ملخص
في إطار سياسة تكميم الأفواه ومنع التعبير عن الرأي بصورة شاملة في المجتمع العربي، صادق رئيس قسم الأمن والمهمات الخاصة في النيابة العامة شلومي أبرامسون على أن تفتح الشرطة "تحقيقات تحريض" من دون مصادقة النيابة مسبقاً، وفي موازاة ذلك عملت دائرة الـ "سايبر" في النيابة العامة بصورة مكثفة من أجل رصد وإغلاق وإزالة مضامين ومحتويات في الشبكات الاجتماعية بزعم أنها تحريضية.
بعيداً من نافذة منزلها المحطمة التي تظهر خلفها حجم الدمار الهائل وغير المسبوق في مدينة بئر السبع جنوب إسرائيل جراء القصف الصاروخي الإيراني، تخرج منار (28 سنة) الشهيرة بحبها للطهي، بفيديو جديد على منصات التواصل الاجتماعي مع ابتسامة عريضة وصوت تملؤه الحيوية والنشاط لتشرح لهم كيفية إعداد طبق الحلوى الشهير فلسطينياً "بين النارين"، الذي حاولت من خلاله البوح بحذر بما يعتريها من مشاعر وأحاسيس في ظل الوضع الراهن، فالعرب في إسرائيل ممزقون ما بين مواطنتهم الإسرائيلية، التي تحتم عليهم قواعد حياة مختلفة، وبين انتمائهم العربي والفلسطيني الذي يفرض عليهم اتخاذ موقف مغاير ومعاكس للمواقف والسياسة والممارسات الإسرائيلية، وعلى رغم أن الحي الذي تسكن فيه اهتز كما لو أنه تعرض لزلزال، لكنها تجاهلت الحديث عن أي شيء يتعلق بالحال السياسية في إسرائيل، فالمخابرات الإسرائيلية منذ اليوم الأول للحرب قادت حملة تكميم أفواه شديدة ضد العرب في الداخل عموماً، وضد المؤثرين بخاصة، تمثلت بتحقيقات ولوائح اتهام غالبيتها الساحقة بسبب منشور في إحدى شبكات التواصل الاجتماعي يتعلق بالحرب، وادعت النيابة العامة الإسرائيلية أن هذه المناشير "تحريض يشجع على العنف والإرهاب".
ويمثل العرب في إسرائيل، ويعرفون بـ "عرب الداخل" أو "فلسطيني 48"، أكثر من 20 في المئة من سكان إسرائيل، ويبلغ عددهم رسمياً 2.1 مليون مواطن ينحدرون من 160 ألف فلسطيني معظمهم مسلمون وأقلية صغيرة منهم من الدروز والمسيحيين، بقوا أثناء نكبة عام 1948.
عقوبات بالسجن
وفي إطار سياسة تكميم الأفواه ومنع التعبير عن الرأي بصورة شاملة في المجتمع العربي، صادق رئيس قسم الأمن والمهمات الخاصة في النيابة العامة شلومي أبرامسون على أن تفتح الشرطة "تحقيقات تحريض" من دون مصادقة النيابة مسبقاً، وفي موازاة ذلك عملت دائرة الـ "سايبر" في النيابة العامة بصورة مكثفة من أجل رصد وإغلاق وإزالة مضامين ومحتويات في الشبكات الاجتماعية بزعم أنها تحريضية، وفي الـ 18 من يونيو (حزيران) الجاري، وبتزامن مضبوط الإيقاع تماماً، نشر رئيس الرقابة الإسرائيلية كوبي ماندلبليت أمر طوارئ صارماً وغير مسبوق يلزم وسائل الإعلام المحلية والأجنبية ومشغلي مواقع التواصل الاجتماعي بالخضوع للرقابة قبل نشر مواقع سقوط الصواريخ الإيرانية، وعدم نشر أي مقاطع مصورة توثق لحظات اعتراض الصواريخ وسقوطها، وهو ما اعتبرته السلطات الأمنية تهديداً محتملاً للأمن القومي.
