Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزواج العرفي في تونس بين تغيير النموذج المجتمعي والأزمة الاقتصادية

"ظهر في المجتمع بعد الثورة كنتيجة مباشرة لعودة القوى الدينية بمختلف أطيافها للنشاط الدعوي والسياسي"

خلال السنوات الخمس الأخيرة سُجِلت 1718 قضية زواج عرفي في تونس (رويترز)

أثارت واقعة حدثت أخيراً في مدينة جمال من محافظة المنستير في الساحل الشرقي لتونس الجدل حول ملف الزواج العرفي، حيث عمدت امرأة متزوجة إلى خطبة فتاة تبلغ من العمر 30 سنة لزوجها المشتبه في انضمامه إلى تنظيم "إرهابي"، وذلك بعد أن أقنعتها بالارتباط بزوجها عرفياً.

ويرى متخصصون في علم الاجتماع أن انتشار الزواج العرفي في تونس هو نتيجة لصعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ويرى آخرون أنه شرعنة لممارسة الجنس، وأن انتشاره يعد سبباً مباشراً لظهور التيارات الإسلامية بشتى أنواعها بعد ثورة يناير (كانون الثاني). 

وبحسب إحصائية نشرتها صحيفة "الصباح" التونسية قبل يومين، تم تسجِيل 1718 قضية زواج عرفي في البلاد خلال السنوات الخمس الأخيرة، الرقم الذي أرجع هذه الظاهرة على طاولة النقاش لمعرفة أسبابها.

زواج مجحف

وأظهرت دراسة أعدتها مجموعة من الطلبة من 5 جامعات تونسية عام 2015، بأن ظاهرة الزواج العرفي انتشرت بنسبة 37 في المئة في صفوف التيار السلفي بصفة عامة، وبنسبة 83 في المئة في صفوف الطلبة السلفيين، وبنسبة 23 في المئة في صفوف الطلبة المتعاطفين معهم.

وأشارت الدراسة نفسها إلى أن 90 في المئة من المتزوجين عرفياً ينحدرون من أوساط اجتماعية فقيرة، ومن أحياء شعبية أو جهات داخلية محرومة، في حين ينتمي 10 في المئة منهم إلى عائلات من الطبقة الوسطى.

ولفهم الظاهرة توجهت "اندبندنت عربية" لبعض الشباب، منهم مهاب (33 سنة)، صاحب شهادة علمية في الاقتصاد وعاطل من العمل، الذي يرى أن الإسلام حلل الزواج العرفي، معتقداً أن الزواج المدني الذي تفرضه الدولة هو زواج مجحف لا يشجع الشباب على الارتباط بسبب المتطلبات المادية والتعقيدات الإجرائية. 

من جهة أخرى تقول نور (22 سنة)، طالبة، بأن "عديد الفتيات، بخاصة الطالبات، وقعن في غرام شبان من التيار السلفي فجروهم إلى الزواج العرفي، وبعد ذلك وجدن أنفسهن يصارعن مصيرهن مع مولود غير شرعي وعائلة رافضة لهذا الزواج"، وتضيف نور "القانون التونسي يحفظ حق المرأة في الزواج والذهاب في طريق آخر غير قانوني على غرار الزواج العرفي الذي نتائجه سيئة في مجتمعنا على المرأة فقط بينما يهرب الرجل من مسؤوليته".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تغيير نموذج المجتمع التونسي 

في هذا الشأن تشير فتحية السعيدي أستاذة الجامعة التونسية في علم الاجتماع بأن"الزواج العرفي في تونس هو زواج على غير الصيغ القانونية. فهذا النوع من الزواج قد تم منعه بالقانون منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية عام 1956"، مضيفة "ظهور الزواج العرفي في تونس بعد عقود يؤشر إلى هذا النزاع الذي ما زال متواصلاً بين القوى التحديثية والمجددة، والقوى المحافظة والمنغلقة. وهو نزاع قد ظهر في المجتمع بعد الثورة كنتيجة مباشرة لعودة القوى الدينية بمختلف أطيافها للنشاط الدعوي والسياسي الذي يستهدف تغيير نموذج المجتمع التونسي" بحسب رأيها. 

وتعتقد السعيدي بأن "عودة ظهور الزواج العرفي هي أحد نتائج هذا النشاط المكثف الذي عرفته بلادنا في السنوات العشر الأخيرة"، مفسرة "بمعنى آخر، الزواج العرفي ليس سوى نتيجة مباشرة للفكر المحافظ والديني".

من جهة أخرى تقول السعيدي "توجد عوامل اقتصادية واجتماعية كانت وراء ارتفاع نسبة العزوبة في بلادنا، فمعدل سن الزواج قد تجاوز الـ 35 سنة، وهذا مرتبط بارتفاع البطالة في صفوف الشباب من الجنسين". 

وأضحت "فعلى سبيل المثال، قد بلغت نسبة البطالة 18.4 في المئة في الثلث الثالث لعام 2021. ويعد ارتفاع نسبة البطالة عاملاً مباشراً لتأخر سن الزواج، لكن لا يمكنني ربطه بظهور حالات من الزواج العرفي. فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية والبطالة عوامل مباشرة لاستفحال ظواهر اجتماعية أخرى، مثل العزوبة والفقر والهشاشة الاقتصادية وغيرها، في حين أن حالات الزواج العرفي ترتبط بالمعتقدات الدينية. بمعنى آخر يرتبط الزواج العرفي بقناعات ذاتية خاصة، وليس بعوامل موضوعية. ويبقى هذا النوع من الزيجات لا يمثل سوى حالات ولا يمثل ظاهرة اجتماعية والسبب هو المنع القانوني الذي لا يجيزه".

الزواج العرفي في القانون 

ويسمى الزواج العرفي، الذي انتشر بعد الثورة مع دخول التيارات الإسلامية في تونس، في القانون زواجاً على خلاف الصيغ القانونية، ويعاقب عليه قانون البلاد، إذ يعد حسب الفصل 36 من قانون الحالة المدنية والفصل 31 باطلاً ويعاقب الزوجان بالسجن مدة 3 أشهر، بخاصة وأن القانون التونسي عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في أغسطس (آب) من السنة نفسها، المتعلق بتنظيم الحالة المدنية وتحديداً في فصله الـ 31، ينص على أن يبرم عقد الزواج في تونس أمام عدلين، أو أمام ضابط الحالة المدنية بمحضر شاهدين من أهل الثقة، وهو ما يجعل من هذا الزواج المسمى بالعرفي ممنوعاً.

المزيد من تقارير