Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روبوتات تخوض حروب أميركا على الخطوط الأمامية

غزة أرض اختبار لهذه الأسلحة وسط جدل حول أخلاقية استعمالها

يعد بناء الروبوتات الأرضية التي يمكنها الرؤية والإحساس عبر ساحات القتال الحديثة، أمراً أصعب بكثير (أ ف ب/ غيتي)

ملخص

ليس من السهل الوصول إلى "فورت إيروين" التي تعد أكبر ساحة تدريب عسكري أميركية، فهي تقع في منطقة معزولة وسط صحراء كاليفورنيا على مساحة تعادل ولاية رود آيلاند وتشمل 14 مدينة و1200 مبنى صممت بالأساس لتحمل مختلف ظروف التدريبات العسكرية الصعبة، حيث يمكن التشويش على الطيف الكهرومغناطيسي، وتحليق طائرات من دون طيار، وإطلاق ذخائر كبيرة من دون إزعاج أي شخص.

بعدما أودت حروب الشرق الأوسط بحياة الآلاف من الجنود الأميركيين على مدى عقدين، تسارع الولايات المتحدة الخطى لاستبدال آلات روبوتية بجنود الخطوط الأمامية في ساحات المعارك، وعلى رغم الجدل حول أخلاقية استعمال إسرائيل روبوتات حربية أميركية الصنع في غزوها غزة، إلا أن ذلك لم يمنع الأميركيين من خططهم لجعل هذه الروبوتات القتالية تمثل ثلث عدد الجنود على الأقل للفوز بمعارك المستقبل في إطار سباق أوسع مع الصين وروسيا، فما الذي وصل إليه "البنتاغون" في هذا السباق؟ ومتى يمكن تطبيق المشاريع والخطط الحالية؟ وهل للأخلاق دور في حروب المستقبل الروبوتية؟

في أكبر ساحة تدريب

ليس من السهل الوصول إلى "فورت إيروين" التي تعد أكبر ساحة تدريب عسكري أميركية، فهي تقع في منطقة معزولة وسط صحراء كاليفورنيا على مساحة تعادل ولاية رود آيلاند وتشمل 14 مدينة و1200 مبنى صممت بالأساس لتحمل مختلف ظروف التدريبات العسكرية الصعبة، حيث يمكن التشويش على الطيف الكهرومغناطيسي، وتحليق طائرات من دون طيار، وإطلاق ذخائر كبيرة من دون إزعاج أي شخص.

 

وعلى رغم البيئة الرملية لـ "فورت إيروين" التي صممت لتناسب الأماكن التي تنتشر فيها القوات الأميركية في العراق وأفغانستان على مدى العقدين الماضيين، إلا أنه منذ عام 2014، ومع ضم روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية، استخدم الجيش الأميركي "فورت إيروين" لممارسة عمليات قتالية واسعة النطاق ضد قوات معادية على غرار جيش التحرير الشعبي الصيني والجيش الروسي في معارك المستقبل التي سيكون للروبوتات في الجو والبر والبحر دور كبير وحاسم فيها.

حروب المستقبل

على مدى عقود، ظل جنود المشاة الأميركيون متمسكين بشعار واحد هو: "لا تطلقوا النار حتى تروا بياض عيون العدو"، لكن هؤلاء الجنود وجدوا أنفسهم، خلال عملية تدريب واسعة في "فورت إيروين" الشهر الماضي، في مواجهة عدو مختلف ليس من لحم ودم، ولا يموت بمجرد إطلاق النار عليه، وإنما آلات روبوتية تعمل بعدسات كاميرا وصفائح معدنية، تسير على ثماني عجلات ومسلحة بمدافع رشاشة تطلق النار على مواقع العدو وتوفر غطاء للقوات الحليفة لها.

ومن فوقها كانت روبوتات طائرات الدرون محملة بذخائر دقيقة، وروبوتات أخرى مثبتة على بطنها، تسقط قذائف عيار 60 ميليمتراً على الأسطح، و"روبوتات قاذفة" أسطوانية صغيرة محمولة تصيب أهدافها بدقة مثالية، بينما قامت الكلاب الآلية المزودة بأربع أرجل وأجهزة استشعار، بتفتيش المنازل للتأكد من خلوها.

