ملخص
#تجار_ مخدرات ومتهمون باغتيالات "نجوم" معروفة أماكنهم يسرحون في #لبنان ويطلون على القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي
يعيش في لبنان أكثر من مطلوب للعدالة بحرية وبأمان يفتقدهما معظم اللبنانيين. أسماء كبيرة وصغيرة تتمتع بالحماية أو تتخفّى ولا يُقبض عليها. وفي الوقت نفسه تكتظ السجون بالموقوفين المحكومين أو الذين ينتظرون محاكمتهم في ظل حالات تفلت وضياع يعيشها القضاء اللبناني وأجهزة الأمن.
يوم الخميس 16 فبراير (شباط) حاولت قوة من الجيش اللبناني توقيف عدد من المطلوبين بجرائم مختلفة من بينها الاعتداء على الجيش، وعمليات قتل، والإتجار بالمخدرات في بلدة حورتعلا في البقاع. ولكنها اصطدمت بمقاومة مسلحة أدت إلى مقتل ثلاثة عسكريين وثلاثة مطلوبين ولم يُقبض على المتهم الرئيسي زين العابدين نايف المصري، وعدد من أفراد العصابة التي تساعده. هناك في المنطقة القريبة من الحدود السورية توجد معابر كثيرة بين البلدين يتمتع فيها المطلوبون بحرية كبيرة من الحركة والاختباء، بحيث لا تطاولهم يد الأمن اللبناني. ليست حال المصري فريدة من نوعها، ذلك أن عدد الفارين والمطلوبين بموجب مذكرات توقيف يبلغ نحو 35 ألفاً. وللمفارقة هناك مساع من أجل إصدار قانون للعفو عنهم وعن الجرائم المتهمين بها لكنها لم تصل إلى نتيجة بسبب مطالبة بعض القوى السياسية أن يشمل العفو المتهمين بقضايا إرهابية لها علاقة بالتنظيمات الأصولية، وبعمليات التفجير الانتحارية.
زين العابدين المصري من مواليد العام 1972 يتزعم عصابة إجرامية، وصدرت بحقه أكثر من 250 مذكرة توقيف، ومتهم بجرائم كثيرة منها، إطلاق النار برفقة آخرين باتجاه دورية للجيش وإصابة عناصرها بجروح، وتجارة المخدرات، والقيام بأعمال السطو المسلح، ومتورط مع آخرين بقتل الرقيب أول في الجيش شربل النعيمي بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2021. هذه عينة من التهم التي تنطبق عليه وعلى كثيرين غيره.
"أبو سلّة" ونوح زعيتر خارج السلّة
في 3 يونيو (حزيران) من العام الماضي حاولت قوة من الجيش توقيف علي منذر زعيتر الشهير بلقب "أبو سلة" في حي الشراونة في بعلبك، ولكن العملية التي استخدمت فيها طوافات عسكرية وتخلّلتها اشتباكات وحرب شوارع مع المطلوبين ومن معهم، أدت أيضاً إلى مقتل جندي وإصابة خمسة عسكريين وفرار "أبو سلة".
"أبو سلة" كان قيد المتابعة الأمنية منذ فترة طويلة ويعتبر من أكبر تجار المخدرات، والمموّل الأساسي للمروّجين في أكثر من منطقة في لبنان.