وصدر القانون بتأييد واسع من أعضاء الائتلاف والمعارضة الإسرائيلية، وجرى تحويله إلى المستشار القضائي للحكومة الذي أقره رسمياً، وينص على فرض عقوبات بالسجن تراوح ما بين 20 و30 شهراً على من يخالف أحكامه، وجاء في منشور لزعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد عبر منصة "إكس" أنه "في حين حشدت المعارضة جهودها لشرح الحرب على إيران للعالم، وبعد أن عبرت وسائل الإعلام الدولية عن موقفها، يصر وزير الاتصالات شلومو قرعي، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير على القيام بحملة مستهدفة ومدمرة لتشويه سمعة إسرائيل ومكانتها الدولية"، مضيفاً "لن يكون قرارهم بفرض رقابة شاملة على النشر قابلاً للتنفيذ ما دام الناس يمتلكون هواتف محمولة مزودة بكاميرات".
تهميش وإقصاء
وعلى رغم أن آثار الصدمة مما أحدثته صواريخ إيران تتلاشى تدريجاً بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل يومه الثاني بعد حرب استمرت 12 يوماً، وبدأت الحياة تعود لمجراها الطبيعي بما في ذلك الآراء والمواقف، لكن عدداً كبيراً من المؤثرين العرب في إسرائيل على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة فضلوا المصالح المجتمعية على المواجهة السياسية، وتجبنوا الحديث في السياسة بصورة تامة خوفاً من الملاحقة القضائية من جهة، ولشعورهم بالتهميش والإقصاء من جهة أخرى، كما يخشى بعضهم من أن يؤدي المحتوى السياسي إلى انقسامات داخل المجتمع العربي نفسه، بخاصة مع وجود اختلافات في المواقف السياسية بين مختلف الفئات.
ووفقاً لمراقبين من المجتمع العربي فقد تحولت أماكن العمل والمؤسسات الأكاديمية والثقافية ومنصات التواصل الاجتماعي في إسرائيل، وخصوصاً بعد أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إلى ما يشبه مقصلات اجتماعية وسياسية تستهدف أي فلسطيني يعبر عن رأي مناهض للحكومة وسياستها، وعلى حد تعبير بعض المؤثرين الذين طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم خوفاً من الملاحقة القضائية، فإن ما يقلل من حماستهم للمشاركة في طرح محتوى يتناول جوانب عدة من الحياة العامة، بما في ذلك المجال السياسي، قناعتهم بأن المؤسسات السياسية في إسرائيل لا تمثلهم بصورة كافية، ولا تخدم مصالحهم بصورة عامة، مما يعكس مزيجاً من المخاوف العملية والشكوك العميقة حول جدوى المشاركة السياسية في ظل الظروف الراهنة، خصوصاً بعد أن قامت الحكومة الإسرائيلية بداية الحرب بتعديل "قانون مكافحة الإرهاب" الذي أقرته عام 2006، وتوسيع نطاقه بما يتيح لوزير الدفاع إعلان أفراد بأنهم إرهابيون.
أسلوب بسيط
ومع صعود نجم المؤثرين الرقميين من "عرب 48"، تحول عدد لا بأس به من الذين بدأوا كأشخاص عاديين يشاركون يومياتهم أو هواياتهم إلى مصدر رئيس للحصول على الأخبار والمعلومات، وخلال فترة وجيزة تمكنوا من جذب جمهور واسع، بخاصة من فئة الشباب، وقد وجدوا في المنصات الرقمية وسيلة للتعبير بحرية عن آرائهم فقط عند مشاركة محتوى متنوع يتراوح ما بين الترفيه والتعليم وحتى القضايا الاجتماعية المختلفة، فيما يدفع مؤثرون عرب ممن دخلوا الحياة السياسية في إسرائيل، ويقدمون معلومات بأسلوب بسيط وسريع يناسب إيقاع العصر، ضريبة كبيرة من أجل ذلك، ويتعرضون للملاحقة والاعتقال أحياناً تحت بند التحريض، ومن بين هؤلاء الفنانة والمؤثرة المعروفة من الناصرة دلال أبو آمنة التي اتهمت "بالسلوك التخريبي" من قبل ضباط الشرطة الذين قالوا قبل الإفراج عنها إن منشوراتها يمكن أن تحرض على العنف بين متابعيها.
