ملخص
يتعرض الأطباء الفلسطينيون العاملون في مستشفيات داخل إسرائيل لممارسات يصفونها بـ"العنصرية" ضدهم، وذلك على خلفية موقفهم من الحرب في قطاع غزة.
تتصاعد المطالبات بين الأطباء الفلسطينيين في إسرائيل لتشكيل نقابة خاصة بهم لتمثيلهم والدفاع عنهم، وذلك في ظل ما قالوا إنه "تزايد في الممارسات العنصرية ضدهم"، وبخاصة مع ارتفاع نسبتهم داخل المستشفيات الإسرائيلية لتصل إلى أكثر من 25 في المئة.
ومع أن هؤلاء الأطباء ينتسبون إلى نقابة الأطباء الإسرائيلية لكنهم يعدونها "غير ممثلة لهم ولا تدافع عن حقوقهم، وتتبنى مواقف الحكومات الإسرائيلية وسرديتها للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي".
ويشكل الأطباء الفلسطينيون داخل إسرائيل حالياً أكثر من 25 في المئة من إجمال الأطباء، مقارنة بثمانية في المئة خلال عام 2010.
ويبلغ عدد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية إضافة إلى أهالي القدس الشرقية أكثر من مليونين و114 ألف نسمة، أي 20.9 في المئة من سكان إسرائيل البالغ عددهم 10 ملايين و94 ألف نسمة، وفق آخر إحصائية.
ويشتكي الأطباء الفلسطينيون في إسرائيل من تعرض بعضهم إلى "محاولات تكميم الأفواه، ومنعهم من التضامن مع فلسطينيي قطاع غزة، أو تبني رواية عن مجريات الحرب مغايرة للرواية الرسمية الإسرائيلية".
ومع أن موجة العنصرية ضد الأطباء الفلسطينيين ليست جديدة لكنها تصاعدت بصورة كبيرة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ووصلت حد اتخاذ إجراءات تأديبية ضد أطباء عبروا عن تضامنهم مع الضحايا المدنيين في غزة بتهمة "دعم الإرهاب".
واستعرضت دراسة حديثة ما يتعرض له الأطباء الفلسطينيون في إسرائيل تحت عنوان "أصوات مكتومة، وفضاءات معسكرة".
وسجلت الدراسة "شهادات ومواقف حصلت مع تسعة أطباء داخل تسعة مراكز طبية في إسرائيل، وحال الخوف من التعبير عن الرأي بين الأطباء الفلسطينيين.
استهداف عام وخاص
وبحسب معدة الدراسة غادة مجادلة فإن "الفلسطينيين كلهم في إسرائيل يتعرضون منذ بداية الحرب إلى الترهيب والإسكات القسري، والملاحقة بهدف منعهم من التعبير عن أي تضامن مع غزة أو التشكيك بالرواية الإسرائيلية".
لكن مجادلة أوضحت أن "فئة الأطباء الفلسطينيين استُهدفت خصوصاً بسبب مكانتها الاقتصادية والاجتماعية عند الإسرائيليين والفلسطينيين، كي يشكل ذلك رادعاً للشرائح الأخرى من الفلسطينيين".
وبحسب مجادلة فإن تلك الحملة المتواصلة تسببت في "خوف جماعي لدى الفلسطينيين كلهم، فإذا كان الأطباء مستهدفين فما بالك بباقي أفراد المجتمع الفلسطيني في إسرائيل".
حالات فصل وتأديب
وتحدثت مجادلة عن "حالات فصل أطباء من عملهم أو اتخاذ إجراءات تأديبية في حق آخرين، وتحويلهم إلى التحقيق بسبب تعبيرهم عن تعاطفهم مع فلسطينيي غزة، ورفض الرواية الرسمية لمجريات الحرب".
لكن هؤلاء الأطباء فضلوا عدم الحديث عن تجاربهم أو الكشف عن أسمائهم خشية عدم قبولهم في مؤسسات صحية إسرائيلية أخرى"، وفق مجادلة.
