ملخص
تضم المجموعة القصصية الجديدة للكاتب السعودي مقبول العلوي "تدريبات شاقة على الاستغناء"، 14 قصة تتراوح في أحجامها وأجوائها، وتتفرد في بعدها التجريبي، بين السرد وفن المقامة واليوميات.
من قال إن الأدب لا يسعه أن يدون أمزجة الشعوب، ولا يقوى على تأريخ نبضاتها الكبرى، وتحولاتها الفكرية؟ بل يجوز العكس، في حال كان الأديب منغرساً في تربة مجتمعه، وملتصقاً بتجارب أفراده، ومختبراً بنفسه أحواله، وقادراً على نقل شواهد دالة على ذلك، في ما يبتدعه من أعمال أدبية، تصير بدورها شاهداً على مجتمعه وعصره. نقول هذا لما وجدناه من ميلٍ لدى الكاتب السعودي مقبول العلوي، ثابت عنده إلى نقل صور وافية عن مجتمعه السعودي، في أعمال قصصية وروائية نال عنها جوائز (سوق عكاظ 2016)، مثل "زرياب" و"البدوي الصغير"، و"القبطي" وغيرها.
أنواع فرعية
عمل الكاتب مقبول العلوي القصصي الصادر حديثاً (2025) عن دار نوفل في بيروت، بعنوان "تدريبات شاقة على الاستغناء"، ينطوي على أربع عشرة قصة. وتتراوح هذه القصص طولاً وقصراً، ومنها ما يفرعه الأديب تفريعاً يناسب نوع اليوميات، شأنه في قصة "الأيام الأولى للعزلة"، وقصة "يوم عصيب في حياة الآنسة مريم"، ومنها ما يخرجه على صورة المقامة، مثل قصة "زعيرات الشماعين" (21-25)، والقصص الأخرى يسير بها الأديب العلوي على النهج الاجتماعي الذي أُثرَ عنه، وصفاً وفضحاً وغمزاً من قناة حديثي النعمة والكتابة، ونصرةً للمرأة، وإحياءً للحظات البراءة، والطيبة، في مقابل الخبث والإيلام المجاني، والمرض المميت، وغيرها من لحظات التفكر المصحوب بالتذكر الهني، وبلغة قريبة المتناول، مع أن بلاغتها تتجاوز اليومي والواقعي إلى الإنساني الجميل والخير والممتع، في آن.
اللافت الأول في قصص العلوي أنها صيغت بغالبيتها العظمى، بضمير المتكلم، حتى ليخيل إلى القارئ أن هذه القصص هي من بنات سيرته الذاتية، وإن اقتبست من بيئته الضيقة، وعالمه الريفي، وأمكنته، وإطاره المدرسي الذي كان لا يزال فاعلاً فيه، على حد علمنا. ولكن، في غالب الظن أن هذه القصص المصوغة على هذا النحو، الشبيه بالسيرة، يعتبر الكاتب أنها أقدر على التشويق من سائر الصيغ. وأياً يكن، تروي قصة "تقرير سري عن زينة"، أن الراوي العليم لما قرر الزواج، رأى أن يكلف صديقاً قديماً بأن يستعلم له عن أحوال فتاة يزمع الزواج بها، في الحي، تدعى "زينة". ولكن الوقائع الجارية على التوالي تكشف للراوي حقائق صادمة عن هذا الصديق؛ إذ يتبين له أن يوسف هذا، الملقب "بالمغناطيس" لإمعانه في تلقط أخبار الناس وأسرارهم، بغية ابتزازهم مادياً، وأنه كان يستغل عدداً من النساء الأجانب، والعاملات بصفة غير شرعية في البلاد، من أجل أن يتلقطن أخباراً من هنا وهناك، وأن هؤلاء النسوة ثرنَ عليه ذات يوم، بعد أن طفح كيلُ ظلمه لهن، فحملنه على الفرار بجلده من المكان، تاركاً سجلات الناس المكشوفة، إلى تقرير زينة، الذي استثناه الراوي من الحرق.
في القصة الثانية، بمجموعته القصصية، على التوالي، يحكي الراوي العليم- وقد يكون بالنيابة عن الكاتب صاحب الرأي والخطاب- بعضاً من سيرة معلم الموسيقى في إحدى المدارس الرسمية، حيث يدرس. وحدثَ أن أحيا هذا المدرس بالغناء أجواء الدرس الجافة أصلاً. فما كان من مدير المدرسة إلا أن اعترض على أداء الأستاذ مجيد، مكرراً قوله إن "الموسيقى حرام يا أستاذ!". وبلغ اعتراض المدير مراكز القرار في التربية، فأصدر أمراً بنقل الأستاذ مجيد تأديبياً إلى مدرسة نائية. ولئن أُبعد أستاذ الموسيقى، بحجة الإساءة للمحرمات، كما يزعم المتشددون، ومنهم المدير وبعض المعلمين والمسؤولين في الإدارات، فإن ما بقيَ في أذهان المتعلمين الذين تذوقوا حلاوة الموسيقى وخبروا أثرها الإيجابي في تكوين حساسيتهم الجمالية، ومنهم الكاتب، كان كفيلاً بتكوين تصور إيجابي ومحيي عن الموسيقى: "انتعشت أرواحنا حينما عزفَ الأستاذ مجيد إحدى أغنيات الفنان محمد عبده، فرددنا وراءه بحماسة كلمات الأغنية. تلاشى وعيُنا، ودرنا في فلكٍ خاص خارج أسوار الزمن. ارتفعنا عن أوحال الأرض وأحسسنا بلحظةِ تطهر من الشقاء والتعب والملل والضجر".
