ملخص
رصد التقرير السنوي لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" لأحداث 2025 النزاع والانتهاكات في السودان، بدءاً من الخرطوم ومروراً بدارفور وانتهاء بمناطق أخرى، وتناول العرقلة المتعمدة للمساعدات الإنسانية والهجمات عليها، والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع والاحتجاز والتعذيب.
قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها السنوي إن أفعال الأطراف المتحاربة أدت إلى تحويل السودان إلى أسوأ أزمة إنسانية عالمية، لافتة إلى استمرار النزاع بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع" للعام الثالث على التوالي، حيث ارتكبت جميع الأطراف جرائم حرب وانتهاكات أخرى للقانون الدولي الإنساني.
وأفاد برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة بأن 24.6 مليون شخص يعانون الجوع الحاد، فيما يواجه مليونا شخص المجاعة أو خطر المجاعة، وحتى سبتمبر (أيلول) 2025 نزح أكثر من 11.8 مليون شخص بسبب النزاع، منهم 7.4 مليون نازح داخلياً و4.2 مليون في البلدان المجاورة.
وبينما استعاد الجيش السوداني العاصمة الخرطوم ومدناً وقرى أخرى شملت مناطق في وسط السودان، سقطت عاصمة شمال دارفور، الفاشر، نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في أيدي " الدعم السريع"، ووردت على الفور تقارير وصور عن عمليات قتل خارج القضاء وانتهاكات جسيمة أخرى ارتكبتها القوات ضد الفارين، ليشن الجيش ضربات جوية عشوائية على جنوب دارفور وأجزاء أخرى من البلاد.
ويواصل الطرفان عرقلة المساعدات عمداً على رغم الحاجات الماسة للسكان، مع اعتقال ومضايقة العاملين الإنسانيين والمتطوعين المحليين، و في يوليو (تموز) 2025 أعلنت "قوات الدعم السريع" وحلفاؤها تشكيل حكومة موازية مقرها دارفور، فيما فرضت الولايات المتحدة عقوبات استهدفت أفراد وكيانات مرتبطة بالنزاع.
وفي يوليو 2025 اعتمد "الاتحاد الأوروبي" عقوبات أكثر استهدافاً للانتهاكات الحقوقية الجسيمة، شملت زعيم "قوات درع السودان" اللواء أبو عاقلة كيكل، وخلال الاستنتاجات التي اعتمدها وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، أعرب الاتحاد عن قلقه البالغ إزاء الانتهاكات في جميع أنحاء السودان ودعا إلى المساءلة، والتزم بتقديم تدابير ملموسة لحماية المدنيين، فاستمرت تحقيقات "المحكمة الجنائية الدولية" في دارفور، وفي سبتمبر 2025 جدد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة نظام العقوبات المفروض على السودان لعام آخر، لكنه لم يوسع نطاق العقوبات لتشمل السودان بأكمله، ولم يحدد أفراداً جدداً بموجب النظام الحالي، وكذلك مدد "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ولاية "البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان" في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.
النزاع والانتهاكات في الخرطوم
في مارس (آذار) 2025 عندما استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على الخرطوم، كشفت أدلة على انتهاكات جسيمة ارتكبتها قوات "الدعم السريع" ولا سيما في أم درمان، فشنت القوات المسلحة السودانية هجمات انتقامية ضد متطوعين محليين اتهموا بالتعاون مع القوات، وواجه المدنيون باستمرار القصف المدفعي والجوي العشوائي، وفي يناير (كانون الثاني) 2025 قال متطوعون محليون إن القوات المسلحة السودانية شنت ضربات جوية عشوائية جنوب الخرطوم، شملت مهاجمة سوق، مما أسفر عن مقتل وجرح عشرات المدنيين، وفي فبراير (شباط) 2025 قالت السلطات الطبية المحلية ونشطاء إن قصف قوات "الدعم السريع" أسفر عن مقتل 54 شخصاً وجرح أكثر من 100 آخرين في سوق في أم درمان، أما في مارس 2025 فأفادت وسائل الإعلام أن نحو 500 شخص دفنوا داخل مقابر جماعية في شمال الخرطوم قرب قاعدة لـ "الدعم السريع"، حيث أفاد محتجزون بتعرضهم للتعذيب والتجويع، بحسب تقارير، وواصلت مسيّرات "الدعم السريع" استهداف منشآت حيوية للمدنيين في الخرطوم، وإن كان الجيش يستخدمها أيضاً، بما يشمل قصفاً في التاسع من سبتمبر 2025 عندما أفادت وسائل الإعلام أن هجمات قوات "الدعم السريع" استهدفت محطات كهرباء ومصفاة نفط.
