ملخص
بروح قتالية لا تقهر، قادت لوسي برونز منتخب إنجلترا لعبور ملحمي إلى نصف نهائي يورو 2025 للسيدات، في مباراة درامية حافلة بالأخطاء والتقلبات، إذ صنعت صلابتها الفارقة بين الانكسار والانتصار وسط أداء جماعي متذبذب.
"فريدة من نوعها"، هكذا وصفت مدربة المنتخب الإنجليزي لكرة القدم النسائية سارينا فيغمان لاعبتها "المقاتلة" لوسي برونز، التي قدمت بالفعل صورة ستخلد في ذاكرة الكرة الإنجليزية، وإن جاء ذلك بعد أداء جماعي لن يذكر بالقدر نفسه من البروز.
بطولة برونز وسط دراما ركلات الترجيح
وحدها الروح، هي ما سيبقى. بعد سلسلة من الإهدارات العبثية، في واحدة من أسوأ ركلات الترجيح في تاريخ كرة القدم على الأرجح، نزعت برونز - وهي تترنح - الرباط عن ساقها اليسرى، وتقدمت بثبات. ثماني ركلات من أصل 12 ركلة ترجيحية كانت قد أهدرت من قبل، وبعضها ضاع بطريقة لا تصدق، فيما كانت التقلبات العاطفية لركلات الترجيح تتأرجح بجنون كحال بعض التسديدات، لذا قامت برونز ببساطة بتسديد الكرة بقوة مباشرة إلى سقف المرمى.
وقالت برونز "شعرت ببعض الشد في نهاية المباراة، وقلت لنفسي: علي فقط أن أتحمل لأواصل اللعب".
"فكرت، هذا الشد قد يعوقني عند تنفيذ ركلة الترجيح. لم أتوقع أن نصل إلى الركلة السادسة، ثم أصبحت ركلتي، فقلت: علي أن أنزع هذا الرباط، سأقوم بتسديدها بقوة فعلية".
وقالت فيغمان بحماسة "تلك الصلابة، ذلك القتال"، ثم رسمت المدربة صورة أخرى لبرونز بقولها "الطريقة الوحيدة لإخراجها من الملعب هي على كرسي متحرك".
لقد كانت برونز تجسيداً لصمود إنجلترا، وهي سمة يمكن الاعتماد عليها بالتأكيد، حتى في أداء كهذا، كما أن ركلتها مثلت حسماً افتقده الفريق في الدقائق الـ10 الأخيرة، ومعظم مجريات اللقاء. ويبدو أن الركلة تسببت في إرباك السويد في محاولتها الأخيرة، إذ أصبحت اللاعبة البالغة من العمر 18 سنة سميلا هولمبيرغ، أحدث من سدد الكرة بعيداً من المرمى.
هذه المرة، كان الإهدار كافياً، فقد دفعت قوة برونز إنجلترا إلى نصف نهائي "يورو 2025"، وذلك بعد أن أشعل هدفها المتأخر شرارة العودة.
وبات فريقها الآن على بعد 90 دقيقة فقط من نهائي آخر، على رغم أنهم لم يقدموا أداء جيداً إلا لبضع دقائق فقط، ويرجع كثير من ذلك إلى التأثير الكبير الذي أحدثته كلوي كيلي.
النقاش الطبيعي الآن سيدور حول ما الذي ستفعله هذه المشاعر بالفريق، وعن الصلابة التي أظهروها، وهل ستولد هذه اللحظة زخماً يحررهم ويمنحهم دفعة جديدة.
وصفت فيغمان المباراة بأنها الأكثر فوضوية التي شاركت فيها على الإطلاق، وقالت "لا أذكر شيئاً مماثلاً لهذا". وبعد أكثر من ساعة، وخلال ظهورها في المؤتمر الصحافي بعد الساعة الواحدة صباحاً في زيورخ، قالت المدربة إنها لا تزال "في حالة من النشاط والانفعال العاطفي".