وبناء عليه، لا يتأخر الكاتب السعودي عن انتقاد التزمت غير البناء في مجال تدريس المواد الفنية، في التعليم العام، ومنها الموسيقى التي تسهم في صقل ذوق المتعلم، وتوجهه وجهة سديدة لبناء شخصية متوازنة. ولعل في هذا مواكبة محمودة للتيار التجديدي الذي تسير فيه المملكة العربية السعودية والذي أعادت فيه الاعتبار للفنون كافة، من خلال نهضة عارمة لم تشهد لها البلاد مثيلاً.
سلاسة سردية
لا يكاد يمر القارئ عينه على القصص حتى يتفاعل معها الشعور، والوجدان، من دون كبير عناء، حتى ليظن أن مادة القصص من صميم ألفة عامة، وحميمية يكشف عن طواياها، وقيَم مستحسنة. ولا تقتصر السلاسة في القص على أقصوصة بعينها، حتى لو كانت مصوغة على طريقة المقامة البغدادية (أو الحريرية، أو الهمذانية...). بل القصص، كما أسلفنا، كناية عن محطات مستلة من سيرة الكاتب، أو آخرين، ومشغولة بسرد شفاف، وحوار شائق، يحملان جدالاً ضمنياً، حول قيمة الفن، وأسرار الناس، والأقدار الظالمة، ورفقة الطفولة، والذاكرة البريئة، وانعزال القرى، وغيرها من الموتيفات التي دأب الكاتب العلوي على معالجتها في سائر أعماله القصصية والروائية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولنا مثال على ذلك قصته "تدريبات شاقة على الاستغناء"، والتي يستخدم فيها الكاتب ما أمكنه من مداورات القص، والحوار المتقطع والحامل دلالات أكثر من الظاهر، والسرد المحكوم باللازمة "ادخل يا حلو"، تقولها المرأة الأرملة الأجنبية- غير السعودية- الجميلة للفتى الراوي، كلما أتاها مرسلاً من قبل أمه لغرض ما. والأهم هذا الحوار الحار الذي كان يجري بين الفتيان أنفسهم، المتيقظة حواسهم الجنسية، حول أن جسدها "مثل قنبلة من الفتنة". وتمضي بهم استيهاماتهم بعيداً، حتى ليجرؤ أحدهم، ويدعى سعود، على الدخول إليها، فتعاجله بالضرب المبرح وتدميه. إلا الفتى الراوي الذي ظل يتردد عليها، وبقيت تناديه "يا حلو"، ومرددة على مسمعه عبارتها الأثيرة "الخيل الأصيلة تعرف خيالها".
ديستوبيا وذكريات
ولو نظرنا إلى الثيمات أو الموتيفات التي اشتغل عليها الكاتب مقبول العلوي، في مجموعته القصصية الحالية، لقلنا إنها، بالمحصلة الأخيرة، التفاتة مشوبة بالحنين والألم والاعتبار والنقد؛ منها على سبيل المثال لا الحصر، قصة "المؤتمر الأدبي" التي يخصها بانتقاد حديثي النعمة والأدب والراكبين أمواج غيرهم والمستغلين إبداعات الآخرين، وغطاؤهم أموالهم، والذين سرعان ما يكشف جهلُهم لعبتَهم الوضيعة. ومنها أيضاً قصة "ديستوبيا القرى المعزولة" والتي يكشف فيها القاص عن مآسي سكان القرى المعزولة، بسبب وفاة الأطفال لاستحالة إيصال المرضى منهم إلى المستشفيات، بسبب بعد القرية القصي. ومنها قصة "يوم عصيب في حياة الآنسة ريم"، وفيها تحكي الفتاة، في يومياتها، مأساتها المتمثلة بموت والدها، لدى انتقال العائلة إلى منزل جديد.
"مات والدي بأزمة قلبية مفاجئة في أول يوم له في بيتنا الجديد. بالنسبة إلي، كان موته متوقعاً في أي لحظة. كنتُ أرى طيف الموت يحوم حوله فأشعر بالأسى... مر على هذه الدنيا مروراً خفيفاً، حاول عبثاً أن يرشو الحياة بالصبر وأن يعاقرها بالرسم والفن، ليستعيد أحلامه المنسية، لكنها لم تُكرم وفادته...".