Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزواج العرفي في مصر مشكلة متوارثة وأزمة بلا حل

له أشكال متعددة ولا يزال مستمراً على رغم كل جهود التوعية ولا توجد أي أرقام أو إحصاءات لتقدير انتشاره

رغم إطلاق حملات كثيرة للتوعية بأخطار الزواج العرفي، وبخاصة على النساء، لا يزال كثير من الأشخاص والمجتمعات متمسكين به (أ ف ب)

ملخص

لا يرتبط الزواج العرفي في مصر فقط بالعلاقات السرية ولكن له أشكال مختلفة من بينها زواج القاصرات ويلجأ له بعض الناس تحدياً للعادات الاجتماعية أو تحايلاً على بعض القوانين، وفي كل الأحوال فهو مخاطرة كبيرة للنساء باعتبار أنهن يفقدن كامل حقوقهن كزوجات.

حينما تذكر كلمة الزواج العرفي يتبادر إلى الأذهان نموذج الرجل الذي يدخل مع امرأة في علاقة سرية لا يرغب في أن تظهر للنور وتنتهي بهذه الصورة من الزواج غير الموثق الذي يتيح له الخروج من العلاقة بلا أي مسؤوليات، وساعدت الدراما على ترسيخ هذه الفكرة في الأذهان بعشرات المشاهد التمثيلية التي كان الزواج العرفي جزءاً من السياق الدرامي فيها.
إلا أنه على أرض الواقع فإن الظاهرة أعمق من ذلك بكثير وهناك أشكال متعددة من الزواج غير الرسمي، فبعضهم يتحايل على القانون، مثل السيدات اللاتي يحصلن على معاش والدهن المتوفى وبحال تزوجن رسمياً فسينقطع عنهنّ، كذلك المطلقة التي تخشى أن يحصل طليقها على حضانة الأطفال في حال ظهرت لها وثيقة زواج رسمي، والأم أو الأب الكبير في السن الذي يرفض أبناؤه زواجه بحجة الحفاظ على الشكل الاجتماعي أو الخوف على الميراث.
في الوقت ذاته فإن كل حالات زواج القاصرات تندرج تحت مسمى الزواج العرفي أو ما يطلق عليه صفة "شرعي" باعتباره يكون مشهراً ومن المفترض أن الزوج سيتحمل كل مسؤولياته الطبيعية مثل توفير مسكن والإنفاق على الزوجة، لكن لا يُوثق هذا الزواج باعتبار أن القانون ينص على ألا يقل سن الزوجين عن 18 سنة.

كذلك لا يزال الزواج العرفي قائماً في بعض المناطق النائية أو الواقعة على الحدود حيث تغلب السلطة القبلية والقوانين العرفية في كل شيء، فهم غالباً معزولون عن القوانين الرسمية في ما يخص كل معاملات حياتهم وليس فقط الزواج، فكل شيء لديهم عرفي وليس رسمياً.

تجارب من المجتمع

تحكي السيدة "د. حسن" عن تجربتها مع الزواج العرفي قائلة "بعد طلاقي وحتى أحتفظ بحضانة أطفالي كان لا بد ألا أتزوج، كان طليقي دائم التهديد بأني لو فكرت في الزواج فسيأخذ الأطفال على رغم عدم اهتمامه بهم وسؤاله عنهم، كان سبب طلاقي هو تعاطيه المواد المخدرة فلا يمكنه بأي حال أن يأخذ الأطفال. بعد خمسة أعوام تقدم لي زوجي الحالي وتزوجنا بعقد عند محامي واستمر الوضع عامين كاملين، الزواج بعلم الأسرتين ولكن من دون أوراق رسمية"، وتستكمل "وثقنا الزواج رسمياً بعدما حدث حمل فكان لا بد من وثيقة زواج لإصدار أوراق للمولود وحتى يكون الوضع الاجتماعي طبيعياً بالنسبة إلى الطفل، في هذا الوقت كان طفلاي قد كبرا نسبياً ووصلت الكبيرة إلى سن 15 سنة، ورفضا من تلقاء نفسيهما الذهاب إلى والدهما. الغريب هنا أنه لم يطالب بحضانتهما من الأساس وإنما كل ما في الأمر أن ذلك سيف يعطيه إياه القانون للانتقام من المطلقة من دون النظر إلى كل حالة على حدة، وما إذا كان الأب يصلح لحضانة الأطفال أم لا".