ولكن إذا كنا نتحدث عن عناصر غير ملموسة كهذه، فلا بد من التركيز على الدراما النفسية لركلات الترجيح.
لقد كانت شيئاً نادر الحدوث في تاريخ كرة القدم، ومشهداً قلما يتكرر، إذ انتهت الركلات الخمس الأساسية لكل فريق بالتعادل (2 - 2) تماماً كما انتهى الوقت الأصلي للمباراة".
انهيار سويدي أمام ضغط اللحظات الأخيرة
وعلى رغم من أن برونز اقتنصت اللحظة في النهاية، يصعب تجاهل الشعور بأن السويد أفلتت الفوز من بين يديها بصورة كارثية.
وليس ذلك فقط لأنها كانت متقدمة (2 - 0) في الدقيقة الـ79، وهو أمر بدا شبه غير ذي صلة نظراً إلى ما تلا ذلك من أحداث.
لاحقاً قالت هانا هامبتون إنها بالكاد تتذكر الشوط الأول، أما تصديها المبكر في الشوط الثاني، فقد أبقى إنجلترا في المباراة، إلى جانب تصدياتها في ركلات الترجيح، وقالت فيغمان "كان ذلك حاسماً".
وعلى رغم كل ذلك، ظل أمام السويد فرصة لحسم التأهل إلى نصف النهائي، إذ كان التعادل (2 - 2) لا يزال قائماً مع الركلة الأخيرة في الوقت الأصلي من الركلات الخمس، وزاد الترقب بصورة غير عادية عندما دارت الحارسة جينيفر فالك بصورة مفاجئة لتتقدم وتنفذ الركلة بنفسها.
فثلاثة تصديات على ما يبدو لم تكن كافية لها، لقد أرادت أن تكون بطلة ثلاثية، أو صاحبة الكلمة الأخيرة، لكنها لم تحصل حتى على الكلمة الثانية أو الثالثة الأخيرة.
واعترفت هامبتون بأنها شعرت بـ"الدهشة" و"الذعر" لوهلة، فعلى رغم كل التحضيرات، لم تكن لدى إنجلترا أي بيانات عن سجل حارسة المرمى المنافسة في تنفيذ ركلات الترجيح.
لكن كل ذلك انهار في لحظة مع تسديدة فالك، فقد كانت أول من أطاح بالكرة عالياً من بين الحراس، واضطرت برونز إلى أن تريهم كيف تسدد الركلة كما يجب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وإن كانت طبيعة ركلات الترجيح تجذب معظم الانتباه، وربما ستكون كل ما سيتذكره غالب الناس لاحقاً، فإن الأداء في مجمله لا يخلو من بعض النقاط التي تستدعي القلق.
وقالت فيغمان، وإن كان بضحكة، "لم أستمتع بذلك". كما أبدت اعتراضاً واضحاً على بعض الانتقادات الموجهة لأداء إنجلترا، قبل أن تقوم كيلي بتحويل مجريات اللقاء بصورة دراماتيكية منذ الدقيقة الـ70.
وقد عكس التذبذب في ركلات الترجيح في الواقع أداء إنجلترا ذاته، فقد أخطأوا، ثم صححوا الخطأ، ثم عادوا لارتكابه مجدداً، ليظهروا في النهاية تلك الصلابة الفردية الكلاسيكية التي ساعدتهم في العبور بطريقة ما.
قرارات فيغمان تحت المجهر مجدداً
واحدة من أكثر الجوانب اللافتة، قبل ركلات الترجيح، كانت أن فيغمان ارتكبت الأخطاء ذاتها التي ارتكبتها أمام فرنسا في المباراة الافتتاحية. وكأن شيئاً لم يكن أو تمت الاستفادة منه، وكأن الانتعاشة الأخيرة جاءت فقط نتيجة ضعف الخصوم في مباراتي ويلز وهولندا، فقد ظلت إنجلترا هشة بصورة مقلقة أمام سرعة المنافس.
تعرضت كيرا وولش مرة أخرى للهيمنة في خط الوسط، وعانى فريق فيغمان بشدة في محاولة تجاوز هذه العقبة. وقد بدا أن السويد استهدفت جيس كارتر بصورة واضحة في الضغط، لكن ليا ويليامسون بدورها لم تكن ثابتة الأداء بجانبها.
ومن هنا جاءت أهداف السويد، ففي الدقيقة الثانية اخترقت كوسوفاري أسلاني الدفاع بسهولة، ثم جاءت ستينا بلاكستينيوس، التي كان ضغطها يسبب متاعب لا حصر لها، لتنطلق بسرعة وتسجل الهدف الثاني.
كان رد إنجلترا باهتاً للغاية، حتى أجرت فيغمان، في ما بدا تأخراً شديداً، ثلاثة تبديلات دفعة واحدة. وكانت تبديلات مفاجئة، لا سيما باستبدال جورجيا ستانواي وإيلا تون من دون إدخال بديل في خط الوسط.
قامت إنجلترا بتحميل الهجوم بالكامل، واللعب المباشر.
كيلي التي دخلت بعد التبديلات الثلاثة، أرسلت كرة رائعة إلى برونز، التي ارتقت لها برأسية متقنة عند القائم البعيد، ثم ركلت برونز لوحة إعلانية بتحد شديد، وكأنها تمهد لما سيأتي.
السويد لم تكن تتوقع أن يأتي الرد بهذه السرعة، إذ انطلقت إنجلترا مباشرة نحو المرمى مجدداً. هذه المرة كانت كيلي في العمق، وفي غضون دقيقتين فقط، حولت ميشيل أغييمانغ الكرة إلى الشباك.
بطلة جديدة، وجنون مطلق.
لكن الأمر لم يكن توجهاً جديداً بالكامل، فالإشكال في تبديلات فيغمان أنها مناسبة للظرف اللحظي، لكنها لم تكن ملائمة لمباراة مفتوحة. إذ بدا الوقت الإضافي وكأن إنجلترا تحاول فقط اجتيازه، وربما اقتناص فرصة.
وقد جاء ذلك بثمن، وعلى رغم مكافأة التأهل إلى نصف النهائي. فبعد خوض المباراة كاملة، تحتاج كل من ويليامسون وبرونز ولورين جيمس إلى رعاية طبية، وتبقى ويليامسون مصدر القلق الأكبر بعد أن التوى كاحلها.
علامات استفهام حول صلابة إنجلترا أمام الضغط
وبعيداً من التعافي البدني، سيكون على فيغمان التفكير ملياً في التشكيلة التي ستخوض نصف النهائي. وقالت "أحتاج إلى أن أهدأ"، بينما كانت هامبتون ترد على مكالمة "فيس تايم" من عائلتها خلال المؤتمر الصحافي، كانت تلك أجواء اللحظة.
لكن الخطر لا يزال قائماً، فإيطاليا بلا شك لاحظت الخطة المناسبة لمواجهة هذا المنتخب الإنجليزي.
فريق فيغمان واجه صعوبات مرتين في هذه البطولة أمام فرق تعتمد على الضغط السريع والبدني، بل إن هناك مؤشرات على أن هذه المشكلة تعود لما قبل ذلك بكثير، إلى كأس العالم 2023.
ومع ذلك، فإن إنجلترا لا تزال تواصل التقدم في هذه البطولة، والهزيمة الوحيدة لفيغمان في الأدوار الإقصائية لا تزال نهائي كأس العالم 2023 أمام إسبانيا. إنهن يواصلن الصمود، لا يزلن يملكن تلك العزيمة، وذلك الإصرار.
وقالت فيغمان "أعتقد أن هذه سمة قوية جداً في هذا الفريق، تلك الروح الجماعية والقدرة على العودة".
"هذا يظهر قدراً هائلاً من الصلابة".
لقد وجدت إنجلترا الطريق، وكان ذلك إلى حد كبير بفضل برونز.
© The Independent