مشروع التقارب

لكن هذا المشهد الواقعي كان تتويجاً لجهود الجيش الأميركي لفهم كيفية استخدام البشر والآلات الروبوتية معاً في ساحة المعركة ضمن تمرين كبير يُعرف باسم "مشروع التقارب" الذي يعني التقارب بين البشر والآلات الروبوتية، إذ يأمل جنرالات الجيش في الحرب الكبرى المقبلة للولايات المتحدة، بأن تكون الروبوتات هي من يتلقى الضربة الأولى، وهي من يقوم بالوظائف الخطيرة والصعبة التي أودت بحياة أكثر من 7 آلاف من الجنود الأميركيين خلال عقدين من الحروب في الشرق الأوسط، بهدف وضع روبوت في أخطر مكان في ساحة المعركة واختباره في سيناريوهات قتالية واقعية، بدلاً من جندي يبلغ من العمر 19 سنة تخرج حديثاً من التدريب الأساسي.

وعلى رغم أن هذه الروبوتات لم تواجه الرصاص الحي ولا تتوافر لها رؤية محيطية حيث لا يمكنها النظر إلى اليسار أو إلى اليمين كما يفعل الجندي البشري، إلا أنها قطعت شوطاً طويلاً من التقدم في قدراتها، لدرجة أن القادة العسكريين الأميركيين يعتزمون أن يكون لكل وحدة في الجيش الأميركي تقريباً، حتى أصغر الدوريات الراجلة، طائرات درون تابعة لها تحلق في السماء للاستشعار والحماية والهجوم، ولن يمر وقت طويل قبل أن تنشر الولايات المتحدة الروبوتات الأرضية في المعركة ضمن فرق مشتركة بين البشر والآلات.

والفكرة من عمليات التدريب المشتركة بين البشر والآلات الروبوتية التي تتسارع الآن هي أن يقوم الجيش بمعظم جهوده في التدريب، وليس في ساحة المعركة عبر جعل المحاكاة مع العدو أكثر صرامة، والاستفادة بما يمكن أن تحدثه الروبوتات من خلال جذب انتباه العدو بشكل أكبر، وزيادة القدرة على المرونة، وحماية الجنود البشريين، وإضعاف جبهات دفاعات العدو الأخرى.

هل تحل الروبوتات محل البشر؟

وبينما أصبحت الطائرات المسيّرة موجودة في كل مكان بالفعل، حيث يمكن شراء طائرة "كوادكوبتر" من المتاجر الكبرى في أميركا مقابل 50 دولاراً تقريباً، يعد بناء الروبوتات الأرضية التي يمكنها الرؤية والإحساس عبر ساحات القتال الحديثة، أمراً أصعب بكثير، ومع ذلك، فإن مجال الروبوتات العسكرية بأكمله يتسارع لدى العديد من الدول، وعلى سبيل المثال، تعهدت أوكرانيا بإنشاء فرع منفصل لإنتاج طائرات الدرون والمركبات غير المأهولة، كما انخرط الجيش الأميركي بقوة في هذا المضمار، فهو يدرس اقتراحاً لإضافة فصيلة من الروبوتات، أي ما يعادل 20 إلى 50 جندياً روبوتياً، إلى فرق الألوية القتالية المدرعة، والتي تمثل أفضل ألوية المشاة المدعومة بالدبابات.

وفي حين لا يعتقد مسؤولو الجيش أن الروبوتات ستحل محل البشر، أو أنها ستفعل الكثير لحل مشكلة النقص في التجنيد بصفوف القوات الأميركية، إلا أنهم يعملون على حسابات لوصول نسبة البشر إلى الروبوتات إلى نحو إثنين إلى واحد أو ثلاثة إلى واحد، وهدفهم في ذلك هو أن تصبح الولايات المتحدة هي الأفضل من الناحية الفنية قبل أن تفعلها الصين أو روسيا بحسب وصف الجنرال جون موريسون مستشار رئيس أركان الجيش لشؤون الشبكات والأمن السيبراني.

