Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أرض خصبة جديدة لتجنيد مقاتلين في "داعش"

لماذا تنمو الحركة الإرهابية بشدة في طاجيكستان؟

مشتبه فيه في الهجوم على كروكس سيتي هول يخضع للمحاكمة في موسكو، مارس 2024 (يوليا موروزوفا/رويترز)

ملخص

سيستمر التشدد الإسلاموي الناشئ من آسيا الوسطى في تهديد روسيا وتركيا والغرب، إلى أن تجد الحكومات وسيلة لمعالجة أسبابه الجذرية.

في شهر مارس (آذار)، نفذ إرهابيون تابعون لتنظيم  "داعش خراسان"، هجوماً على قاعة "كروكوس سيتي هول" في موسكو، مما أسفر عن مقتل 145 شخصاً وإصابة عدة مئات آخرين بجروح. وسارعت السلطات إلى اعتقال 12 شاباً، جميعهم من طاجيكستان، الجمهورية التي تقع في أقصى جنوب الاتحاد السوفياتي السابق وأكثر دوله فقراً. إن اقتصاد طاجيكستان يحتضر [بفعل الركود الاقتصادي]، وقد أدى المزيج بين معدل النمو المنخفض والتركيبة السكانية الشابة إلى خلق جالية كبيرة من المغتربين، ففي الواقع، يعيش ما لا يقل عن ربع الذكور الطاجيكيين في سن العمل في الخارج. فالدولة التي تركوها وراءهم نظامها قمعي، وحكومتها تظهر العداء لعديد من مظاهر الإسلام، مثلما ترفض أي صورة من صور المعارضة. وهكذا، اجتمعت العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتجعل الشباب الطاجيكي أكثر قابلية للتأثر بالأفكار المتطرفة. إن أجهزة الاستخبارات الروسية مرهقة حالياً بسبب الحرب في أوكرانيا وضرورة مواصلة العمل في الداخل، لكن التطرف بين مجتمعات العمال المهاجرين في روسيا وتدفق الأسلحة من ساحة المعركة الأوكرانية أدى إلى زيادة خطر الإرهاب المحلي، وهو تهديد من المرجح أن ينمو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سخط شديد

طاجيكستان هي الدولة الوحيدة التابعة للاتحاد السوفياتي السابق التي عانت حرباً أهلية واسعة النطاق في مطلع تسعينيات القرن الماضي. وأدى الصراع، الذي شهد مواجهة بين الحكومة المركزية (المدعومة من روسيا) والمتمردين في المحافظات، إلى سقوط 50 ألف قتيل وتشرد نصف مليون شخص. واستطراداً، فجرت تلك الحرب موجة كثيفة من هجرة العمالة من آسيا الوسطى إلى روسيا، وقد استمر هذا الاتجاه طوال العقدين الأولين من هذا القرن، ولم توقفه الحرب الجارية في أوكرانيا. في عام 2023، كان ما يقارب مليون مواطن طاجيكي مسجلين كمهاجرين في روسيا، أي ما يربو من 10 في المئة من سكان طاجيكستان. إنهم ضحايا اقتصاد البلاد الضعيف. في الواقع، ما زال نصف سكان طاجيكستان تحت سن 25 سنة، لذا فإن معدلات البطالة بين الشباب مرتفعة. ونتيجة لذلك، يهاجر الشباب إلى الخارج بحثاً عن الفرص، وتختار الغالبية الذهاب إلى روسيا.

يتولى الرئيس الطاجيكي إيمومالي رحمون السلطة منذ عام 1994، ويرأس نظاماً قمعياً للغاية يقتل الشخصيات المعارضة أو يسجنها، بمن في ذلك القادة والأعضاء في حزب المعارضة الرئيس، حزب النهضة الإسلامية، ويسيطر على المساحة العامة من خلال البروباغندا والفساد المستشري. ويقوم نظام رحمون على المحسوبية [التحيز للأقارب]، فيشغل عدد من أبنائه وبناته مناصب حكومية رفيعة. ويذكر أن أحد أبنائه، رستم، هو رئيس اللجنة الوطنية الطاجيكية ويعتقد على نطاق واسع أنه خليفة والده. وبسبب افتقار البلاد إلى الموارد، يواجه اقتصادها تحديات كبيرة، ويعتمد على التحويلات المالية التي يرسلها المهاجرون (إذ إن نسبة التحويلات المالية تشكل جزءاً كبيراً من الناتج المحلي الإجمالي في طاجيكستان وهي من بين أعلى النسب على مستوى العالم)، وعلى الاتجار بالهيروين من أفغانستان. أما القطاع الزراعي الصغير، الذي يعمل فيه نصف السكان، فهو غير فعال، في حين أن القطاع الخدماتي متخلف.

منذ انتهاء الحرب الأهلية في عام 1997، تعامل نظام رحمون مع الإسلام باعتباره تهديداً لشرعيته وفرض ضوابط صارمة على الممارسات الدينية. فالأجهزة الأمنية تراقب الخطب ورجال الدين من كثب، ولا يسمح للنساء بالصلاة في المساجد، بينما يمنع الأطفال من تلقي صور معينة من التعليم الديني. وجميع العادات الإسلامية "الأجنبية"، مثل ارتداء الحجاب على الطريقة الإماراتية أو التركية، محظورة، ولا يسمح للرجال الذين تلقوا التعليم الديني في الخارج بأن يصبحوا أئمة عند عودتهم. علاوة على ذلك، يتهم النظام خصومه بأنهم متشددون وكلها تسميات تستخدم لوصف الإسلام السياسي المستوحى من الخارج [المتأثر بأيديولوجيات أو حركات ناشئة في الخارج]. ويلقي النظام بصورة روتينية اللوم على الإسلامويين في أي اضطرابات داخلية، فصور على سبيل المثال عدداً من الصراعات المحلية في منطقة بامير المستقلة ومدينة خوروغ التابعة لها على أنها صراعات إسلامية، على رغم أنها كانت في الغالب ناجمة عن صراعات بين النخب. ونتيجة لذلك، كان ظهور "داعش خراسان" نعمة ونقمة في الوقت نفسه بالنسبة إلى رحمون. وعلى رغم أن ذلك أتاح له ربط خصومه بالتطرف الإسلاموي وربما حشد الدعم الدولي لسياساته القمعية الناجمة عن ذلك، فإنه قد يؤدي أيضاً إلى زعزعة استقرار نظامه.

هوية إسلامية جديدة

كان الاتحاد السوفياتي وعدد كبير من دول آسيا الوسطى التي ظهرت بعد تفككه ترى في الإسلام شكلاً من أشكال الثقافة الوطنية التي يجب أن تخضع لسلطة الدولة. لكن هذا المنظور يتعرض لضغوط متزايدة جراء تفسير الإسلام على أنه أكثر تديناً [أي أنه يجعل الناس يتجهون نحو ارتباط أكثر عمقاً بالدين في مختلف جوانب الحياة] وأكثر شمولاً وأكثر تمرداً [أي أنه يتحدى القواعد القديمة والأنظمة القائمة]. بالنسبة إلى عديد من الأجيال الشابة في طاجيكستان، يقدم الإسلام مجموعة جذابة من المبادئ الأخلاقية والانضباط، وملاذاً من البؤس والقمع في بلادهم. وتحت تأثير هذه التوجهات، أعيد إضفاء الطابع التقليدي على أدوار كل من النساء والرجال، مع الضغط على النساء الشابات بصورة متزايدة للخروج من سوق العمل واقتصار دورهن على الإنجاب. يرى عدد من الشباب الطاجيك أنفسهم جزءاً من الأمة وليس مجرد أفراد في دولتهم القومية، ويتطلعون إلى ما هو أبعد من بلادهم بحثاً عن الإلهام. وتبدو الإمارات العربية المتحدة لكثر نموذجاً ناجحاً لدولة يزدهر فيها الإيمان جنباً إلى جنب مع التحديث والرخاء الاقتصادي. وفي الواقع، إن أسلمة المجتمع الطاجيكي ليست في حد ذاتها نذيراً بالفوضى المستقبلية وعنف التطرف الإسلاموي، فأولئك الذين يدعون إلى شن هجمات إرهابية وإلى يوتوبيا الخلافة [المدينة الفاضلة المتمثلة بالخلافة] هم أقلية صغيرة جداً. علاوة على ذلك، فإن التهميش الاجتماعي قد يدفع الناس نحو العنف أكثر من الحماسة الدينية. إن البحوث التي أجراها بعض الأكاديميين، بمن في ذلك نواه تاكر من جامعة هارفرد، حول مقاتلي "داعش"، أظهرت باستمرار أن الدوافع الرئيسة للتجنيد هي الفقر، وغياب الفرص الاجتماعية، والتورط في جرائم بسيطة.

وينطبق هذا على تنظيم "داعش خراسان"، الذي أسس في عام 2015 باعتباره الفرع الإقليمي لـ"داعش"، في وقت كانت الجماعة المسلحة تسيطر على أجزاء كثيرة من العراق وسوريا. وتتمثل مهمته في توحيد المقاتلين من خراسان، وهي منطقة تاريخية تشمل شمال أفغانستان وجزءاً كبيراً من المناطق المستقرة (وليس مناطق السهوب [المساحات الشاسعة من الأراضي العشبية]) في آسيا الوسطى. على غرار التنظيم الأساس، يعتبر تنظيم "داعش خراسان" نفسه وصياً على الأيديولوجية "الجهادية"، ويكرس نفسه لإنشاء خلافة عالمية. لكنه طور أيضاً مزيداً من الهواجس والعداوات المحلية، بما في ذلك مع حركة "طالبان"، المجموعة التي يتهمها قادة "داعش خراسان" بأنها غير متشددة بالقدر الكافي، وأنها تروج لإسلام قومي يتمحور حول البشتون.

يوفر الإسلام في طاجيكستان ملاذاً من البؤس والقمع.

 

في أفغانستان، هاجم تنظيم "داعش خراسان" حركة "طالبان"، وأقلية الهزارة الشيعية، ومعابد الهندوس والسيخ. لكن للتنظيم أيضاً عدد من الأعداء خارج أفغانستان. إنه يندد بالهند، بسبب تعاون نيودلهي مع الحكومة في كابول قبل استيلاء "طالبان" على السلطة في عام 2021 والظلم ضد المسلمين الذي اشتد في ظل الحكومة القومية الهندوسية الحاكمة في الهند، ويعارض أيضاً حركة "حماس" و"حزب الله"، الجماعتين المسلحتين، والحوثيين في اليمن وإيران. وهو معاد لروسيا، بسبب تعاون موسكو مع إيران وسوريا و"طالبان"، فضلاً عن أنه نظم أعمالاً إرهابية متعددة في تركيا، وكذلك في طاجيكستان وأوزبكستان.

لقد وجد تنظيم "داعش خراسان" أن آسيا الوسطى، وطاجيكستان على وجه الخصوص، هي أرض خصبة للتجنيد. واستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بنجاح للعثور على جماهير متجاوبة من خلال المحتوى المنشور باللغات الروسية والوسط آسيوية. في الواقع، تشارك هذه المجموعة منشوراتها باللغة السيريلية الطاجيكية عبر الإنترنت وعلى منصات وسائل التواصل الاجتماعي بما في ذلك "تيليغرام"، من خلال أربع قنوات في الأقل (حماة الأمة، وموفارونهر، وصوت خراسان، وراديو صوت خراسان) وتقدم محتوى دينياً، وأخباراً حول أنشطة "داعش"، وآخر المستجدات في الشؤون الإقليمية والدولية، وتعليمات للمجندين المحتملين. وتنتقد هذه القنوات حكم رحمون الديكتاتوري والمحسوبية، وتنشر عدداً من مقاطع الفيديو الدعائية التي تعرض صوراً مزيفة لإذلاله وموته.

ربما يجند تنظيم "داعش خراسان" مواطنين طاجيكيين متطرفين في الداخل، لكنه يستغل أيضاً مجتمعات الشتات الطاجيكي. فالمهاجرون الذين يواجهون الحرمان من حقوقهم، والعزلة عن أسرهم ومجتمعاتهم، ويعيشون في ظروف مذلة ويتعرضون لكراهية الأجانب، غالباً ما يشكلون أهدافاً واعدة أكثر تقبلاً للتطرف من أولئك الذين يعيشون في مجتمعاتهم الأصلية. لقد تحول كثير من المهاجرين الطاجيك إلى متطرفين أثناء وجودهم في فرنسا وألمانيا وروسيا وتركيا. وبسبب قلق تركيا من هذه الظاهرة وفي أعقاب هجمات كروكوس سيتي هول، ألغت السلطات التركية الإعفاء من التأشيرة الذي منحته للمواطنين الطاجيكيين منذ عام 2018، مما جعل من الصعب بالنسبة إليهم السفر إلى البلاد.

بيئة معادية

واجه المهاجرون الطاجيكيون سوء المعاملة في روسيا، إذ يتركهم الفساد المنهجي تحت رحمة قرارات الشرطة ومخططات الابتزاز. ويذكر أن كراهية الأجانب منتشرة على نطاق واسع، وعلى رغم أن السلطات الروسية قمعت عنف حليقي الرؤوس الذي كان سائداً في العقدين الأولين من هذا القرن، فإن الجماعات اليمينية المتطرفة لا تزال تضايق المهاجرين من آسيا الوسطى وتهددهم بصورة منتظمة. ويعيش عدد من المهاجرين في أماكن معزولة، في مهاجع أو حاويات، ويعانون ظروفاً يرثى لها. واستجابة لهذه التحديات والإهانات، اعتنق كثير من الشباب هوية إسلامية تؤكد الانضباط وترسي القيم الأخلاقية. بالنسبة إليهم، فإن المعاناة المترافقة مع تجربة الهجرة دفعتهم إلى البحث عن الطمأنينة والراحة في الدين. ومنذ بدء الحرب في أوكرانيا، شجعت موسكو المهاجرين على الحصول على الجنسية الروسية ثم جندتهم في القوات المسلحة للقتال على الجبهة.

بدأت السلطات الروسية في اتخاذ إجراءات صارمة ضد المهاجرين الطاجيك وغيرهم من المهاجرين من آسيا الوسطى في أعقاب هجمات كروكوس سيتي هول. فرحلت عدة مئات ممن كانوا يقيمون في روسيا بصورة غير قانونية، واحتجزت المئات في المطارات، وأجرت عمليات تفتيش ترهيبية للمراكز والمنظمات التي تقدم المساعدة القانونية للمهاجرين. إضافة إلى ذلك، مارست موسكو ضغوطاً على الأجهزة الأمنية في طاجيكستان وجيرانها في آسيا الوسطى للتعامل مع الإسلاميين المحليين. لكن فرص نجاح هذه الاستراتيجية ضئيلة، لأنها لا تعالج الأسباب الكامنة وراء تجنيد المتطرفين، ولا يمكن لحملات القمع والترحيل أن تؤدي إلى إنهاء الفقر في المناطق الريفية، أو الحياة المهينة التي يعيشها المهاجرون، أو الافتقار إلى الفرص الاقتصادية، أو استياء الشباب، أو الصعوبات التي يواجهها المهاجرون في الاندماج في المجتمعات المستضيفة.

باعتباره التنظيم  الأسرع نمواً في روسيا، يهيمن "داعش خراسان" حالياً على مشهد التطرف المحلي. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن عن حملة عالمية جديدة "ضد اليهود والمسيحيين والشيعة"، تهدف إلى تجنيد الشباب المحبطين ليقاتلوا في صفوف الحركة. ستظل طاجيكستان مهداً للتجنيد المتطرف، وسيستمر التشدد الإسلاموي الناشئ من آسيا الوسطى في تهديد روسيا وتركيا والغرب، إلى أن تجد الحكومات وسيلة لمعالجة أسبابه الجذرية.

●    مارلين لارويل هي أستاذة بحوث في الشؤون الدولية والعلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن.

مترجم من فورين أفيرز، في 14 مايو 2024

المزيد من تقارير