Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تثير صفقات بريطانيا للتموضع مغاربيا إشكالية "شرعية" الاستثمار؟

عبر عقود طويلة نأت لندن بنفسها عن الانحياز إلى أي طرف في شأن من يملك السيطرة على إقليم الصحراء

منذ عام 1991 أشرفت الأمم المتحدة على وقف النار وأبقت على بعثة لحفظ السلام مكلفة التحضير لاستفتاء للشعب الصحراوي حول تقرير مصير الإقليم (رويترز)

ملخص

عبّر حزب "حركة البناء الوطني" في بيان عن أسفه الشديد للتصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، وعدّ البيان أن الطرح المغربي يتعارض مع الشرعية الدولية ومع حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، مشددا على "دعمنا الكامل موقف الدبلوماسية الجزائرية ورفضنا التام أية ازدواجية أو تناقض في مواقف الدول تجاه الصحراء الغربية".

 

أيدت بريطانيا خطة المغرب لإنهاء النزاع الإقليمي في الصحراء الغربية، كجزء من صفقة تضمن مشروعات استثمارية مربحة للشركات البريطانية، في كأس العالم لكرة القدم لعام 2030. وعلى مدار عقود، رفضت الحكومات البريطانية الانحياز إلى أي طرف بشأن من يملك السيطرة على الصحراء الغربية، التي تعتبرها الأمم المتحدة "إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي".

لكن وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، أعلن أن بريطانيا تدعم الآن خطة من شأنها أن تمنح الصحراء الغربية حكمًا ذاتياً، ولكن تحت السيادة المغربية. وخلال زيارة للعاصمة المغربية الرباط، قال لامي إن اقتراح الحكم الذاتي المغربي هو "الأساس الأكثر مصداقيةً، وقابليةً للتطبيق وبراغماتيةً لحل دائم للنزاع".

هذا الموقف البريطاني، أثار انزعاجاً في الجزائر، وعبّر عن ذلك سياسيون وخبراء، واستفسروا عن إشكالية شرعية الاستثمار في الإقليم الصحراوي غير المستقل.

 

حبل مشدود

وصف مراقبون في الجزائر، الدعم البريطاني لمخطط الحكم الذاتي، من دون الاعتراف بسيادة المغرب على الإقليم، يبدو كرقصة دبلوماسية على حبل مشدود. فمن جهة تسعى لندن إلى مجاراة التحولات الجيوسياسية ومغازلة الرباط، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على التزاماتها الدولية.

وبعدما عبّرت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية خلال بيان الأحد الماضي عن أملها في أن "تواصل المملكة المتحدة، بصفتها عضواً دائماً في مجلس الأمن، العمل على مساءلة المغرب عن مسؤولياته الدولية والسهر على احترام الشرعية الدولية، خصوصاً عقيدة الأمم المتحدة في مجال تصفية الاستعمار"، نشرت "وكالة الأنباء الجزائرية" الرسمية بعد يومين، توضيحاً من حكومة المملكة المتحدة يقول "إنها تحترم مبدأ تقرير المصير للشعب الصحراوي"، معربة عن استعدادها لدعم حل مقبول من جميع الأطراف للنزاع في الصحراء الغربية.

حل دائم

وبحسب الوكالة أيضاً، قالت الحكومة البريطانية عبر بيان نشر على موقعها الإلكتروني إنه "مع اقتراب الذكرى الـ 50 للنزاع، من الضروري اغتنام هذه الفرصة السانحة للتوصل إلى حل دائم للنزاع، حلّ يضمن مستقبلاً أفضل للشعب الصحراوي".

وبعد قتال طويل في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، توصلت جبهة "بوليساريو" والمغرب إلى اتفاقات عدة لوقف إطلاق النار في مطلع التسعينيات، ومنذ عام 1991 أشرفت الأمم المتحدة على وقف إطلاق النار، وأبقت على بعثة لحفظ السلام مكلفة التحضير لاستفتاء للشعب الصحراوي حول تقرير مصير الإقليم، إلا أن العملية تعرضت لجمود سياسي، وبعدها عام 2007، قدم المغرب مقترحاً بخطة حكم ذاتي، رافضاً الاستقلال التام للإقليم، غير أن الجزائر وجبهة "بوليساريو" رفضتا الخطة، مؤكدتين أن الاستفتاء وحده كفيل بحل النزاع.

لا حرب ولا سلم

وكتب في هذا الإطار مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون في مقالته الأخيرة بصحيفة "واشنطن تايمز" أنه "منذ أكثر من أربعة عقود، يعيش الشعب الصحراوي في حال لا حرب ولا سلم، عالقاً في انتظار استفتاء وعدت به الأمم المتحدة".

وتفاعلت الطبقة السياسية في الجزائر مع الموقف البريطاني الجديد الذي أرجعه رئيس حزب "جيل جديد" جيلالي سفيان إلى "السياق العالمي، فحالياً ننتقل من عالم ذي قطب واحد إلى عالم متعدد الأقطاب، ووسط هذا التغيير، الغرب عموماً والولايات المتحدة على رأسه يحاولان تعزيز العلاقات مع الدول المؤيدة لسياساته"، وقال سفيان  لـ"اندبندنت عربية" إن المشكل المطروح هو أن "المملكة المغربية حليفة لهذا المحور الغربي، وحليفة لإسرائيل واللوبيات الإسرائيلية التي تعمل مع واشنطن والعالم الغربي، وتساند الدول العربية التي تعترف بها، وقامت بالتوقيع على ’اتفاقات أبراهام‘ معها حتى تصبح هي القوة المهيمنة في المنطقة".

موقف محايد

وتساءل سفيان عن مصير مطلب الاستفتاء المرتبط بموقف الأمم المتحدة، مذكّراً مجلس الأمن بأنه هو من يملك القرار "لكن في الأقل، ثلاثة أعضاء من بين خمسة أعضاء دائمين يملكون حقق الفيتو، غير حياديين، أما الصين وروسيا فقط فمَن لهما موقف محايد".

وفي السياق عبّر حزب "حركة البناء الوطني" خلال بيان عن أسفه الشديد للتصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي، وعدّ البيان أن الطرح المغربي يتعارض مع الشرعية الدولية ومع حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، مشدداً على "دعمنا الكامل موقف الدبلوماسية الجزائرية ورفضنا التام أية ازدواجية أو تناقض في مواقف الدول تجاه الصحراء الغربية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"تأويلات"

بدوره جدد المحلل السياسي الجزائري عبدالحكيم بوغرارة تسليط الضوء على الموقف البريطاني من القضية الصحراوية، وما شاب البيان المشترك بين وزارتي الخارجية البريطانية والمغربية من "تأويلات" استدركت توضيحه المملكة المتحدة عبر بيان آخر، وقال بوغرارة إن "الملف الصحراوي يجب أن يخضع للشرعية الدولية، ومسار جيمس بيكر (وسيط أممي سابق في ملف الصحراء) الموقع في سبتمبر (أيلول) عام 1991". وأضاف أن موقف لندن يندرج في سياق ما قامت به فرنسا وإسبانيا "لأن الأوروبيين دائماً ما يسيرون وراء مصالحهم والبحث عن أسواق جديدة مربحة للتخفيف من وطأة الأزمة الأوكرانية التي أدخلت أوروبا، بما فيها بريطانيا، في متاعب اقتصادية كبيرة، بالتالي أية دولة تمنح لهم صفقات في المحروقات سيتقربون منها".

مركز اقتصادي حيوي

وعموماً لا يستبعد المحلل الجزائري وقوف الجانب التجاري أو الاقتصادي في بناء القرارات وراء المواقف المتغيرة، موضحاً أن رد فعل الجزائر في بيان الأحد الماضي، نابع عن مسؤولية بريطانيا في مجلس الأمن لأنها عضو في الأمم المتحدة. وتنظر المملكة المتحدة، على غرار فرنسا، إلى الإقليم المتنازع عليه على أنه مركز اقتصادي حيوي يربط المحيط الأطلسي بمناطق أفريقيا، غير أن شرعية الاستثمار في هذه المنطقة غير المستقلة تظل محفوفة بالأخطار. "ويذكّر الأمر بتصريح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما ردّ على سؤال حول شرعية الاستثمار في المنطقة، بأن الشركات الفرنسية ستدعم تنمية الإقليم من خلال مبادرات مستدامة وتضامنية لمصلحة السكان المحليين"، وفق قوله.

سياسة براغماتية

من جهته رأى الباحث الليبي المتخصص في الشؤون المغاربية إدريس احميد أن "لندن معروفة بسياستها البراغماتية، إذ لا تتحرك خطوة إلى الأمام، إلا إذا كانت محسوبة النتائج وأن تكون في خدمة مصالحها الجيوستراتيجية"، مؤكداً ارتباط لندن بمصالح اقتصادية مع المغرب.

وكانت محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أيدت في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، حكماً سابقاً صادراً عن المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي ألغى اتفاقين تجاريين بين الاتحاد الأوروبي والمغرب في مجالي الصيد والزراعة، ورأت المحكمة أن التفاهمين يفتقران إلى "موافقة شعب الصحراء الغربية" المطلوبة.

يُشار إلى أن المملكة المتحدة ليست ملزمة أحكام هذه المحاكم بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وحاول وزير الخارجية لامي طمأنة السكان بقوله "أية مشاريع تمولها المملكة المتحدة في الصحراء الغربية ستخضع لعملية العناية الواجبة التي تقوم بها وكالة تمويل الصادرات البريطانية، بما في ذلك تقييم الأثر البيئي والاجتماعي وحقوق الإنسان للمشروع".

المزيد من تقارير