي، فمع انشغال القوى الغربية بالحرب الروسية - الأوكرانية، والصراع الإسرائيلي - الإيراني، وتراجع الحضور العربي المؤسسي في الأزمة السودانية، بات السودان ساحة مفتوحة أمام قوى غير تقليدية لتعزيز نفوذها. الصين، التي تنتهج سياسة "عدم التدخل في الشؤون الداخلية" شكلاً، وتوازن المصالح مضموناً، ترى في الأزمة فرصة للتموضع كطرف غير منحاز ظاهرياً، لكنه حاضر في الحسابات المستقبلية.
ثانياً: الرهان على ما بعد الحرب، الصين تفكر استراتيجياً، وليس فقط آنياً. هذه المنحة يمكن فهمها كمقدمة لضمان موطئ قدم في ترتيبات ما بعد الحرب، خصوصاً في مرحلة إعادة الإعمار أو إعادة هندسة الاقتصاد السوداني. وهي رسالة غير مباشرة إلى الأطراف السودانية والدولية. وقد بدأت الحكومة الصينية فعلاً بأن تعهدت صيانة وتأهيل القصر الجمهوري الجديد، إضافة إلى تأهيل قاعة الصداقة، وفق ما أعلن مجلس السيادة.
ثالثاً: الموارد الطبيعية غير النفطية، فعلى رغم تراجع أهمية النفط السوداني بالنسبة إلى الصين بعد انفصال جنوب السودان، فإن السودان لا يزال غنياً بموارد استراتيجية تهم الصين، مثل الذهب واليورانيوم والمعادن النادرة. وبما أن الحرب وما بعدها تفتح المجال لإعادة التفاوض على الامتيازات في بيئة غير مستقرة، فإن دعم الصين قد يكون ثمناً رمزياً مقابل بقاء العلاقات للوصول لهذه الموارد مستقبلاً.
رابعاً: البعد الرمزي في الدبلوماسية الصينية، تتبع بكين ما يسمى "دبلوماسية البنى التحتية والمساعدات الرمزية" في أفريقيا. فتقديم منحة في وقت الحرب، وإن كانت صغيرة نسبياً، يمنحها ميزة أخلاقية أمام الشعوب، ويجعلها تبدو كدولة مسؤولة مقارنة بدول كبرى امتنعت عن تقديم دعم مماثل.
خامساً: السودان بموقعه الجيوسياسي المطل على البحر الأحمر، يعد نقطة استراتيجية في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية. وبقاء علاقة مستقرة، أو في الأقل مفتوحة، مع أي طرف حاكم في السودان هو ضرورة لحماية المصالح اللوجيستية والبحرية المستقبلية، لا سيما في ظل تنافس صيني - أميركي - روسي على موانئ أفريقيا الشرقية.
سيناريوهات محتملة
بينما يستبعد سيناريو تجميد العلاقات بين السودان والصين بانتظار وضوح المشهد، خشية أن تستغل القوى الغربية المساحة التي شغلتها الصين في أفريقيا، فإن هناك سيناريوهين آخرين. الأول، وفيه تتبنى الصين سياسة "التحوط الاستراتيجي"، فتبقي علاقاتها الرسمية قائمة مع الجيش والحكومة، لكنها لا تغلق الأبواب أمام قنوات اتصال غير مباشرة مع "الدعم السريع"، هذا النمط من السلوك يعكس إدراكاً صينياً بأن مآلات الحرب غير محسومة، وأن الحفاظ على علاقة غير عدائية مع مختلف الأطراف يضمن استمرار النفوذ الصيني على الأرض. وقد تتجنب الصين الاعتراف العلني بأي طرف غير رسمي، لكنها في الخفاء تتابع التطورات وتحافظ على خياراتها مفتوحة. الغرض هنا ليس الانحياز بل تأمين المصالح الاقتصادية والموارد الاستراتيجية في أي سيناريو مستقبلي. هذه المقاربة تقلق الخرطوم لكنها لا تدفعها إلى القطيعة.
أما السيناريو الثاني، فالاحتواء وتثبيت العلاقة مع الجيش السوداني من دون تصعيد، ويرجح أن تسلك الصين هذا المسار عبر المحافظة على علاقاتها الرسمية مع الجيش، مع النأي بنفسها عن أي تورط مباشر في النزاع. في هذا السيناريو، تسعى بكين إلى نفي الاتهامات بهدوء، وتقديم إشارات دعم سياسي أو اقتصادي محدود، من دون التورط في الصراع المسلح. وتقرأ المنحة المالية، في هذا السياق، كرسالة طمأنة للخرطوم، بهدف تهدئة التوتر، وتأكيد الحرص على استمرار الشراكة التقليدية بين البلدين. بكين تدرك أن الجيش هو الجهة التي ستوقع العقود، لذا فهي لن تغامر بخسارته، لكنها في الوقت نفسه ستتجنب التصعيد الإعلامي أو الدبلوماسي، حفاظاً على صورتها كقوة مسؤولة وغير منحازة.
في هذا الإطار، ليس مستبعداً أن تفعل الصين أدواتها الاستخباراتية لمراقبة ديناميات الصراع، وتحليل أنماط التحالفات، درءاً لأي تورط غير مباشر. وفي المقابل، قد توظف الخرطوم علاقتها مع الصين كورقة ضغط على الغرب، في إطار لعبة موازين دقيقة بين بكين وواشنطن. هكذا، يتحول السودان من ساحة صراع محلي إلى مختبر دولي وإقليمي معقد تسعى الصين إلى ترسيخه في حروب أفريقيا الجديدة.