وفي مارس 2025 أشارت "مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى تقارير موثوقة تفيد بأن "الدعم السريع" والقوات المتحالفة معها نهبت منازل شرق الخرطوم ونفذت عمليات قتل غير قانونية واعتقالات تعسفية، مؤكدة أن مقاتلين متحالفين مع القوات المسلحة السودانية نفذوا انتهاكات مماثلة.
النزاع والانتهاكات في دارفور
أما في الـ 26 من أكتوبر 2025 فاستولت قوات "الدعم السريع" على الفاشر في ذروة حصار على المدينة منذ مايو (أيار) 2024، وهجمات متواصلة من قبل الجماعة المسلحة التي تسببت في مجاعة داخل مخيمات النازحين في المدينة وما حولها، فنفذت قتلاً جماعياً بحق الفارين، فضلاً عن أعمال عنف جنسي.
وقبل سقوط الفاشر شن الطرفان هجمات طاولت المدنيين والبنية التحتية المدنية، بما يشمل المرافق الصحية القليلة الباقية في المدينة، وأفادت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة أن "الدعم السريع" ألحقت أضراراً بمرافق المياه وخطوط الإمداد في فبراير 2025، وفي منتصف أبريل (نيسان) 2025 قتلت هجمات "الدعم السريع الواسعة" على زمزم ما بين 300 و1500 شخص وجرحت 157 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، وفقاً للأمم المتحدة.
أما القوات المسلحة السودانية فقصفت المناطق السكنية بما يشمل قصف سوق شمال الفاشر في الـ 24 من مارس 2025، وقتلت في أوائل فبراير من العام نفسه عشرات المدنيين في هجمات على أحياء سكنية وتجارية في نيالا، جنوب دارفور، باستخدام قنابل غير موجهة ألقيت من الجو.
النزاع والانتهاكات في مناطق أخرى
في الـ 10 من يناير 2025 استهدفت قوات "درع السودان"، وهي جماعة مسلحة متحالفة حالياً مع القوات المسلحة السودانية بقيادة أبو عاقلة كيكل، مدنيين في قرية طيبة مما أسفر عن مقتل 26 مدنياً في الأقل، ونهب المقاتلون الممتلكات وأحرقوا المنازل وأرهبوا السكان، مما أجبر كثراً على الفرار، وقد وقع الهجوم في سياق هجوم شنته القوات المسلحة السودانية لاستعادة ولاية الجزيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي غرب كردفان قصفت القوات المسلحة السودانية مسجداً في الـ 21 من يونيو (حزيران) 2025 مما أسفر عن مقتل 41 شخصاً وإصابة العشرات، وأفادت الأمم المتحدة أن نحو 300 شخص قتلوا خلال هجمات قادتها "الدعم السريع" في يوليو على منطقة بارا شمال كردفان، وأيضاً شنت القوات المسلحة السودانية ضربات جوية خلال يوليو على غرب كردفان أسفرت عن مقتل 23 مدنياً.
العرقلة المتعمدة للمساعدات الإنسانية
تواصل الأطراف المتحاربة عرقلة حركة المساعدات عمدا بينما تهاجم أيضاً العاملين في المجال الإنساني والمتطوعين المحليين، في انتهاك للقانون الدولي الإنساني، وقد خلصت بعثة تقصي الحقائق الأممية إلى أن "الدعم السريع" والقوات المتحالفة معها استخدمت التجويع كوسيلة للحرب، وهو ما يشكل جريمة حرب، وقد أدى خفض المساعدات الدولية من قبل الولايات المتحدة ودول أخرى، إضافة إلى هجمات الأطراف المتحاربة، إلى إغلاق كثير من مطابخ الطوارئ التي تشكل مصدراً حيوياً للغذاء، وخلال مؤتمر عقد في لندن في أبريل 2025، تعهدت الأطراف الفاعلة الدولية بتقديم أكثر من 500 مليون يورو كمساعدات، وحتى في الحالات التي ظلت فيها المساعدات متاحة فقد أدى القتال والهجمات على وكالات الإغاثة الإنسانية إلى تعليق الخدمات في بعض المناطق، ففي فبراير 2025 أوقف "برنامج الأغذية العالمي" موقتاً توزيع المواد الغذائية داخل مخيم زمزم شمال دارفور، وفي يونيو من العام نفسه تعرضت قافلة تابعة لـ "برنامج الأغذية العالمي" إلى هجوم شمال دارفور أسفر عن مقتل خمسة من موظفيه، وتعرضت قافلة أخرى تابعة للأمم المتحدة في المنطقة نفسها لغارة بمسيّرة في أغسطس (آب) 2025، وفي الشهر نفسه أجبر هجوم مسلح "أطباء بلا حدود"، وهي منظمة خيرية طبية، على تعليق عملياتها في مستشفى زالنجي وسط دارفور، في خضم تفشي الكوليرا، وأفاد "مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية" (أوتشا) أنه في مايو 2025، جرت الموافقة على 110 تأشيرات فقط للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية من أصل 355 طلباً معلقاً، وكان عدد الطلبات المتراكمة في ازدياد.
العنف الجنسي المرتبط بالنزاع
يرتكب المقاتلون من كلا طرفي النزاع العنف الجنسي بصورة روتينية ضد النساء والفتيات بشكل أساس، وتشير الأدلة على حالات الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاسترقاق الجنسي إلى أن هذه الأفعال عديدة وغالبا ما تكون واسعة الانتشار، ففي مايو 2025 أفاد خبراء الأمم المتحدة عن توثيق ما لا يقل عن 330 حالة عنف جنسي مرتبط بالنزاع، لكن مع القيود الشديدة على الخدمات والهجمات على العاملين في المجال الطبي والوصمة العميقة التي يواجهها الضحايا والقيود المستمرة على الرصد المستقل، فمن المرجح أن الحالات الموثقة تمثل نسبة صغيرة من العدد الفعلي، وفي يونيو 2025 قال "صندوق الأمم المتحدة للسكان" إن الخفض الأخير في تمويل المساعدات أجبرته على الانسحاب من أكثر من نصف المرافق الصحية الـ 93 التي كان يدعمها.
الاحتجاز والتعذيب وسوء المعاملة
واحتجز الطرفان المدنيين وقاما بتعذيبهم وإعدامهم بصورة غير قانونية، وقالت بعثة تقصي الحقائق الأممية إن مقاتلي قوات "الدعم السريع" ضربوا المعتقلين وأطلقوا النار عليهم في أبريل 2025 في أم درمان، وإن كلا الطرفين احتجزوا المعتقلين في ظروف غير إنسانية، فاحتجزت القوات المسلحة السودانية بصورة غير قانونية أشخاصاً متهمين بالتعاون مع "الدعم السريع"، غالباً على أساس عرقي.
في أبريل 2025 أعرب نشطاء عن قلقهم إزاء عدم اتباع الإجراءات القانونية السليمة في قضية أكثر من 25 امرأة اتهمتهن سلطات القوات المسلحة السودانية بالتعاون مع "الدعم السريع" ويواجهن عقوبة الإعدام، وقالت منظمة حقوقية محلية في سبتمبر 2025 إن القوات المسلحة السودانية وحلفاءها يحتجزون أكثر من 3 آلاف شخص في ولاية الجزيرة، معظمهم من النشطاء السياسيين.
المساءلة
ولا يزال الإفلات من العقاب عاملاً رئيساً يؤجج العنف ويشجع مرتكبي الجرائم الجسيمة، فغالباً ما ينكر الطرفان الادعاءات أو يتقاعسان عن اتخاذ خطوات موثوقة للتحقيق، وقد واصلت جميع أطراف النزاع رفضها التعاون مع "بعثة تقصي الحقائق الأممية" و"البعثة المشتركة لتقصي الحقائق التابعة للاتحاد الأفريقي"، من خلال منع الوصول إلى الأراضي الخاضعة لسيطرتها ورفض نتائجها ومخاوفها، وعدم الرد على أي من اتصالاتها أو طلباتها، وفي السادس من أكتوبر 2025 دان قضاة المحكمة الجنائية الدولية زعيم ميليشيات الجنجويد السابق علي محمد علي عبدالرحمن (علي كوشيب) بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور أعوام 2003 و2004 و2013، في أول محاكمة تنشأ عن تحقيق المحكمة في دارفور، ومع ذلك لا تزال ولاية المحكمة الجنائية الدولية مقتصرة على دارفور، بما لا يترك أية آليات قضائية مستقلة للتحقيق ومقاضاة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة المرتكبة في جميع أنحاء السودان، وقد قرر "مجلس حقوق الإنسان الأممي" تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الأممية لضمان استمرار التحقيقات القوية في الانتهاكات الجسيمة المستمرة، ودعم الجهود الرامية إلى محاسبة مرتكبي الجرائم الدولية.