وفي تجربة أخرى تحكي "ن. السيد" وهي عاملة منزلية "أصر زوجي على تزويج ابنتي وكان عمرها 16 سنة زواجاً شرعياً لأنها لم تكن بلغت 18 سنة على أن يوثق الزواج عند وصولها إلى سن الرشد. اشتعلت المشكلات بينها وبين زوجها وترك المنزل ولم يعد ينفق عليها، وفي هذه الأثناء أنجبت طفلاً ولم نستطع تسجيله. كانت ابنتي وقتها وصلت لسن 18 سنة وزوجها يماطل في تسجيل الزواج رسمياً، بعد مفاوضات وتنازلات وثق الزواج وسجلنا الطفل لكنه طلقها في النهاية. لا أنصح أبداً بهذا الزواج ولكن للأسف من حولنا كثر لا يزالون يزوجون بناتهم بهذه الصورة باعتبار أن زواج البنت ستر لها".

أسباب الظاهرة

على رغم إطلاق حملات كثيرة للتوعية بأخطار الزواج العرفي، وبخاصة على النساء باعتبار أنهنّ من يدفعن الثمن في حال حدوث أي أزمات والأمثلة والوقائع على ذلك كثيرة وتشهدها ساحات المحاكم، فلا يزال كثير من الأشخاص والمجتمعات متمسكين بهذا الزواج، تختلف الأسباب وتبقى الأخطار، وهنا يثار التساؤل لماذا لا تزال قطاعات من الناس وبخاصة النساء تقبل بهذا الزواج على رغم كل ما يمثله من مخاطرة وضياع لحقوقها؟
أستاذة مناهج علم الاجتماع بجامعة "عين شمس" عزة فتحي تقول إن "أسباب الظاهرة تتعدد وتختلف، فأحياناً بعض الظروف تجعل الناس يبحثون عن حل للتحايل على العادات والتقاليد أو على القانون، وأحياناً الحرمان العاطفي أو الخوف من الفقد يدفع النساء إلى الاستمرار في هذه العلاقات. الظروف الاقتصادية قد تكون عاملاً يدفع بعضهنّ إلى هذه الزيجات، فسوء الوضع الاقتصادي يدفعهنّ إلى القبول بأي وضع، وأحياناً تكون هناك أسباب تدفع بعض السيدات إلى اللجوء للزواج العرفي مثل حال المطلقة التي تخاف أن تفقد حضانة الأطفال أو السيدة التي تحصل على معاش والدها وستفقده إذا تزوجت وكان هناك ما يثبت الزواج، باعتبار أن هذا ما يقره القانون الحالي، فهنا يُلجأ لهذا الوضع، فالأسباب تختلف وهذا هو سبب استمرار الظاهرة"، وتضيف "أما في ما يتعلق بالزواج غير الرسمي في المناطق النائية أو الريفية فالأمر هناك يعتمد على الأعراف والتقاليد والإشهار، وهي أقوى لديهم من أي قانون ولا يمكن تغيير ذلك إلا بتغيير الثقافة السائدة وتغيير البشر، فهذه عادات متجذرة على رغم كل التوعية بضرورة توثيق الزواج حفاظاً على الحقوق، فهنا هم على قناعة بأنهم على صواب وألا ضرر من الزواج غير الموثق وأن هذا هو الوضع منذ قديم الأزل".

تحدي العادات والقوانين

الوضع الحالي في مصر هو أن الزوج إذا تزوج بأخرى "رسمياً" فإنه لا بد أن يوثق في عقد الزواج الجديد إن كانت هناك زوجة أو زوجات أخريات في عصمته، والموثق أي "المأذون" يجب عليه إخطار الزوجة الأولى بخطاب مسجل بعلم الوصول على عنوان منزلها، وعلى رغم تحايل بعض الرجال على هذا الشرط بتسجيل عنوان خاطئ للزوجة أو بترك الزوجة العنوان المثبت في سجلاتها الرسمية، فلا يصل إليها الخطاب، إذ إن وثيقة الزواج الجديد تكون موثقة ويمكن أن تعرف بها العائلة في حال استخراج أوراق رسمية مثل القيد العائلي على سبيل المثال. يدفع ذلك الزوج الذي يرغب في الزواج بأخرى "سراً" إلى الاتجاه للزواج غير الموثق لعدم رغبته في انكشاف الأمر، أو لعدم ثقته بدوام الزيجة أو عدم نيته الاستمرار من الأساس، وحتى لا يترتب على الزيجة أي حقوق للمرأة مثل الميراث، فهي ليست زوجته أمام القانون ولا يمكنها إثبات ذلك.
يوضح أستاذ علم الاجتماع بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية وليد رشاد أنه "لا بد من أن نأخذ في الاعتبار أن أي زواج سري بعيد من الأعين أياً كانت الأسباب هو زواج غير سوي، لأن الأصل أن الزواج هو علاقة معلنة يحصل كل طرف فيها على كامل حقوقه، والزواج العرفي له أسباب كثيرة من بينها الخوف من الخروج على العادات والتقاليد الاجتماعية مثل عدم قدرة الرجل على الخروج عن سلطة أو هيمنة عائلته بهذا الزواج الذي لن يقبلوه لأي سبب كان، ولا يزال هذا قائماً في بعض العائلات، أو عدم الرغبة في إعلام الزوجة إن كان متزوجاً لأنها ستطلب الطلاق، فيلجأ للزواج العرفي السري باعتباره لن يوثق ولن يعرف عنه أحد ولن تترتب عليه حقوق".