ويتجاوز عدد مذكرات التوقيف الصادرة بحقه الألف، وهي مبنيّة على مئات المحاضر والتحقيقات لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية التي تظهر تورّطه بعشرات قضايا الترويج والاتجار بالمخدرات، وتشكيل العصابات المسلحة، وحيازة الأسلحة وإطلاق نار. "أبو سلة" معروف الوجه وتحظى صوره بانتشار لا سيما تلك التي يتباهى فيها بحمل السلاح، والإفلات من قبضة القوى الأمنية، وحاضر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يتردّد عن التعريف بنفسه كتاجر مخدرات. وسبق لـه أن أمضى خمس سنوات في السجن من 2002 إلى 2007، قبل أن يعاود نشاطه الإجرامي عقب خروجه. وهي ليست المرة الأولى التي ينجح فيها بالفرار، بعدما أقام قرب منزله في بعلبك مضافة مفتوحة لتجارة المخدرات. وقد أزالت قوة من الجيش هذه المضافة، كما فعلت مع مضافة مماثلة كان يقيمها المصري في حورتعلا. إحدى عمليات فرار "أبو سلّة" كانت أشبه بمقطع من فيلم بوليسي التقطت تفاصيلها من خلال كاميرا مراقبة مثبتة في المكان الذي حصلت فيه عام 2021، وتظهر تمكنه من الفرار بسيارته من قبضة قوة أمنية خاصة كانت حاصرت مكان وجوده ووجّهت أسلحتها نحوه. لاقى الفيديو في حينها رواجاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي التي كان ينشط عليها "أبو سلّة" وآخرون ممن تلاحقهم القوى الأمنية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من هؤلاء مثلاً نوح زعيتر الصادرة في حقه أيضاً مذكرات توقيف لا تُنفّذ، وهو ظهر في أكثر من مقابلة تلفزيونية، وأصبح أحد أشهر المطلوبين المطمئنين إلى أنّه لن يعتقل. ويتردّد أن هذا الاطمئنان مردّه إلى حماية سياسية وأمنية يتمتّع بها، خصوصاً أنه وغيره من الناشطين في هذا المجال يعيشون في بيئة يتمتّع فيها "حزب الله" بنفوذ كبير، وقد نشر صوراً له وهو يحمل السلاح، ويقول إنه يقاتل مع "حزب الله" في سوريا. وقد نجحت قوة أمنية في اعتقال أحد أبنائه، علي، مع عدد من معاونيه في منطقة كفرذبيان في قضاء كسروان في جبل لبنان في 29 يوليو (تموز) من العام الماضي بعدما سعى إلى توسيع نشاطه، وفتح مراكز جديدة للإتجار بالمخدرات.
سليم عياش ورفاقه
لا يقتصر الأمر على المتّهمين بالإتجار بالمخدرات في الفرار من وجه العدالة. ثمة متّهمون غيرهم لا يقلّون عنهم شهرة في هذا المجال. أبرز هؤلاء مثلاً المتّهمون الثلاثة باغتيال الرئيس رفيق الحريري الذين أدانتهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وأصدرت أحكاماً عليهم بالسجن المؤبّد. ولكن من دون أن يُلقى القبض عليهم، لا قبل الحكم ولا بعده، فهؤلاء لا يُعرف مكان وجودهم، أو أنّ السلطات الأمنية لم تحاول القبض عليهم نظراً لتمتّعهم بالحماية الأمنية واعتبار أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله أنهم "قدّيسون لن يُقبض عليهم لا اليوم ولا بعد مئة عام". وهؤلاء هم سليم عيّاش وحسن حبيب مرعي وحسين حسن عنيسي. رابعهم كان مصطفى بدر الدين الذي قُتل في غارة إسرائيلية على المكان الذي كان يوجد فيه قرب مطار دمشق في 13 مايو (أيار) 2016.
وإذا كانت جريمة اغتيال الرئيس الحريري في 14 فبراير 2005 قد كشف عن الضالعين فيها، فإن جرائم اغتيالات أخرى لم يقترب منها التحقيق وبقيت ملفاتها فارغة. ولكن مسألة الفرار من وجه العدالة لا تقتصر على هذه الجرائم فقط وتتعدّاها إلى أشخاص عملوا في السياسة ولمعت أسماؤهم وأفعالهم في مراحل كثيرة.
الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام الأسبق لـ"حزب الله" قبل العام 1991، اختطّ لنفسه منهجاً خاصاً تحت اسم "ثورة الجياع" قبل أن يتحوّل هذا الخلاف إلى معركة دموية حصلت في 30 يناير 1998 في الحوزة الدينية في بلدة عين بورضاي قرب بعلبك. الشيخ الطفيلي يستمرّ في القيام بنشاطاته العادية في مقر إقامته في مجدلون قرب بعلبك، ويؤمّ المصلين ويخطب فيهم في المسجد، ولا تقترب منه أي قوة أمنية ولا يتم إقفال ملفه. وهو ضيف دائم يطل بين وقت وآخر في مقابلات مع قنوات تلفزيونية وغيرها من وسائل الإعلام.
الشيخ "أبو محجن" وفضل شاكر
أحد أشهر المطلوبين مثلاً هو الشيخ عبد الكريم السعدي الملقب "أبو محجن". فار من وجه العدالة منذ عام 1996 بعد اتهامه باغتيال رئيس جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية الشيخ نزار الحلبي. على رغم اعتقال عدد من المتهمين بارتكاب هذه الجريمة ومحاكمتهم وإعدامهم، فقد اختفى "أبو محجن" ولم يظهر له أثر منذ ذلك التاريخ، مع أن حكماً آخر صدر عن المجلس العدلي في لبنان وقضى بإعدامه لاتهامه بارتكاب جريمة قتل أربعة قضاة على قوس المحكمة في صيدا في عام 1999. وتسري إشاعات أنه لا يزال متخفياً في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا في جنوب لبنان.
"أبو محجن" لم يكن المتهم الوحيد في مخيم عين الحلوة. لقد نجح الجيش اللبناني أكثر من مرة في فرض تسليم مطلوبين على القيادات الفلسطينية في المخيم التي تعاونت معه في هذه العمليات. ولكنه مثلاً لم يتمكن من توقيف الفنان فضل شاكر الذي لجأ إلى المخيم المذكور بعد المواجهة العسكرية التي خاضها الجيش ضد المسلحين التابعين للشيخ أحمد الأسير في منطقة عبرا في عام 2013. شاكر لجأ مع الأسير إلى المخيم ولا يزال هناك، ويمكنه أن يظهر إعلامياً حتى أنه استقبل الفنانة المصرية شيرين عبد الوهاب التي نشرت صورها معه. بينما حاول الشيخ أحمد الأسير الخروج من لبنان مستخدماً هوية مزوّرة فأوقفه عناصر الأمن العام في مطار بيروت حيث حوكم ولا يزال في السجن.
علي ورفعت عيد
كما أن هناك رئيس حزب فار من وجه العدالة مع والده منذ عام 2014. رفعت عيد ووالده علي عيد القريبان من النظام السوري، هو رئيس "الحزب العربي الديمقراطي" في منطقة جبل محسن، في طرابلس، وقد اتُهما بأنها ضالعان في عملية تفجير مسجدين في طرابلس بتوجيه من المخابرات السورية. وقبل أن ينتشر الجيش اللبناني في المنطقة وينهي الاشتباكات التي كانت تحصل بين أحياء في طرابلس وجبل محسن، منطقة سيطرة عيد ونفوذه، تمكّن الوالد من الانتقال إلى سوريا عبر الحدود في عكار، حيث يملك منزلاً في الجهة الأخرى من النهر الفاصل بين لبنان وسوريا، بينما تمكّن الابن من الانتقال إلى سوريا.
عندما تريد الدولة
صحيح أن المطلوبين الفارين بالآلاف، والصادرة في حقهم أحكام ومذكرات توقيف، يعيشون بطمأنينة بانتظار عفو عام أو الدخول إلى السجن. وصحيح أنهم يستفيدون من الفلتان الأمني، ومن الحدود المفتوحة بين لبنان وسوريا، ومن تأمين أمكنة آمنة لهم، ولكن الصحيح أيضاً أنه عندما تقرر الأجهزة الأمنية أن توقف متهماً فإنها تستطيع ذلك. لقد كشفت هذه الأجهزة الأمنية الأسبوع المنصرم، قتلة الشيخ أحمد الرفاعي الذي خطفه أقارب له من بلدته القرقف في عكار وأخرجوا جثته من المكان الذي طمرها فيه القتلة الذين اعتقلوا بعد خمسة أيام من تنفيذ الجريمة باحتراف وبسرية كاملة.
كذلك تمكنت الاستخبارات العسكرية في الجيش اللبناني من تحرير الشاب ميشال مخول بعدما خطفه ثلاثة مسلحين من داخل مدينة زحلة في 26 فبراير وبعد أن استطاع الخاطفون الإفلات من كمين أُعدَّ لهم لاحقتهم القوة الأمنية إلى بلدة بريتال حيث لجأوا واعتقلتهم. ولكن هناك عمليات خطف كثيرة حصلت من بينها مثلاً خطف طفلين سوريين لمدة أكثر من شهرين أطلق الخاطفون سراحهما بعد ذلك من دون معرفة ما إذا كانوا قبضوا الفدية التي طالبوا بها ولكن قوى الأمن لم توقفهم. فبحسب المعلومات عادة ما تكون القوى الأمنية تعرف هوية الخاطفين وتتواصل معهم أحياناً للتفاوض حيث يتم الاكتفاء بعض المرات بإطلاق سراح المخطوفين من دون اعتقال الخاطفين.