عقبات في الطريق

لكن القادة العسكريين الأميركيين يعترفون بأنه لكي ينجح التكامل بين الإنسان والآلات الروبوتية، يجب أن تدعمه شبكة وظيفية سهلة الاستخدام، تتطلب الحماية من الهجمات السيبرانية مع ضرورة أن تتمتع الأنظمة بالقدر المناسب من الاستقلالية.

لكن العقبة الكبرى هي أن الجيش الأميركي لا يتحرك بسرعة تطور التكنولوجيا وإنما بسرعة الموازنة التي يتحصل عليها من الكونغرس، إذ إن "مشروع التقارب" لا يزال مجرد تجربة، ولم يتمكن الجيش من إدراج معظم هذه التكنولوجيا الجديدة في الموازنة، وهي لا تزال مدرجة في قائمة الأولويات غير الممولة التي يطلب القادة من الكونغرس إضافتها إلى طلب الموازنة المقبلة لعام 2025، في حين أن الصين التي تعد الخصم الرئيس للولايات المتحدة مستعدة تقريباً لإنتاج كل جزء من سلسلة توريد طائرات الدرون والروبوتات.

ويمثل طلب الموازنة المالية لعام 2025 المرة الأولى التي يقوم فيها الجيش الأميركي بتضمين تمويل التشكيلات المتكاملة بين الإنسان والآلات الروبوتية بقيمة 33 مليون دولار كخطوة أولى، والتي توفر قدرة أولية على التكامل بين الإنسان والآلة لتشكيلات المشاة والمدرعات، وتركز على التخلص من الأخطار للجنود، وتزويدهم بمعلومات إضافية لاتخاذ القرار، مع دمج قدرات البنية التحتية والاتصالات والشبكات المشتركة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جدل أخلاقي

وحتى الآن ليس لدى الروبوتات فضول أو غرائز وهي تتمتع أحياناً بالغباء، لكن فكرة إنشاء روبوتات تتمتع بالفضول والغرائز تعد فكرة مرعبة وفقاً للجنرال جيم ريني رئيس القيادة المستقبلية للجيش الأميركي، ويصر المسؤولون الأميركيون على أن المركبات ذاتية القيادة الآن هي تحت سيطرة جندي بشري، وأن قانون الحرب هو الطريقة التي سيطبقون بها كيفية استعمال أنظمة الروبوت والآلات، ومع ذلك لا تزال هناك مخاوف من سوء الاستخدام بخاصة في حالات الحرب.

ولأن العلماء ما زالوا في المستوى الأساسي من بناء الروبوتات، فإنهم في وضع مشابه لما كان عليه أساتذة جامعة "ستانفورد" الذين قاموا ببناء بروتوكولات الشبكة التي أدت إلى الإنترنت، إذ لم يتصوروا كل الطرق التي يمكن للناس من خلالها إساءة استخدام الإنترنت، كما حذر تقرير صادر قبل أيام من منظمة "ببليك سيتيزن" من تركيز وزارة الدفاع الأميركية وشركات الإنتاج العسكري على تطبيق الذكاء الاصطناعي في أنظمة أسلحة الروبوتات القاتلة، ما يمكنها من العمل بشكل مستقل وإدارة القوة المميتة من دون تدخل بشري.

ويشير تقرير "ببليك سيتيزن" إلى أن سياسات البنتاغون لا ترقى إلى منع نشر "الروبوتات القاتلة" المبرمجة لاتخاذ قراراتها بنفسها والتي تجرد الأشخاص المستهدفين من إنسانيتهم وتسهل التسامح مع القتل على نطاق واسع، وهو ما يعد انتهاكاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وتثير هذه القضية تساؤلات حول من يتحمل المساءلة، إذ تحذر جيسيكا ولفنديل أستاذة أخلاقيات العنف السياسي في جامعة "كيس ويسترن ريزيرف" من أنه عندما تتوافر بعض القدرة على اتخاذ القرار في الروبوت نفسه، يصبح من الصعب جداً القول إن البشر الموجودين في أعلى شجرة صنع القرار هم المسؤولون الوحيدون، لذلك تنشأ فجوة في المساءلة قد تؤدي إلى عدم خضوع أحد للمساءلة بشكل فعال.

