ملخص
سلطت قضية تعرض الطفل ياسين في مدرسة داخل دمنهور لاعتداء جنسي وهتك العرض غير مرة على يد مسؤول في المدرسة، الضوء على تباينات في المجتمع المصري لا تزال عميقة على رغم المحاولات الحثيثة المبذولة للتخفيف منها.
على رغم قلة عددها فإنها عميقة الأثر. نحو 170 مدرسة في ربوع مصر تسمى شعبياً "مدارس راهبات"، أحدثها يفوق عمره الـ100 عام. مبانيها لا تخطئها عين، وخريجوها، أو بالأحرى خريجاتها إذ إن الغالبية الساحقة منها مخصصة للبنات فحسب، يسهل تمييزهم وتمييزهن من بين الآلاف.
ضبط وربط، وحزم وحسم، وقواعد لا تقبل القسمة على ثلاثة أو أربعة أو حتى واحد. الكلام بحساب، ورد الفعل يأتي بعد تفكير. الصوت منخفض لكن تعتريه الثقة، والخطوات محسوبة حيث لا مجال لاهتزازات أو اختلالات أو حتى اختلاجات. ويقول المتابعون إن المشية عسكرية والتركيبة إنسانية، أما النتيجة فـ"الجواب يتضح من عنوانه".
أعداد وشروط
أعداد الأهل المتقدمين لإلحاق صغارهم بهذه المدارس تفوق قدرتها على استيعاب واحد في المئة من المتقدمين بعد اختيار من يصلح منهم ومطابقة الشروط والسن المحددة. واللافت أكثر أن الغالبية العظمى من المتقدمين مسلمون، وغالب المقبولين مسلمون وغالب الخريجين مسلمين، بنسبة غير رسمية تفوق الـ80 في المئة.
ويعتقد غالب المصريين أن مدارس الراهبات كيان واحد تقوم فيه راهبات بإدارة العملية التعليمية داخل هذه المدارس، لكن الحقيقة أنها تتبع رهبانيات مختلفة، لا تمت لبعضها بعضاً بصلة بالضرورة. فمن مدارس الراهبات الكاثوليكية إلى الأرمنية الكاثوليكية إلى راهبات الفرنسيسكان وراهبات "سيدة المعونة" وغيرها، تدار هذه المدارس بإدارات مختلفة تجد في مسمى المصريين الشعبي "مدارس الراهبات" مظلة تجمعها.
وعلى رغم وجود مدارس أخرى تدشنها وتمولها الكنائس، لا سيما الأرثوذكسية، ولا يديرها رهبان أو راهبات، فإن الجميع يطلق عليها شعبياً الاسم نفسه "مدارس الراهبات".
هذه الأيام، وجدت هذه المدارس نفسها واقعة في عين العاصفة وبؤرة ضوء كاشفة لما جرى ويجري في المجتمع المصري منذ ما يزيد على نصف قرن، من هيمنة وتوسع ثقافة يقول معتنقوها ومؤيدوها إنها "ثقافة التدين والالتزام الإسلامي"، ويقول نابذوها ومعارضوها إنها "ثقافة التطرف والتشدد ونبذ التسامح ونشر الفتنة واعتناق الفوقية والعنصرية".
ياسين وتسليط الضوء
بدأ تسليط الضوء وكشف ما يجول في المجتمع بواقعة تفجرت تفاصيلها قبل أيام، حين تم تداول تفاصيل تعرض الطفل "ياسين" في مدرسة داخل مدينة دمنهور لاعتداء جنسي وهتك العرض غير مرة على يد مسؤول في المدرسة، وذلك في دورة المياه وكاراج، وبمساعدة إحدى العاملات في المدرسة ذاتها.
وعلى رغم أن الواقعة تعود إلى فبراير (شباط) 2024، وقت كان الطفل في الخامسة بينما الشخص الموجهة له التهمة في الـ79 من عمره، فإن الأم اكتشفت ما جرى بالصدفة حين أخبرها صغيرها أنه يواجه مشكلة في عملية الإخراج، إضافة إلى أن الأم لاحظت تغيرات سلوكية على الابن.
وبعد رحلة مضنية حكى الطفل ما تعرض له مرات عديدة، وقال إن المعتدي كان يهدده بقتل والديه إن أفصح عما يدور بينهما، لكنه حين عرف أنه قد يترك المدرسة اطمأن وحكى.
وعلى مدار عام كامل ظلت أسرة الطفل متمسكة بحق الصغير في دوائر القضاء، والتي بدورها تحفظت على المتهم لحين صدور الحكم. وبالفعل، صدر الحكم قبل أيام ودانت محكمة جنايات دمنهور الرجل الذي بلغ الـ80 سنة في أولى جلساتها. وقررت المحكمة قبول طلبات الدفاع عن الطفل ياسين بـتعديل القيد والوصف في القضية، وتغيير قرار الإحالة من الاعتداء على الطفل بغير قوة إلى الاعتداء بالقوة تحت التهديد.
تقرير أثار الالتباس
وكان تقرير الطب الشرعي صدر مثيراً حالاً من الالتباس، إذ أشار إلى أنه لم يتبين بعموم ظاهر جسم الطفل أية آثار إصابية، لكن شوهد اتساع لقطر يبلغ نحو سنتيمتر بفتحة الشرج، لكن بانعكاس وتعاريج طبيعية، وأنه لم يتبين أثر التئام قديم أو إصابات حديثة". وأضاف التقرير أن الاحتكاك الجنسي الخارجي قد لا يخلف أثراً يستدل به عليه، وأن التيقن من ذلك مرجعه ما تنتهي إليه التحقيقات.
ومضى التقرير ليشير إلى أن الاتساع المشاهد في فتحة الشرج ربما نجم عن إيلاج أو محاولات إيلاج متكررة، لكنه وحده ليس دليلاً جازماً على الإيلاج. وربما يكون لأسباب مرضية مثل الأنيميا والهزال والضعف العام وأمراض العضلات وبعض أمراض الأعصاب، وإن لم يتبين وجود أعراض مرضية لدى الطفل.
الشرطة والمدرسة والتحقيق
من جهة أخرى، كانت شرطة دمنهور رفضت تحرير محضر عقب عودة الأب من الخارج لدى علمه بما جرى لابنه، وحجتها كانت عدم قدرة الصغير على التعرف على مرتكب الواقعة. أما إدارة المدرسة فأجرت في حينها تحقيقاً داخلياً خلص إلى أن الطفل غير متزن، ثم قالت بعد تسليط الضوء على الواقعة خلال الأيام القليلة الماضية إن المتهم ليس موظفاً في المدرسة وإنه مراقب مالي منتدب لمراقبة الشؤون المالية للمدرسة من قبل المطرانية (الإيبارشية).
المطرانية، وانتماء المدرسة للكنيسة، وكون المديرة و"المراقب المالي" مسيحيين، وكون الصغير "ياسين" مسلماً، وقدرة الـ"سوشيال ميديا" على تأجيج الاشتعال الذاتي وتهييج مشاعر "الغيرة على الدين" والاستثمار في الأجواء المهيأة والمؤهلة والمدربة على الاضطرام والانتشار أمام أول من يطرق بابها جميعها تفجر في لحظات، وذلك في وجه "مدارس الراهبات".
الجماهير الغفيرة وديانة المديرة
الجماهير الغيورة الغفيرة تجمعت أمام المحكمة وقت النطق بالحكم "بالهتافات والدموع الآلاف تطالب بحق ياسين"، "احتشاد شعبي لدعم حق الصغير"، "الغضب يعتري السوشيال ميديا بسبب محاولات إجهاض حق ياسين" وغيرها كثير من الجهود والعناوين وردود الفعل تفجرت. اللافت أن جزءاً معتبراً من عملية التفجير لم يكن موجهاً لما تعرض له الصغير من فعل بشع، بل لانتماء المتهم العقائدي وتبعية المدرسة الكنائسية، والتعريف المذكور في خانة ديانة المديرة.
في تلك الأثناء، نشطت مواقع ومنصات وقنوات معروفة بانتمائها لجماعات الإسلام السياسي، لا سيما المحظورة، وكثفت من تغطيتها التي تشير بالهمز وتلمح باللمز إلى "المكون المسيحي" في القضية، وهو ما أطلق العنان لبعض ممن نشأوا في كنف تدين السبعينيات، واعتبروه الدين، فملأوا الأثير غضباً على ما يتعرض له الإسلام من "هجمة شرسة" من الكنائس، وتداولوا في الشارع ما يحدث في مدارس الراهبات من "مهازل ومصائب" تستهدف المسلمين والمسلمات.
الفيروس السبعينياتي
منظومة تدين السبعينيات -التي توسعت خلال الثمانينيات وتمددت أثناء التسعينيات ومستمرة في التوغل والتغول، على رغم كل ما مرت به مصر والمصريون من أحداث وحوادث ما يسمى "الربيع العربي" وصعود الإسلاميين للسلطة– حية ترزق. وعلى رغم كل المحاولات المضنية والجهود التي تبذل على استحياء لـ"تجديد الخطاب الديني" والتي دأب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على المطالبة بها مراراً وتكراراً، ويلمح بعض إلى مقاومة أو رفض مؤسسات دينية للتنقيح، إلا أن أحداث كواقعة الطفل ياسين وما آلت إليه من تطور شعبوي جعل "موقعة مدارس الراهبات" تسلط الضوء على ما يموج به جزء من المجتمع المصري المتمسك بتلابيب هذه النسخة من التدين الشعبوي.
التدين الشعبوي الذي تعبر عنه منشورات يجري تداولها على مدار الساعة، من قبل "متدينين" ينطلقون في مهام رقمية مقدسة من أجل حماية الدين وإنقاذ المتدينين من "مدارس الراهبات"، يقوم على ثالوث قوامه اعتناق تفسيرات دينية بالغة التطرف كانت عابرة للحدود على مدار ما يزيد على نصف قرن، والوقوع في أسر مفهوم قوامه أنه كلما ازداد التدين غلظة وقسوة كان إلى الله أقرب، ورفض الآخر أو في الأقل اعتباره في درجة أدنى أو مكانة أقل لأنه ينتمي إلى معتقد مختلف.
الباحث في شؤون الإسلام السياسي والفلسفة سامح عسكر كتب في مقال عنوانه "الريف المصري ومدنية الدولة" (2022) إنه على رغم أن الدولة مدنية، لكن الغالبية لم تعد مدنية. وسادت أنماط سلوكية ودينية ومعتقدات شعبية خطرة وعدوانية خلال الـ50 عاماً الماضية، ولم تكن موجودة من قبل. ويضيف "حدث في مصر زلزال اسمه الإسلام السياسي نشر فيروس الأصولية والعدوانية بين كل فئات الشعب تقريباً، بحيث تحول المتدين من باحث عن الأخلاق والفضيلة إلى باحث عن السلطة والقانون، وهذا الذي جعل المتدين المصري يخلط فوراً وبصورة آلية بين الدين والسياسة، ومن لا يخلط يفقد لقب ’متدين‘".
ويرى عسكر أن إقامة المصريين في مساحة ضيقة لا تتجاوز خمسة في المئة من مساحة مصر أتاح نقل الأعراف والتقاليد بسرعة وتلقائية بين الملايين ودون جهد يذكر، حتى قبل ظهور الإنترنت، مشيراً إلى أن الشباب وحتى الكبار المتطرفين فكرياً حالياً أصابهم "الفيروس السبعينياتي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ملامح ومشايخ
ملامح هذا التدين تتطابق وما يحكيه مشايخ ومعهم "خبراء تنمية بشرية إسلامية" –بعضهم أحياء وبعض آخر رحلوا عن دنيانا، ولكن الشبكة العنكبوتية تخلدهم- من أساطير سياسية دينية وملاحم آخر الزمان وقصص التوبة للعصاة والعذاب الإلهي لمن يتبع حياة يحكمون عليها بالفسق، أو يقيمون علاقات مع من يعدونهم كفاراً.
ما يموج به القاع كثير، وما يكشف عنه "حراك" الطفل ياسين و"مدارس الراهبات" كثير جداً. كم المنشورات التي يدق عليها بعض دون وعي أو معرفة أو تدقيق يقول كثيراً عن ثقافة لم تجد من يطهرها وفكر لم يجد من يصحح مساره.
"مافيش (لا يوجد) مسلم يلحق ابنه بمدارس تابعة للكنيسة إلا لو كان مختلاً العقل والعقيدة. ومافيش مسلم يلحق ابنته بمدارس راهبات إلا ديوث لا يعنيه الدين والعرض"، "مراكز خفية لنشر المسيحية وزعزعة إيمان المسلمين بدينهم ونقصان عددهم"، "معاقل للتنصير وغزو بلاد المسلمين" وغيرها من المنشورات يدق عليها بعض دون هوادة أو تدقيق، وذلك على رغم أن بعضاً منها صادر عن حسابات دُشنت قبل دقائق، وعدد المتابعين أربعة وعدد من يتبعهم صاحب الحساب صفر.
في المقابل، لا يخلو الأمر من رد فعل مضاد وقع في فخ الدفاع الانتقامي والرد بالثأر. ولأن الأشهر الماضية شهدت الكشف عن حوادث اعتداء جنسي من قبل مشايخ داخل مساجد، أو أثناء حصص تحفيظ القرآن وهو ما صدم كثراً، فقد بذل بعض المتابعين المسيحيين الجهود للتنقيب عن هذه الحوادث وإعادة نشرها، وكأنهم يقولون "لا تعايرني ولا أعايرك، الهم طايلني وطايلك".
جهود تنقيب دون تدقيق
ومع جهود التنقيب هذه، يذهب آخرون إلى مزيد من "الاجتهاد"، فيبحثون في أوراق قضايا الاعتداء، ويستخرجون تفاصيل الهدف منها إحراج الفريق الآخر. ومنهم من يعد سرعة إصدار الحكم على "المراقب المالي" دليلاً على ما يسمونه بـ"رضوخ القضاء للضغط الشعبي".
جزء من الهجمة المرتدة من قبل مستخدمي السوشيال ميديا من المصريين المسيحيين لا تعود إلى كون المتهم مسيحياً والمدرسة تابعة للمطرانية، ولكن لأن جانباً زاعقاً من رد الفعل الشعبوي المسلم اعتبار الحادثة "اعتداء مسيحي على مسلم"، وليست اعتداء جنسياً من بالغ على طفل، إضافة إلى الهرولة الشعبوية نحو وصم كل "مدارس الراهبات" والاستعانة بتراث الانغلاق وميراث التطرف وتدين السبعينيات، واعتبار "مدارس الراهبات" بؤراً لنشر المسيحية وإلغاء الإسلام.
في دراسته المعنونة "التدين الشعبوي الرقمي والفعلي والحالة الدينية: الأنماط والتحولات" في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية (2022)، يقول مستشار المركز نبيل عبدالفتاح إن "النظرة السريعة إلى الحياة الدينية الرقمية في بدايات تشكلها، تشير إلى أن المقولات الدينية التي تطرحها بعض الجموع الغفيرة من العاديين باتت تسود الحياة الرقمية بكثافة، ومعها السائد من المفاهيم والتصورات الدينية الشعبية، أو آراء بعض المشايخ الرسميين، أو الدعاة ومن أطلق عليهم الدكتور طه حسين دعاة الطرق أو بعض آراء السلفيين وجماعة ’الإخوان‘. وانتقلت هذه التصورات الدينية الشعبية من الحياة الدينية الشعبية الفعلية إلى الحياة الرقمية، ووظفت لأغراض عدة وهي تعاود الظهور بين الحين والآخر".
وعلى رغم أن عبدالفتاح يتحدث عن التدين الشعبوي الإسلامي، فإن ما ذكره ينطبق على الطرفين الشعبويين المحتقنين اللذين يتعرضان للقدر نفسه من جهود الإبقاء عليهما محبوسين، في خانة المسيحي يعتدي جنسياً على المسلم، لا الرجل البالغ يعتدي على الطفل الصغير.
الإناء ينضح
ينضح الإناء هذه الآونة بما يدور فيه على مدار عقود من تديين الحياة العامة ونشر التدين المظهري، وإشهار الوحدة الوطنية عبر مشهد شيخ وقس يتبادلان القبلات ضمن المحافل الرسمية، وإعلان المحبة والمودة عبر عبارات "يحيا الهلال مع الصليب" و"تناغم نسيجي الأمة" و"تأكيد اللحمة الوطنية"، مع الإبقاء على ما يُقال خلف الأبواب المغلقة وأثير المنصات وبين "المتدينين" و"المتدينات"، وما يتفوه به معلمون ومعلمات على هامش المناهج وعلى سبيل النصح والتوجيه لـ"متديني الجيل الصاعد" حبيس الغرف المغلقة.
الطريف وربما المؤسف، أن بعض من يهرول لإلحاق صغاره بـ"مدارس الراهبات" قليلة العدد عميقة الأثر في التربية قبل التعليم، ويجاهد من أجل الحصول على "واسطة" من الكنيسة أو "توصية" من الوزارة لا يجد حرجاً في وصم المدارس وانتقاد الراهبات والتحذير من عواقب "التعليم الديني".
الأكثر طرافة أو مدعاة للأسف، أن الشق التعليمي والجانب التربوي في مدارس الراهبات الـ170 لا يتعلق أو يتطرق من قريب أو بعيد إلى الدين، وإنها تقبل الطلاب من المسيحيين والمسلمين، وذلك على العكس من المدارس والمعاهد الأزهرية البالغ عددها نحو 70 ألف مدرسة والقائمة على التعليم الديني للمسلمين.