هل تحول الجنيه المصري إلى "لغز" مع مكاسبه القوية أمام الدولار الأميركي؟

العملة الخضراء قفزت إلى 120% بعد عام من "التعويم"... وخسرت 7.8% من قيمتها في الوقت الحالي

تراجع قيمة الدولار الأميركي أمام الجنيه المصري منذ بداية 2019 (رويترز)

يبدو أن أداء الجنيه المصرية مقابل الدولار الأميركي تحول إلى "لغز" كبير، ففي حين يواصل الدولار ارتفاعا مقابل جميع العملات خصوصا عملات الأسواق الناشئة التي خسرت جزءاً كبيراً من قيمتها خلال العام الماضي، تحول الجنيه المصري إلى مكاسب كبيرة مقابل الورقة الأميركية الخضراء منذ بداية العام الحالي وحتى تعاملات صباح اليوم الاثنين.

في بداية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2016 قررت الحكومة المصرية تعويم الجنيه مقابل الدولار وتحرير سوق الصرف بشكل كامل، ووضعت سعراً استرشادياً عند 13 جنيهاً للدولار، وبحلول نهاية العام 2016 وصل سعر صرف الدولار إلى مستوى 19.60 جنيه مقابل نحو 8.88 جنيه قبل قرار التعويم ليصعد بلك سعر صرف الدولار بنسبة 120.7%.

لكن منذ بداية العام الحالي، بدأت شوكة الدولار تنكسر مقابل الجنيه المصري، حيث هوى سعر صرف الدولار من مستوى 17.60 جنيه إلى مستوى 16.22 جنيه في الوقت الحالي، ليخسر الدولار نحو 1.38 جنيه من قيمته بنسبة تراجع تقدر بنحو 7.8%.

مصرفيون ورؤساء بنوك أرجعوا الخسائر التي يتكبدها الدولار مقابل الجنيه المصري إلى زيادة التدفقات من العملة الأميركية في الجهاز المصرفي. وقالو إن زيادة تدفقات الدولار داخل البنوك جاءت نتيجة نشاط آلية "إنتربنك" الخاصة بشراء وبيع الدولار بين البنوك، ودخول الأجانب في سوق أذون الخزانة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مكاسب جديدة يضيفها الجنيه مقابل الدولار

في تعاملات أمس الأحد، ارتفع الجنيه المصري مقابل الدولار في أول يوم عمل بعد قرار البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة الأساسية بنحو 100 نقطة مئوية كاملة في اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري.

وخفض البنك المركزي أسعار الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس يوم الحميس الماضي، حيث هبطت فائدة الإيداع إلى 13.25%، بينما تراجعت فائدة الإقراض إلى 14.25%.

وزاد سعر صرف الجنيه إلى 16.22 مقابل الدولار، مسجلا أعلى مستوياته منذ الرابع من مارس (آذار) 2017. وقال مصرفي من القاهرة، "أعتقد أن ذلك بفعل تدفق. كانت هناك بعض التدفقات اليوم".

وقال مصرفي آخر "نشهد تدفق أموال ساخنة قبل أن تشهد العائدات مزيدا من الهبوط. لا تزال عائدات أذون الخزانة بالجنيه المصري الأكثر جاذبية على مستوى العالم".

كيف تبرر الحكومة موجة ارتفاع الجنيه؟

وفيما تبرر الحكومة المصرية استمرار ارتفاع الجنيه المصري مقابل الدولار إلى عدة أسباب أهمها تحسن عائدات القطاع السياحي وضبط ميزان المدفوعات، مع ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج، إضافة إلى ارتفاع إجمالي عائدات قناة السويس، يرى محللون أنه لا يوجد أي مبرر لهذه الارتفاعات الكبيرة في سعر صرف الجنيه مقابل الدولار الأميركي.

وتشير البيانات الرسمية، إلى ارتفاع الإيرادات السياحة في مصر بنسبة 29.5% خلال أول 9 أشهر من العام المالي 2018 ــ 2019، لتسجل 9.4 مليار دولار مقابل نحو 7.25 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام قبل الماضي.

وفي بيان حديث، أعلنت وزارة السياحة المصرية أن عائدات القطاع بدأت تتعافى لتشكل ما يقرب من 15% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ويسهم في خلق فرص عمل ويؤثر إيجابا في حياة المجتمعات المحلية.

ووفقاً لبيانات البنك المركزي المصري، ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال شهر مايو (أيار) الماضي بنسبة 15%، حيث سجلت نحو 3 مليارات دولار مقابل 2.6 مليار دولار خلال نفس الشهر من 2018، بزيادة بلغت نحو 390.1 مليون دولار، كما ارتفعت بنسبة 42.6% مقارنة بشهر أبريل (نيسان) السابق، الذي سجلت فيه 2.1 مليار دولار.

وبداية الشهر الحالي، أعلن البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطيات الأجنبية ارتفع إلى 44.969 مليار دولار في نهاية أغسطس (آب) الماضي مقابل نحو 44.916 مليار دولار في نهاية يوليو (تموز) الماضي. ومنذ نهاية العام 2012 وحتى الآن ارتفع احتياطي مصر من النقد الأجنبي من حدود الـ 13 مليار دولار إلى ما يقرب من 45 مليار دولار في الوقت الحالي بنسبة زيادة تتجاوز نحو 246%.