وقبل أشهر، فصل مستشفى "تل هشارون" الإسرائيلي الطبيب الفلسطيني عبد سمارة بسبب منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، وقدم شكوى ضده لدى الشرطة الإسرائيلية، قبل أن يتراجع عن فصله بعد أسابيع من التحقيق.
لكن سمارة رفض الرجوع إلى المستشفى، وقدم استقالته منه.
وقدمت طبيبة إسرائيلية شكوى ضد زميلها الفلسطيني في أحد المستشفيات الإسرائيلية بعد اعتراضه على قولها بأن "الجيش الإسرائيلي قتل 3 آلاف مخرب في قطاع غزة، ورده عليها "بأن نصفهم من الأطفال والنساء".
وأشارت مجادلة إلى أن النظام الصحي الإسرائيلي "يتبنى الرواية الرسمية للحكومة الإسرائيلية، ولا يسمح بأية رواية أخرى".
وأرسلت الموارد البشرية في المستشفيات الإسرائيلية بريداً إلكترونياً إلى كوادرها تحظر عليهم التعبير عن آراء ضد الحرب، وبأن الخوض في مثل هذه المواضيع سيُتعامل معه وفق "قانون محاربة الإرهاب" الإسرائيلي.
وضع حساس
ويأتي ذلك على رغم أن غالبية الأطباء الفلسطينيين "لا هموم وطنية عندهم، ولا اهتمامات سياسية"، بحسب مجادلة، "فمعظم اهتمامهم هو الحفاظ على مصالحهم المالية والاقتصادية، وحماية أوضاعهم الوظيفية في ظل إدراكهم للقيود ضدهم".
ونقلت مجادلة عن بعض هؤلاء الأطباء قولهم "نستطيع تغيير الواقع، ونريد تأمين مستقبل عائلاتنا".
وخلال الإضراب العام الذي شهدته المدن الفلسطينية داخل إسرائيل والضفة الغربية عام 2021، لم يلتزم به سوى 10 في المئة من الأطباء، فيما بلغت نسبة المضربين من السائقين نحو 50 في المئة.
ورفضت مجادلة إرجاع ذلك إلى طبيعة العمل الحساس والإنساني للأطباء، مضيفة أن "الأطباء الإسرائيليين شاركوا بفعالية في الاحتجاجات والإضراب على التعديلات القضائية قبل عامين".
وقالت مجادلة "هم يفرضون الحياد على الفلسطينيين فقط"، واصفة ذلك بـ"التصرف العنصري".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عقلية الانتقام والعنصرية
وعدَّ مدير برنامج "دراسات إسرائيل" في المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية إمطانس شحادة أن "الجو العام في إسرائيل يشجع على عقلية الانتقام والعنصرية، ومحاولة استغلال هجوم أكتوبر للتضييق أكثر".
وأشار شحادة إلى أن السلطات الإسرائيلية "تمنع الاحتجاجات على الحرب، وأية أصوات تخالف الرواية الإسرائيلية، وتقمعها".
وحول أسباب ازدياد عدد الأطباء الفلسطينيين في إسرائيل، أرجع شحادة ذلك إلى "المكانة الاجتماعية التي تتوافر لهم والمردود المالي، واستمرارية العمل والحاجة إلى الأطباء بسبب نقص عددهم".
وبحسب شحادة فإن الفلسطينيين "اندمجوا في القطاع الطبي، فيما اهتم الإسرائيليون بالعمل في قطاع التكنولوجيا الفائقة (high tech)".
ويرى الطبيب الفلسطيني العامل في إسرائيل أسامة طنوس أن "المجتمع الإسرائيلي أصبح يعد الطبيب الفلسطيني جزءاً من العدو، بعد أن كان يتعامل معه كضيف".
وشدد طنوس على "الحاجة الملحة إلى تشكيل نقابة للأطباء الفلسطينيين في إسرائيل لحماية حقوقهم والدفاع عنها، فالنقابة الإسرائيلية لا تقوم بذلك".