سياسة البنتاغون

وعلى رغم أن البنتاغون يدرك الأخطار وأصدر توجيهات في يناير (كانون الثاني) 2023، لتوضيح أن سياسته المتعلقة بتطوير واستخدام قدرات الذكاء الاصطناعي في أنظمة الأسلحة المستقلة أو شبه المستقلة سيكون متوافقاً مع المبادئ الأخلاقية لوزارة الدفاع، إلا أن هذه السياسة بها العديد من أوجه القصور، وأهمها أنه يمكن التنازل عن المراجعة العليا المطلوبة لتطوير الأسلحة المستقلة ونشرها في حالات الحاجة العسكرية العاجلة، وفقاً لمراجعة أجرتها "هيومن رايتس ووتش" وكلية الحقوق الدولية بجامعة "هارفارد".

كما يسمح توجيه البنتاغون بالمبيعات الدولية ونقل الأسلحة المستقلة، ولا يشمل الوكالات الحكومية الأميركية الأخرى مثل وكالة الاستخبارات المركزية أو حماية الحدود الأميركية، والتي قد تستخدم أسلحة مستقلة.

ويبدو أن المنافسة على الأسلحة المستقلة ستكون مدفوعة بالتنافسات الجيوسياسية، وسوف يسهم في تسريعها كل من المجمع الصناعي العسكري الأميركي والمقاولين من الشركات، ووفقاً لتقرير "ببليك سيتيزن"، فإن بعض هؤلاء المقاولين العسكريين، بما في ذلك "جنرال دايناميكس" و"فيغور إندستريال" و"أندوريل إندستريز"، يقومون بالفعل بتطوير دبابات وغواصات وطائرات مستقلة ذاتية التشغيل.

غزة ساحة اختبار

وذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أنه يتم تنفيذ إجراءات مماثلة في غزة، حيث يقوم الجيش الإسرائيلي بتجربة استخدام الروبوتات والكلاب التي يتم التحكم فيها من بعد، إذ أصبح القطاع ساحة اختبار للروبوتات العسكرية، بما في ذلك استخدام جرافات غير مأهولة والتي يتم التحكم فيها من بعد، كما أن الروبوت الذي يمشي على شكل كلب والذي يستخدمه الجيش الإسرائيلي في غزة من صنع شركة "غوست روبوتيكس" الأميركية ومقرها فيلادلفيا حيث يستخدم الروبوت في مراقبة المباني والمساحات المفتوحة والأنفاق من دون تعريض الجنود للخطر.

وتستخدم إسرائيل أيضاً نظاماً إسرائيلياً لمعالجة المعلومات الاستخبارية يعمل بالذكاء الاصطناعي، يُسمى "غوسبل"، والذي أدى إلى تسريع كبير في الاستهداف الفتاك بحسب ما ذكرت صحيفة "الغارديان"، إذ يسجل النظام أهدافاً بوتيرة سريعة مقارنة بما كان الجيش الإسرائيلي قادراً في السابق على تحديده، ما يتيح استخداماً أوسع بكثير للقوة المميتة.

ويقول الدكتور جيريمي موسى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة "كانتربري"، التي تركز أبحاثها على أخلاقيات الحرب، إن تقنيات الذكاء الاصطناعي مثل "غوسبل" تعمل كأداة للقتل الجماعي والدمار بدلاً من تعزيز الدقة، مشيراً إلى تدمير 60 في المئة على الأقل من المباني السكنية في غزة كدليل على ذلك، محذراً من أن استخدام هذه الأدوات يتم تقديمه على أنه إنقاذ للأرواح، وفي الوقت نفسه تجريد الشعب الفلسطيني من إنسانيته، وبهذه الطريقة، تكون التكنولوجيا بمثابة محاولة لجعل الحرب تبدو نظيفة ومعنية بالحفاظ على الحياة، على رغم أنها ليست كذلك.

أضاف موسى أن التقدم الحقيقي في التفكير الأخلاقي حول الحرب يتطلب أن نتعامل مع كل الادعاءات المتعلقة بالحرب النظيفة والدقيقة بعين الشك، بغض النظر عما إذا كانت تشنها دولة استبدادية أو ديمقراطية ليبرالية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير