ملخص
في حديثها إلى "اندبندنت عربية" تقول رولا "عندما سمعت الباعة يبيعون المستلزمات الأساس بالملعقة شعرت بشيء غريب، لا أعرف ما إذا كان دهشة أو صدمة من واقعنا الجديد، لكنني حاولت إنقاذ أسرتي من المجاعة التي تنهش أجسادنا".
في سوق غزة الشعبية ينادي البائع رجب "السيرج والسكر والسمن النباتي بالملعقة"، محاولاً شد انتباه المارة المنهكين اقتصادياً وهو يروج لبضاعته القليلة "الأسعار نار، تعال اشتر على قد فلوسك".
وفي المكان ذاته كانت رولا تتجول لاستكمال مكونات وجبة العدس، وعندما سمعت البائع ينادي "البيع بالملعقة" وافته مسرعة للحصول على قليل من السمن النباتي، وتقول إن "المستلزمات الغذائية التي تباع في الأسواق قليلة جداً وأسعارها خيالية ولا أحد يقوى على شرائها".
اشترت رولا 20 ملليمتراً من الزيت النباتي بثلاثة دولارات، وملعقتين من السمن النباتي، وعندما طلبت وضع الكمية على الميزان بلغ الوزن 12 غراماً بسعر أربعة دولارات، وملعقة ونصف الملعقة من السكر بثلاثة دولارات.
مندهشة من الأسعار ومصدومة أيضاً من الكمية التي اشترتها، لا تعرف رولا ماذا تقول، لكنها بدأت على الفور إجراء عملية حسابية لمصروفاتها "اشتريت كيلوغرام العدس بـ 14 دولاراً و10 دولارات لملاعق السمن والزيت النباتي والسكر، وقد صرفت 24 دولاراً ولم أنته من استكمال وجبة العدس".
وفي حديثها إلى "اندبندنت عربية" تقول "عندما سمعت الباعة يبيعون المستلزمات الأساس بالملعقة شعرت بشيء غريب، ولا أعرف ما إذا كان دهشة أو صدمة من واقعنا الجديد، لكنني حاولت إنقاذ أسرتي من المجاعة التي تنهش أجسادنا".
أية أسعار هذه؟
في غزة ارتفعت الأسعار بصورة لا مثيل لها في العالم، إذ يباع الكيلوغرام الواحد من السكر بـ 500 شيكل إسرائيلي (151 دولاراً أميركياً)، ولتر زيت الطهي بـ 120 شيكلاً (37 دولاراً)، أما كيلوغرام السمن النباتي فوصل إلى 290 شيكلاً (88 دولاراً)، ولا يقوى سكان غزة على شراء وحدة كاملة من السكر والزيت النباتي والسمن بهذه الأسعار والتجار والباعة يعرفون ذلك، ولمجاراة الوضع اضطر الناس إلى شراء مستلزمات غذائهم بالملعقة ليحصلوا على وجبة طعام.
وأيضاً يعيش جهاد لوحده بعدما سقط كل أفراد أسرته ضحايا في الحرب، وعندما نزل إلى السوق الشعبية لشراء الطحين وجد أن سعر الكيلوغرام بـ 27 دولاراً، وعلى خجل همس في أذن البائع "هل يمكنني شراء 250 غراماً فقط؟"، فابتسم البائع وقال "لا تخجل فلست الأول، فمثلك كثير من الناس يشترون الطحين بالملعقة"، وبسرعة وزن له 250 غراماً في مقابل سبعة دولارات، ويقول جهاد "هكذا لن أستطيع تناول الخبز، فأنا بحاجة إلى ملعقة من الخميرة والسكر والملح"، وعندما اشترى ملعقة من الخميرة ومثلها من السكر وملعقة صغيرة جداً من الملح دفع أربعة دولارات، ويقول "لآكل ثلاث أرغفة من الخبز دفعت 11 دولاراً، أية أسعار هذه؟ كل شيء في غزة جنوني وأعتقد أن الهجرة أفضل حل لنا".
في ظل الحرب تغيرت أدوات القياس في قطاع غزة وصارت الملعقة محدداً للكميات التي يمكن أن يحصل عليها الأهالي بدلاً من الكيلوغرام، وسبب ذلك أن إسرائيل لا تزال تفرض حصاراً كاملاً على غزة وتمنع إدخال المساعدات الإنسانية أو تشغيل القطاع التجاري منذ 134 يوماً، مما أدى لشح جميع البضائع، وتقول سناء "نعيش حرباً لا ترحم ولكننا نشتري بأسعار السياح، فالأزمات والأسعار تعصف بنا ولا أعرف من يضع أسعار البضائع، ولا جهات حكومية في غزة تدير الحياة اليومية، فالباعة يتحكمون بثمن البضائع كما يحلو لهم وينهبون المواطنين الذين يعانون البطالة والموت".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما والد سناء فمصاب بمرض السكري ويحتاج إلى تناول السكر يومياً لإنقاذ حياته من الموت أو الغيبوبة، ولمراعاته اشترت له ابنته ملعقتين وأرسلتها إليه كهدية، معلقة أن "السكر أصبح مثل البورصة، فقد كان ثمنه قبل أشهر دولارين وارتفع ليصل إلى 151 دولاراً، وهذا السعر حدده أصحاب البسطات، ولعدم قدرة المواطنين على الشراء باتوا يبيعونه بالملعقة".
ووصل البيع بالملعقة إلى التوابل والقهوة التي ارتفعت أسعارها أضعافاً مضاعفة، فقد اشترى سالم ملعقة صغيرة من بودرة البصل بأربعة دولارات، وعندما سأل البائع عن سعر الكيلوغرام منها أجابه البائع "200 دولار"، ثم ذهب سالم ليشتري القهوة التي باتت تباع بالملعقة، فـ "كل ستة غرامات منها بقيمة ثلاثة دولارات، والكيلوغرام الواحد وصل سعره إلى 500 دولار وهو في ارتفاع مستمر، وهكذا أصبحت حياتنا تشترى بالملعقة، وعلى رغم أننا في مجاعة وبعض الأكلات غير متوافرة لكن التوابل والقهوة أسعارها ارتفعت وكأننا نعثر على الطعام يومياً"، ليؤكد سالم أن أية عملية شراء تحتاج إلى تفكير عميق وتتطلب تخطيطاً وحسبة تراعي التفاصيل المالية كافة.
حبة من الخضراوات
أما الخضروات فباتت هي الأخرى تباع بالحبة، وبحزن مدت نسرين يدها لتتناول حبة من الطماطم وأخرى من الخيار مع فص ثوم، وطلبت من البائع وزن الكمية لمعرفة السعر ثم دفعت 14 دولار لقاء هذه الحبات وغادرت كئيبة، وبحسب "برنامج الأغذية العالمي" فإن جميع سكان قطاع غزة يعيشون هذه المعاناة ، و93 في المئة منهم يعانون انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، كواحدة من أخطر تداعيات الحرب الإسرائيلية على الغزيين وحياتهم.
ووفقاً لبيانات "البنك الدولي" فإن أسعار المواد الغذائية في قطاع غزة قفزت 743 في المئة، وانهارت القوة الشرائية للمواطنين بمعدل 89 في المئة، حيث يعاني ما يزيد على 30 في المئة سوء التغذية الحاد، وتشير تقارير وزارة الصحة إلى أن عدد الأطفال الذين لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية حتى الآن بلغ 67 طفلاً، بينما هناك 650 طفلاً دون سن الخامسة يواجهون خطراً حقيقياً ومباشراً من سوء التغذية الحاد.
وخلال الأسبوع الماضي شهدت الأسواق في قطاع غزة تقلبات حادة وغير مسبوقة في أسعار السلع الأساس سببت حالاً من التذمر الشعبي وأدت إلى استنزاف القدرة الشرائية للمواطنين، فقد سجلت أسعار الطحين ارتفاعاً بنسب تقارب 1000 في المئة، بينما تجاوزت نسبة ارتفاع السكر 8 آلاف في المئة.
ويقول أستاذ السياسات الاقتصادية مازن العجلة إن "هذه الارتفاعات الحادة لم تكن تدرجية بل جاءت على نحو مفاجئ وخلال فارق زمني قصير، فهي تقفز نتيجة انعدام الرقابة الحكومية مما سمح للتجار برفع الأسعار عشوائياً، وبعض السلع قفزت أسعارها خلال ساعات عدة من دون أن يتغير أي شيء في الكميات أو التوزيع".
ويضيف العجلة أن "غزة تعيش وسط تشوه اقتصادي متعمد، فهذه الحرب تهدف إلى إنهاك السكان اقتصادياً وزيادة التذمر الشعبي بما يشجع على الهجرة".
ومن إسرائيل يقول منسق أنشطة الحكومة غسان عليان "نحاول تجاوز الأزمة الإنسانية في غزة"، أما في غزة نفسها فيقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة "نعمل على مكافحة غلاء المعيشة ولكن إسرائيل ترفض ذلك، وإذا جرى الوصول إلى هدنة فقد تهبط الأسعار".