يضيف رشاد "أحياناً يكون الزواج العرفي كسراً للقيود القانونية وليس فقط الاجتماعية، ففي بعض الحالات يكون الزواج معلناً بالفعل مثل حالات زواج القاصرات، فهنا نحن أمام ظاهرة أقرها المجتمع ولم يقرها القانون وترتبط مباشرة بنقص الوعي وهي للأسف لا تزال قائمة في بعض المناطق، بخاصة الريفية، على رغم كل جهود التوعية بخطورة هذه الزيجات. الزواج غير الموثق يمكن اعتباره قضية عابرة للأجيال، فهي مستمرة في المجتمع ولكن الأسباب تتغير مع تغير الزمن وتختلف أسباب الرجال في اللجوء إليها عن أسباب النساء".

غياب كامل للأرقام

في علم الاجتماع يطلق تعبير "الرقم المظلم" على الظواهر الاجتماعية أو الجرائم التي لا يمكن حصرها أو قياسها، سواء لأنها لا تسجل رسمياً، أو لأنها لا يُبلغ عنها للسلطات المتخصصة مثل حالات العنف الأسري على سبيل المثال. وتعتبر حالات الزواج غير الموثق نموذجاً واضحاً لفكرة "الرقم المظلم" فحتى بعض التقديرات التي قد تصدر عن جهات حكومية أو أهلية جميعها شديدة التضارب.
في بعض الحالات قد تتزوج فتاة صغيرة عرفياً وتطلق، ثم يزوجها أهلها مرة أخرى بالطريقة نفسها وكل هذه الزيجات لا تعلم عنها الدولة أي شيء، وأمام القانون وفي الأوراق الرسمية كل منهما غير متزوج، وقد يتزوج رجل عرفياً أكثر من مرة ويطلق ولا يثبت في أوراقه الرسمية أي شيء فهو أمام القانون وفي بطاقة هويته عازب، والأمثلة كثيرة ومتعددة، فهل هناك أي وسيلة تتبعها المراكز والمؤسسات المعنية بمثل هذه النوعية من القضايا في التحقق من مدى انتشار هذه الظاهرة؟
تقول مديرة وحدة البحوث بالمركز المصري لحقوق المرأة سحر صلاح "لا تتوفر إحصاءات أو بيانات رسمية محددة حول الزواج غير الموثق في مصر، ومع ذلك تشير الجهود التي تبذلها منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال المرأة إلى وجود انتشار ملحوظ لبعض أشكال الزواج غير الرسمي، مثل الزواج المبكر و’الزواج السياحي‘، على رغم وضوح هذه الظاهرة من خلال عمل هذه المنظمات فإنه لا توجد حتى الآن بيانات رسمية دقيقة تحدد حجم هذه الأنواع من الزواج غير الموثق في البلاد باعتبارها تتم بصورة كاملة بعيداً من أي أوراق رسمية يمكن حصرها، الزواج غير الموثق قد يتم بوجود شهود وولي للزوجة وقد يكون معلناً ولكن لا يُوثق وفقاً للقواعد المقررة، لذا لا تعترف به الدولة ولا توجد له أي وثائق في السجلات الحكومية". وتضيف "يترتب على الزواج غير الموثق كثير من المشكلات والأخطار الجسيمة، وغالباً ما تتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر لهذه التحديات، فنظراً إلى غياب التوثيق الرسمي تصبح حقوق النساء والأطفال أكثر عرضة للضياع والانتهاك، مما يجعلهم يدفعون الثمن الأكبر لتبعات هذا النوع من الزواج".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فجوة بين القانون والشرع

هناك بعض الفجوات بين القانون والشرع في ما يتعلق بالزواج والطلاق، فالزواج وفقاً للشرع يعتمد على القبول والإشهار فهما أساس صحة الزواج، وكان ذلك مقبولاً في عصور سابقة كانت الحياة فيها أسهل وكان فيها كل شيء عرفياً وليس فقط الزواج، حالياً هذا النوع من الزواج وإن اعتبره بعض الناس صحيحاً شرعاً فإن القانون لا يعترف به ولا تقر حقوق بواسطته. الأمر سيان بالنسبة إلى الطلاق، فالشرع يقول بوقوع الطلاق الشفهي من دون ضرورة لتوثيقه والقانون لا يعترف إلا بالوثائق، فالسيدة إذا لم تمتلك وثيقة طلاق فهي أمام القانون ليست مطلقة، حتى ولو وقع الطلاق بالفعل ويمكن أن تستمر على هذا الوضع أعواماً لو تعنت الطرف الآخر في إثبات الطلاق.
تجري محاولات في الفترة الأخيرة للعمل على ضرورة توثيق الطلاق ضمن قانون الأحوال الشخصية الجديد الذي لم يظهر للنور بعد، ولكنها تواجه اعتراضات من المؤسسات الدينية باعتبار أن ذلك يخالف الشرع.
وحالياً أحد أهم الأسباب التي قد تدفع بعض المصريين إلى الزواج العرفي هو التحايل على القوانين ورغبة الزوج في ألا يتحمل أي تبعات لهذا الزواج، فالمرأة لا تملك وثيقة تمكنها من طلب حقوقها وكثيرات يجهلن القوانين في حال الزواج الرسمي، فما بال الزواج العرفي.

القانون والزواج العرفي

هل يعترف القانون بالزواج العرفي أم لا يقره؟ وهل يترتب عليه حقوق للزوجات أم يفقدن كل حقوقهن؟ وهل يمكن أن يعتد به في إثبات النسب بحال نتج منه أطفال؟
المحامية رئيس مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية عزة سليمان تقول إن "المصطلح الأدق عند الحديث عن هذه الظاهرة هو الزواج غير الرسمي، فالزواج الذي تعترف به الدولة هو الزواج الذي يتم بحضور موثق (مأذون) ويُسجل رسمياً، والزواج الذي يتم أمام كاتب الكنيسة ويوثق في المحكمة، وفي حال الزواج من أجانب يتم في الشهر العقاري ويوثق في وزارة العدل، كل ما عدا ذلك زواج غير موثق يطلق عليه اسم عرفي أو شرعي أو سني. وسواء كان بكتابة ورقة عرفية أو كتابة عقد عند محامٍ أو أياً كانت الطريقة فهو يمثل مخاطرة كبيرة للنساء باعتبار أنه يضيع حقوقهن، ففي هذه الحال ليس لديها أي حقوق مالية مثل النفقة ولا ترث إذا توفي الزوج".

تضيف سليمان أن "القانون يتيح إثبات النسب بوجود ورقة زواج غير رسمي باعتبار أنه وضع مصلحة الأطفال أولوية، وبسبب احتياج الطفل إلى الحصول على أوراق ثبوتية، وعلى رغم إمكان الاعتراف بالنسب فإن القانون لا يتيح للزوجة مطالبة المحكمة بإثبات الزواج بالورقة العرفية، على رغم أنه يتيح لها التوجه للمحكمة لطلب الطلاق أو الخلع، فهناك تناقضات كثيرة نأمل في أن تُتلافى مستقبلاً في القانون الجديد". وتستكمل "هناك ثغرات في القانون الحالي قد يستخدمها بعضهم في هذا الشأن، فعند إنهاء الزواج لا بد من أن يكون أيضاً بورقة حتى ولو كانت غير رسمية وعدم الاكتفاء بتمزيق ورقة الزواج واعتبار الأمر انتهى. فعلى رغم أن القانون لا يتيح للمرأة أن تطلب من المحكمة إثبات الزواج بالورقة العرفية فإنه يمكن أن تنتهي العلاقة ويكون الزوج لم يتخلص من الورقة، وفي حال تزوجت السيدة لاحقاً من شخص آخر يتوجه الزوج الأول بالورقة العرفية إلى المحكمة ويرفع عليها دعوى تعدد أزواج، هذه حالات تحدث بالفعل للانتقام أو لأي سبب آخر كنتيجة لجهل النساء بالقانون، فهن في حال الزواج غير الموثق دائماً من يدفع الثمن".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير