Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

البيوت المهجورة في الأردن... أوكار على أطلال الذكريات

أصبحت مرتعاً للمدمنين ومروجي المخدرات والخارجين على القانون وتحول قليل منها إلى نزل تراثية وسياحية وفنية

ما بين المخاوف الأمنية والاجتماعية والتحولات الثقافية تحولت هذه البيوت إلى مرآة لحكايات الغياب والتهميش (أ ف ب)

ملخص

على رغم إدراك المؤسسات الأردنية الرسمية للأخطار الكامنة في هذه البيوت، فإن التعامل معها غالباً ما يندرج تحت مظلة "المعالجة الأمنية" فقط، من دون وجود سياسة عمرانية متكاملة لإعادة تأهيلها أو تحويلها إلى أصول إنتاجية أو مجتمعية.

في قلب المدن الأردنية وعلى تخوم القرى النائية، تنتشر مئات المنازل المهجورة التي تجمد الزمن داخل جدرانها، بعضها تركه أصحابه قسراً بسبب الفقر أو الهجرة أو الموت، والبعض الآخر ابتلعته التحولات الديموغرافية ونسيه الزمان.

وما بين المخاوف الأمنية والاجتماعية والتحولات الثقافية تحولت هذه البيوت إلى مرآة لحكايات الغياب والتهميش، فبين الأزقة والحارات، تختبئ هذه الأبنية المتداعية بسقوفها المتشققة وجدرانها المتآكلة، كمخابئ لتجّار المخدرات والخارجين عن القانون، بينما تحول بعضها إلى معالم تراثية تنبض بالحياة من جديد، عبر مبادرات ثقافية وسياحية أعادت لها الاعتبار.

300 بيت مهجور

وتتحدث تقديرات رسمية عن نحو 300 مبنى مهجور في العاصمة عمان، لكن تقديرات أخرى تشير إلى عدد أكبر من ذلك بكثير في كافة أنحاء الأردن، وتتركز أماكن هذه البيوت في العاصمة في المناطق القديمة من العاصمة كوسط البلد وجبل اللويبدة والجوفة، حيث العديد من المنازل التي شيدت في أوائل القرن الـ20.

إضافة إلى العاصمة، ثمة منازل مهجورة في مدينة السلط (شمال غربي عمان) التي تنتشر فيها بيوت قديمة يعود بعضها إلى مرحلة تأسيس الأردن، كما تنتشر بيوت مهجورة في القرى الأردنية بخاصة الحدودية منها والمحاذية للحدود السورية والعراقية.

يعزو مراقبون هذه الظاهرة لأسباب اقتصادية كالفقر والهجرة الخارجية والداخلية، فضلاً عن أسباب اجتماعية وثقافية من بينها الخلافات بين الورثة حول الملكية، أو ارتباط بعض هذه المنازل بجرائم قتل أو أحداث مأساوية.

ترصد تقارير رسمية كيف تحولت بعض هذه المنازل المهجورة إلى مأوى للفئات الهشة في المجتمع كالعمالة الوافدة غير النظامية، والمدمنين والمشردين، أو تحولها إلى أماكن لتصنيع وتخزين المخدرات.

وعلى رغم إدراك المؤسسات الرسمية للأخطار الكامنة في هذه البيوت، فإن التعامل معها غالباً ما يندرج تحت مظلة "المعالجة الأمنية" فقط، من دون وجود سياسة عمرانية متكاملة لإعادة تأهيلها أو تحويلها إلى أصول إنتاجية أو مجتمعية.

وبين غياب الحصر الرسمي الدقيق لها، وتضارب المسؤوليات تبقى الكثير من هذه العقارات مهملة خارج أي خطط للتنمية الحضرية المستدامة.

خيال شعبي وأساطير

في جانب آخر تنتشر الكثير من الإشاعات والأساطير حول تحول هذه المنازل إلى بيوت مسكونة بالجن والأرواح الشريرة، وسط ما يتردد من قصص بين المواطنين عن صراخ ليلي وتحركات غريبة ومخيفة يرويها القاطنون قربها من دون تأكيد لذلك.

ففي منطقة جبل الجوفة بالعاصمة عمان ثمة بيت مهجور يسبب القلق للمواطنين في المنطقة بسبب بعض الأصوات التي تتكرر كل ليلة وبوضوح في الساعات المتأخرة.

 

 

يؤكد آخرون أنهم شاهدوا ظلالاً متحركة في هذا المنزل الذي انهار جزء منه لأسباب غير معروفة، ما أثار قلق الجيران من ظواهر غريبة من هذا المنزل.

أما في مدينة الزرقاء (شمال شرقي عمان)، فثمة العديد من المنازل المهجورة التي تسبب القلق بسبب تحولها إلى مكاره صحية أو بؤر للخارجين عن القانون، أو أنها آيلة للسقوط في أي لحظة، ويقدّر عدد المباني المهجورة بنحو 700 مبنى، لكن البلدية تواجه معوقات قانونية وفنية تحول دون هدمها أو إعادة تأهيلها.

وقبل سنوات تحول أحد المباني المهجورة في منطقة عبدون الراقية في العاصمة عمان إلى مركز لتجمع ما يعرف بـ "عبدة الشيطان" قبل أن تقوم السلطات بإغلاقه واعتقال من فيه.

وفي مدينة إربد شمال الأردن، تداول السكان قصصاً عن منزل مهجور يعتقد أنه مسكون بالجن، ووفق السكان المجاورين يتألف المنزل من شقتين متجاورتين كان يقطنهما شقيقان، ووقعت جريمة قتل في أحدهما قبل نحو 30 عاماً.

من أطلال إلى تراث

على الجانب الإيجابي من المشهد، تحول بعض هذه المنازل القديمة والمهجورة إلى بيوت تراثية ونزل ومتاحف، وأصبح بعضها جزءاً من مسارات سياحية ومقاه ثقافية.

وظهرت بعض المبادرات الشبابية لإحياء البيوت المهجورة عبر عدة طرق كالعروض الموسيقية والغرافيتي، أو تحويلها إلى "مراكز مجتمعية" في المناطق الفقيرة، من بين هذه المبادرات مشروع "بيت الفن" في عمان، حيث تم تحويل بيت مهجور إلى مساحة فنية تستضيف ورش عمل ومعارض فنية.

يتضمن هذا المبنى المكون من طابقين مجموعة من القاعات والأجنحة المخصصة لعدة أنواع من الفنون الأردنية، كالغناء والموسيقى والمسرح والإذاعة والتلفزيون والحرف اليدوية الشعبية القديمة، وكذلك الأزياء الشعبية والفن التشكيلي والأثاث المنزلي المدني والبدوي.

ويقع متحف بيت الفن الأردني في وسط العاصمة عمان، على بعد كيلومتر واحد فقط من مبنى البريد القديم وتشرف على إدارته أمانة عمان الكبرى منذ أن استحوذت عليه قبل نحو 12 عاماً بعد ترميمه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتعتبر المباني والبيوت التراثية في الأردن جزءاً مهماً من الهوية الثقافية والتاريخية للبلاد، لكنها باتت تواجه تهديدات كبيرة بسبب الزحف العمراني والتجاري، إذ ثمة تقديرات تشير إلى وجود نحو 1600 منزل تراثي مهدد، على سبيل المثال تزخر منطقة مكاور في لواء ذيبان والتي تضم قلعة تاريخية بالعديد من البيوت التراثية، في حين تبرز قصة نجاح المهندسة كريستين نصر في ترميم البيوت التراثية، في مدينة السلط عبر شغفها بالفنون المعمارية القديمة والبيوت الأثرية.

ما الأسباب؟

تؤكد دائرة الأبنية ورقابة الإعمار في أمانة العاصمة عمان أن أسباب تزايد هذه المباني المهجورة متعددة من أبرزها هجرة السكان إلى مناطق أخرى أو تعقيدات الملكية بسبب كثرة الورثة أو غيابهم عن البلاد، فضلاً عن مبانٍ غير مكتملة انشائياً لأسباب قانونية أو مالية.

يعالج نظام هدم الأبنية ومنع المكاره الصحية هذه الظاهرة من دون تركها لاجتهادات فردية، وتتركز المنازل المهجورة في العاصمة عمّان في ست مناطق تقريباً.

وتشير أمانة عمان إلى أن كلفة إزالة هذه المنازل المهجورة أعلى بكثير من كلفة تركها والرحيل إلى مكان آخر بالنسبة للمواطن، ولذلك يتم مطالبة أصحاب هذه المنازل بتصويب الأوضاع خلال مهلة محددة لكن لاحقاً يحولون للقضاء، قبل أن تقوم السلطات بإجراءات وقائية حرصاً على السلامة العامة كإغلاق المداخل والنوافذ، ومكافحة القوارض.

ترميم وتأهيل

لكن في المقابل يشير مواطنون لـ"اندبندنت عربية" إلى ضرورة تقديم الدولة حوافز مالية أو إعفاءات ضريبية لترميم هذه البيوت القديمة، والعمل من قبل البلديات على إعادة تأهيل الأحياء المهجورة.

ومع تحول بعض هذه البيوت إلى أوكار لتعاطي المخدرات والمسكرات والأفعال الخادشة للحياء، يؤكد الخبير الأمني بشير الدعجة تشارك البلديات والأمن العام المسؤولية عن هذه المنازل التي تعتبر محمية بقوه القانون لا يستطيع دخولها إلا من خلال أمر قضائي صادر من المدعي العام وفق مختصين.

ويتم في بعض الحالات هدم بعض هذه المنازل المهجورة إن كانت آيلة للسقوط، بقرار من اللجان المحلية المتخصصة كلجنة السلامة العامة.

 

 

تقول أمانة عمان إنها قامت بإغلاق نحو 140 بيتاً مهجوراً في إطار خطة للتعامل مع هذه الظاهرة، كما تم تشكيل لجان فنية لرصد البيوت المهجورة وتحديد المواقع التي تحتاج إلى إزالة، إلا أن القانون الأردني لا يمنح الحكومة صلاحية التصرف بالبيت المهجور إلا في حالات محددة تتعلق بالخطر على السلامة العامة، وهي إجراءات طويلة وتتطلب مراجعات قضائية وفق ما ذكر قانونيون.

أضرار صحية

ويرصد مراقبون التأثيرات الصحية لهذه المباني المهجورة على المجتمعات المحلية بسبب تحولها إلى مكاره صحية، وأماكن لتجميع النفايات، مما يؤدي إلى تراكم القمامة والمواد العضوية التي تجذب الحشرات والقوارض، ومن ثم انتشار الأمراض المعدية.

وفضلاً عن التلوث البيئي تؤثر البيوت المهجورة في البيئة المحيطة بها، مع انهيار وتساقط أجزاء منها، عدا عن أنها تعكس صورة غير حضارية عن المنطقة، وتشكيلها مصدر قلق دائماً للسكان، حيث تُعتبر ملاذاً لأرباب السوابق والمشردين، مما يزيد من معدلات الجريمة في المناطق المحيطة.

كنز تراثي

تشير دراسة أجرتها المجلة الدولية للتنمية الحضرية المستدامة عام 2023 إلى عوائق تحول هذه البيوت إلى مراكز سياحية أو تراثية من قبيل ندرة المقاولين المهرة، والأعباء المالية، ونقص الوعي بين مالكي المباني، وأخطار الاستثمار والقيود القانونية والتحديات الإدارية.

الدراسة ذاتها تقول إن المباني التراثية الأردنية المهجورة تشكلت من خلال تأثيرات جغرافية واجتماعية وثقافية مختلفة، ففي جميع أنحاء الأردن، تضم العديد من القرى مباني تراثية، يعود تاريخ أكثر من 70 في المئة منها إلى القرنين الـ17 والـ19.

وتقع غالبية المباني التراثية في الأردن في المنطقة الجبلية الغربية، بينما لا يزال عدد قليل جداً منها في غور الأردن أو المناطق الصحراوية، وبعضها يتميز بقباب مدببة مقوسة وتخطيطات غرف متجمعة وجدران طينية مصبوبة، وتؤكد الدراسة أن إعادة ترميم هذه المنازل التراثية، تسهم ليس فقط في تجديد المناطق الحضرية ولكن أيضاً تعزيز الاستدامة، وغالباً ما تثبت جدواها اقتصادياً.

المزيد من تقارير