تحسن المؤشرات الاقتصادية وتوفير العملة الأجنبية

في تصريحات، أكدت المحللة الاقتصادية رانيا يعقوب تحسن المؤشرات الاقتصادية وتوافر العملة الأجنبية في مصر. وقالت إن ضخ الأجانب المزيد من السيولة النقدية لشراء أدوات الدين العام وتحسن تحويلات المصريين بالخارج وزيادة إيرادات قناة السويس، كل ذلك أسهم في توافر العملة الدولارية في مصر، ما أدى الى ارتفاع قيمة الجنيه أمام الدولار.

ونفت "يعقوب" ما تم تداوله عن احتمالية ارتفاع الأسعار بعد قرار إلغاء الدولار الجمركي، مشيرة إلى أن السلع الاستراتيجية متوفرة في مصر، حسبما أكدت وزارة التموين، لافتة إلى أن أسعار السلع التموينية لن ترتفع على المدى القصير والمتوسط.

وأعربت إدارة البحوث بشركة "اتش سي" لتداول الأوراق المالية عن تفاؤلها بخصوص السوق الاستهلاكية في ضوء تحسن توقعات الاقتصاد الكلي، وارتفاع قيمة الجنيه المصري، واعتدال التضخم واستئناف سياسة التيسير النقدي مما سوف ينعكس إيجابا على معدلات الاستهلاك الشخصي.

وتوقعت نهى بركة، محلل القطاع الاستهلاكي بإدارة البحوث بشركة "اتش سي" لتداول الأوراق المالية، زيادة في حجم المبيعات خلال النصف الثاني من 2019 يتبعها موجة تعافي أقوى في السنين المقبلة لحجم المبيعات تعم القطاع الاستهلاكي.

وتعتقد أن استجابة كل شركة سوف تختلف بناءً على معدل اختراقها السوقي لكل منتج ونصيب الفرد من الاستهلاك ومستوى المنافسة إلى جانب استمرار كل شركة في تنويع منتجاتها حيث سيؤدي كل ذلك معا لتعافي أسرع في حجم الطلب.

كيف يتحرك العائد على السندات وأذون الخزانة؟

على صعيد السندات وأذون الخزانة، وعلى الرغم من انخفاض العائد على أذون الخزانة لمستويات ما قبل تعويم الجنيه المصري بدعم قرار خفض أسعار الفائدة، فإن الحكومة المصرية قبلت حصيلة أقل من المطلوب بنحو 3.25 مليار جنيه (200 مليون دولار).

وفي بيان، أوضح البنك المركزي على موقعه الإلكتروني، أن متوسط العائد على الأذون لأجل 91 يوماً بلغ 15.605%، بحصيلة 6 مليارات جنيه (370 مليون دولار)، مقابل عائد بلغ 15.62% في العطاء السابق لنفس الأجل.

وأظهر رصد حديث، أن عائد عطاء أمس الأحد، يعد أدنى مستوى للعائد منذ آخر عطاء لأجل 91 يوماً في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2016 الذي سجل 14.594%، وفقاً للبيانات المتاحة من قبل البنك المركزي المصري.

وأوضح البنك المركزي، أن متوسط العائد على أذون الخزانة أجل 273 يوماً بلغ نحو 15.26%، بحصيلة 9.5 مليار جنيه (585 مليون دولار)، مقابل عائد بلغ 15.53% بالعطاء السابق.

وبحسب بيانات البنك المركزي، بلغت حصيلة عطاءات أذون الخزانة الحكومية خلال طروحات أمس الأحد، نحو 15.5 مليار جنيه (955 مليون دولار) لآجال 91 يوماً و273 يوماً، بأقل 3.25 مليار جنيه (200 مليون دولار) من المطلوب البالغ 18.75 مليار جنيه (1.15 مليار دولار).

فرصة كبيرة للاستثمار في أدوات الدخل الثابت

وفي مذكرة بحثية حديثة، قالت وحدة البحوث في "بلتون" المالية القابضة، إن السوق المصرية ما زالت توفر فرصة لا تضاهى للاستثمار في أدوات الدخل الثابت، خصوصا مع ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية. وتوقعت أن تظل عائدات أذون الخزانة جاذبة حتى بعد خفض أسعار الفائدة، بدعم قوة الجنيه المصري وارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية نظراً لتباطؤ التضخم.

ولفتت إلى أنه من بين الأسواق الناشئة ذات العائدات المماثلة، لا تزال مصر تتميز بتحسن مؤشرات اقتصادها الكلي ونمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة +5 بالمائة.

وكانت وزارة المالية في الحكومة المصرية أعلنت أنها تعتمد على تنويع مصادر التمويل بين أدوات الدين والأسواق المحلية والخارجية، منوهة بأنه مع بدء انخفاض أسعار الفائدة محلياً، يمكن التوسع في أدوات تمويلية طويلة الأجل من السوق المحلية، بدلاً من الاقتراض قصير الأجل، والتوسع أيضاً في إصدار السندات متوسطة وطويلة الأجل بدلاً من الأذون بهدف زيادة عمر الدين، والحد من مخاطر إعادة تمويل المديونية القائمة. وتستدين الحكومة من خلال سندات وأذون الخزانة على آجال زمنية مختلفة، وتعتبر البنوك الحكومية أكبر المشترين له.

المزيد من اقتصاد