وتعد أبو آمنة واحدة من عشرات المواطنين العرب في إسرائيل الذين جرى اعتقالهم بسبب منشورات وما تتضمنه محتوياتهم على وسائل التواصل الاجتماعي حول الحرب، سواء على غزة أو إيران، وقد جرى توقيف كثير منهم أو فصلهم من وظائفهم أو أنهم يواجهون إجراءات تأديبية من جامعاتهم.
وكشف "مؤشر العنصرية والتحريض 2024" الذي يصدره "المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي" عن الارتفاع المقلق في خطاب الكراهية والعنف الرقمي ضد الفلسطينيين، بخاصة على منصتي "إكس" و"ميتا"، وبحسب المعطيات فقد جرى رصد 12.482.041 منشوراً تحريضياً وعنيفاً باللغة العبرية خلال عام 2024، أي بمعدل 23.6 منشوراً في الدقيقة، مما يعكس تزايداً خطراً في استخدام الفضاء الرقمي كأداة لنشر العداء والتحريض.
ويكشف التقرير عن ارتباط وثيق بين تصاعد خطاب الكراهية والتطورات السياسية والعسكرية، ولا سيما خلال الحرب، وأن الدوافع السياسية والعرقية والدينية كانت المحرك الرئيس وراء تصاعد هذا الخطاب الذي لم يقتصر على التحريض ضد الفلسطينيين عموماً، بل استهدف المقدسيين الفلسطينيين بصورة خاصة، وقد جرى توثيق 8484 منشوراً تحريضياً وعنيفاً ضد الفلسطينيين المقدسيين معظمها على منصة "إكس"، في مؤشر خطر على الاستهداف الممنهج لهذه الفئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما يرصد التقرير ظاهرة الفرح والشماتة بمقتل وإصابة فلسطينيين في الداخل، إذ وثق 9289 منشوراً عبر فيها مستخدمون إسرائيليون على وسائل التواصل الاجتماعي عن فرحهم بمقتل فلسطينيين، ويبرز التقرير فجوة كبيرة بين المنصات الرقمية في التعامل مع المحتوى التحريضي، إذ جرى توثيق 79 في المئة من المحتوى التحريضي على منصة "إكس"، في حين جرى توثيق 21 في المئة منه على "ميتا".
وعلى رغم أن عدد المستخدمين الإسرائيليين على منصة "ميتا" أكبر بكثير لكن "إكس" تستحوذ على النسبة الأكبر من المحتوى العنيف، ووفقاً لمدير المركز نديم الناشف فإن "هذه الظاهرة تكشف عن التطبيع المتزايد مع خطاب العنف الرقمي في إسرائيل، واستخدام الفضاء الرقمي كأداة لتعزيز العنصرية والتشجيع على التحريض."
واقع متغير
وفي مقابل الجرأة في الطرح التي جعلت من بعض المؤثرين العرب في الداخل رموزاً للحرية التعبيرية، مما زاد من شعبيتهم بين فئة الشباب التي تبحث عن إعلام يتحدث بلغتها ويعبر عن همومها، أدركت المؤسسة الإسرائيلية التأثير الكبير الذي يمارسه هؤلاء على الرأي العام، فالإعلام الإسرائيلي مع هذا الواقع الرقمي المتغير يجد نفسه أمام تحد جديد، وبحسب موقع "واللا" الإسرائيلي فقد عملت وزارة الخارجية الإسرائيلية منذ أكثر من عام على تدريب 16 إسرائيلياً تصفهم بالمحاربين الرقميين وصانعي المحتوى الإسرائيليين المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي، ضمن سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية والتاريخ والوقوف أمام الكاميرا، لإنشاء محتوى إيجابي عن إسرائيل ونشره على مواقع "تيك توك" و"يوتيوب" و"إنستغرام"، لضمان وصوله لآلاف المتابعين في الخارج ودحض ما تسميه تل أبيب بـ "حقائق كاذبة".