Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تيك توك" تطبيق اجتماعي في الميزان السياسي

أي نسخة منه من دون خوارزميتها الكلاسيكية ستصبح عديمة الفائدة للمستخدمين ولا قيمة لها للمستثمرين

اتفق الجمهوريون والديمقراطيون على أن تطبيق "تيك توك" يشكل خطراً جسيماً على الأمن القومي الأميركي (رويترز)

ملخص

يقول باحثو الخصوصية والأمن في تطبيق "تيك توك" إنه لا يختلف كثيراً عن الشبكات الاجتماعية الأخرى من ناحية البيانات التي يجمعها أو كيفية تواصله مع خوادم الشركة

لا يتفق في العاصمة الأميركية واشنطن الجمهوريون والديمقراطيون على أي شيء تقريباً في هذه المرحلة السابقة على الانتخابات الرئاسية القريبة والحاسمة، إلا أن الحزبين اتفقا، الأربعاء الماضي، بغالبية ساحقة على أن تطبيق "تيك توك" يشكل خطراً جسيماً على الأمن القومي الأميركي لدرجة أنه يجب إجباره على بيع عملياته الأميركية إلى مالك غير صيني.

 

وكانت لجنة الطاقة والتجارة في مجلس النواب الأميركي قد قدمت، في شهر مارس (آذار) الجاري، مشروع قانون يدعو "تيك توك" إلى قطع العلاقات مع شركتها الأم في غضون ستة أشهر أو مواجهة الحظر في الولايات المتحدة بعدما تبين للمشرعين أن القوانين الصينية تسمح للحكومة الصينية بطلب البيانات سراً من الشركات الصينية لعمليات جمع المعلومات الاستخباراتية، مما رفع درجة الترقب والقلق من أن تستخدم الصين توصيات محتوى "تيك توك" في ما يتعلق تحديداً بالمعلومات المضللة، وهو قلق تصاعد في الولايات المتحدة خلال الحرب بين إسرائيل و"حماس"، بعدما تبين خلال هذه الحرب أن هذا التطبيق قد غذى انتشار معاداة السامية وروج للمحتوى المؤيد للفلسطينيين بين المستخدمين الأميركيين، بحسب بعض المحللين في العاصمة واشنطن، وهو مما أدى إلى شيوع الاعتقاد بقدرته على التأثير في الرأي العام إلى درجة تبديله أو تغييره خصوصاً على أبواب الانتخابات الأميركية.

وكان الرئيس السابق دونالد ترمب قد طالب بحظره خلال ولايته بعدما أشاع بأن التطبيق أثر في آراء الناخبين الأميركيين من أجل عدم التصويت له. وعلى رغم مطالبته بحظر التطبيق في حينه فإنه اعتبر، هذه المرة، أن حظر التطبيق الصيني لن يفيد إلا تطبيق "فيسبوك" الأميركي الذي يصفه ترمب اليوم بأنه "عدو الشعب".

الأمركة أو الحظر

وطلب مشروع القانون الذي تم إقراره في مجلس النواب الأميركي قطع "تيك توك" عن أي "علاقة تشغيلية" مع الشركة الأم في الصين "بما في ذلك أي تعاون في ما يتعلق بتشغيل خوارزميات المحتوى". لذا سيتعين على الشركة الجديدة التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها تطوير خوارزمية خاصة بها مصنوعة في أميركا. ويقول المتخصصون الأميركيون في تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي على المستخدمين بأن ما تطمح إليه الحكومة الأميركية قد ينجح أو ربما يتخبط بعدد من العوائق أثناء تطبيقه، ولكنهم يؤكدون أن أي نسخة من "تيك توك" من دون خوارزميتها الكلاسيكية ستصبح بسرعة عديمة الفائدة للمستخدمين ولا قيمة لها للمستثمرين.

 

وكان القرار الأخير الأكثر صرامة ووضوحاً في مواجهة أوسع بين أكبر قوتين عالميتين في مجال التكنولوجيا. ويدخل في إطار السجال رفض الرئيس جو بايدن بيع الصين رقائق الكمبيوتر الأكثر تقدماً، وأخيراً، في اعتراض الصين على فرض البيع القسري لأحد أنجح تطبيقاتها، وقد عبر متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، الأربعاء الماضي، عن هذا الامتعاض الصيني بوضوح قائلاً إن واشنطن "تلجأ إلى الهيمنة القسرية عندما لا تخسر في المنافسة العادلة".

ويرد معارضون لحظر التطبيق، تحت راية حرية الرأي، وعدم التصرف كالحكومة الصينية الشمولية، بأنه لم يكن يفكر أحد في الولايات المتحدة في أن يتمكن المهندسون الصينيون من تصميم تطبيق يفهم عقلية المستهلكين الأميركيين بصورة أفضل من الأميركيين أنفسهم.

أما مديرو التطبيق فيردون بأنهم ينفذون كامل الشروط التي تفرضها الحكومة الأميركية، ومن ضمنها الشفافية، في استعراض المستفيد من البيانات، لكن المسؤولين الحكوميين يصرون على أن مراجعة التغييرات الطفيفة في "الكود"، التي تجرى بسرعة كبيرة أمر معقد جداً حتى بالنسبة إلى أهم الخبراء في هذه التقنيات، ويردد مسؤولو إدارة بايدن أن الأمر ليس مثل تفتيش السلع الزراعية أو عد الأسلحة بموجب معاهدة أسلحة. ويمكن للتغييرات الدقيقة للغاية أن تغير الأخبار التي يتم تسليمها سواء كانت تتعلق بانتخابات رئاسية أو إجراء صيني ضد تايوان.

وكانت مخاوف النواب الأميركيين تتناول محاور مختلفة من تطبيق "تيك توك" أولها الخصوصية أو احتمال التضليل، وثانيها فكرة أن الشيفرة التي طورتها الصين كانت داخل أجهزة "آيفون" الأميركية، على رغم أنها تصنع في الصين أيضاً. ويقال في الأروقة التمثيلية في واشنطن إن خوف المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين كان يتناول هاتين النقطتين معاً. ووصفت النائبة الجمهورية كاثي ماكموريس روجرز، التي تقود لجنة الطاقة والتجارة خلال مناقشة مجلس النواب حول مشروع القانون، "تيك توك" بأنه "أداة دعاية قيمة ليستغلها الحزب الشيوعي الصيني".

مبالغة سياسية أم حقيقة؟

ورداً على مثل هذه التصريحات كان الرئيس التنفيذي لشركة "تيك توك" شو تشيو قد ضاعف تصريحاته حول التزامات الشركة لمعالجة مخاوف المشرعين. وقال "لم تطلب منا الحكومة الصينية أبداً بيانات المستخدمين الأميركيين. وحتى لو طلبت منا ذلك فلن نقدمها لها". وأضاف تشيو أن "جميع بيانات المستخدم الأميركي يتم تخزينها افتراضياً في البنية التحتية لسحابة أوراكل، ويتم التحكم في الوصول إلى تلك البيانات بالكامل من قبل موظفين أميركيين".

ويقول باحثو الخصوصية والأمن في التطبيق إنه لا يختلف كثيراً عن الشبكات الاجتماعية الأخرى من ناحية البيانات التي يجمعها أو كيفية تواصله مع خوادم الشركة.

وكانت الحكومة الأميركية قد وافقت في نهاية عام 2022 على حظر كان في حينه غير مسبوق على استخدام "تيك توك" على أجهزة الحكومة الفيدرالية، وكانت هذه بداية المعركة التي انتهت، قبل أيام، بين الحكومة الأميركية ومجلس النواب في مواجهة الشركة الصينية العملاقة في مجال التواصل الاجتماعي، بعدما اعتبرت الإدارة السياسية في الولايات المتحدة التطبيق خطراً على الأمن القومي الأميركي بسبب قدرته على جمع البيانات والتجسس على الأميركيين من قبل أجهزة الاستخبارات الصينية حيث تقع الشركة الأم.

وجاء تبرير حظر الحكومة الأميركية "تيك توك" على الأجهزة الصادرة عن الحكومة الفيدرالية، قبل عامين، بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي في شأن شركتها الأم ByteDance ومقرها الصين. وكانت الولايات المتحدة قد عبرت عن خشيتها من أن تتمكن الحكومة الصينية من الوصول إلى تلك الأجهزة وإلى بيانات المستخدم الأميركية.

وكانت محاولات حظر التطبيق قد بدأت في عهد ترمب إلا أنها لم تستكمل إلا قبل أيام في عهد جو بايدن وفي إطار الحملة الانتخابية المشهودة بين المرشحين إلى رئاسة الولايات المتحدة. وأدى القرار الذي صدر، في أواخر عام 2022، إلى منح مدير مكتب الإدارة والموازنة الأميركي وسائر المكاتب الحكومية 60 يوماً للتوصل إلى معايير وعمليات لجميع الموظفين الحكوميين لإزالة التطبيق من هواتفهم، وقام عديد من الوكالات الفيدرالية في حينه مثل البيت الأبيض ووزارات الدفاع والأمن الداخلي والخارجية بحظر "تيك توك" عن أجهزة الموظفين، وأصدرت كاثرين سزبيندور كبيرة المسؤولين الإداريين في الكونغرس الأميركي تعليمات لجميع الموظفين والمشرعين بحذف التطبيق من أجهزتهم. وكان مشروع القانون يتعلق بحظر التطبيق من الأجهزة الحكومية الفيدرالية من دون أن يطاول سائر المواطنين الأميركيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في عام 2020 وقع ترمب أمراً تنفيذياً يفرض بيع "تيك توك" لشركة أميركية في غضون 45 يوماً، لكن الأمر تم تعليقه في المحكمة ثم ترك ترمب منصبه قبل إصدار حكم نهائي. وفي عام 2021 ألغى الرئيس جو بايدن هذا الأمر التنفيذي ووقع دعوته الخاصة لتحسين ضوابط خصوصية البيانات على تطبيقات الوسائط الاجتماعية، كما أطلق بايدن مراجعة أمنية للتطبيقات التي يمكن استغلالها من قبل خصوم أجانب، وأمر وزارة التجارة بوضع استراتيجية لمعالجة هذه المشكلة، لكن لم يصدر أي من التوجيهين توصيات محددة حتى الآن.

في أبريل (نيسان) 2022 كان السيناتور جوش هاولي عن ولاية ميسوري قد طالب بحظر مشابه للحظر الذي يدخل حيز التنفيذ الآن بعدما وصف "تيك توك" بأنه "حصان طروادة للحزب الشيوعي الصيني داخل القلعة الأميركية". كما شجع السيناتور الديمقراطي مارك وارنر من ولاية فرجينيا الجهود المبذولة لحظره على الأجهزة الحكومية، ودعا مزيداً من الولايات إلى "اتخاذ إجراءات لإبقاء التكنولوجيا الحكومية لدينا بعيداً من متناول الحزب الشيوعي الصيني".

الآثار الجيوسياسية لهذا الحظر؟

ويظهر رأي آخر ومعارض لإجراءات الحكومة الأميركية تجاه التطبيق الصيني أو غيره من التطبيقات الأجنبية في المستقبل، ويعتقد البعض أن الحظر داخل الولايات المتحدة سيؤدي إلى الضرر بوسائل التواصل الاجتماعي الأميركية في الدول التي تقرر معاملة قرارات الحكومة الأميركية بالمثل. وفي رأي جيليان ديبولد لصحيفة "نيويورك تايمز"، وهو محلل السياسات في "مركز ابتكار البيانات"، فإن "الحظر الشامل على التطبيقات القائمة على الملكية الأجنبية لن يؤدي إلا إلى الإضرار بالشركات الأميركية على المدى الطويل، لأن الدول قد تسعى إلى حظر الخدمات الأميركية عبر الإنترنت بسبب مخاوف مماثلة تتعلق بالأمن القومي".

ويقول نقاد آخرون إن التطبيق لا يجمع بيانات مستخدم أكثر من عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، وإن الصين تتبع طرقاً أخرى للتجسس الإلكتروني أكثر ضرراً مما يمكن أن تحققه من خلال "تيك توك".

ويشير الخبراء إلى أنه لا يزال بإمكان الصين شراء بيانات المستخدمين الأميركيين في السوق المفتوحة من خلال وسطاء البيانات أو الوسطاء الذين يشترون ويبيعون البيانات، وعديد من هؤلاء السماسرة هم شركات أميركية.

ويرى آخرون، في المؤسسات التي تعنى بالحريات الشخصية والعامة في أوروبا والولايات المتحدة، بأنه يجب حل هذه المشكلة من جذورها وليس بنتائجها أو عبر الحظر الذي قد يبدو قراراً شمولياً أو تعسفياً شبيهاً بتلك التي تتخذها حكومات الدول الشمولية وغير الديمقراطية، أما الحل فيكون بمعالجة المخاوف من تسرب البيانات بصورة مباشرة، عبر إصدار تشريعات تعمل على حماية بيانات المستهلك التي تتطلب من الشركات الصراحة في الكشف عمن يشاركون البيانات معه إلى أية جهة تبعوا سواء الحكومية أم غير الحكومية. فالشفافية في فهم مصب هذه البيانات أفضل من منع التطبيقات بصورة نهائية، وإلا سيبدو الأمر كما لو أن الحكومة الأميركية تتبنى استراتيجيات الحكومة الصينية في المنع والحظر كما قال المستشار العام لمؤسسة الحدود الإلكترونية كورت أوبسال، أي إنها تتبنى "واحدة من السمات المميزة لاستراتيجية الإنترنت الصينية".

أما مصدر قلق الذين يطالبون بالحظر الكلي أو نقل ملكية فرع الشركة في الولايات المتحدة إلى شركة أميركية فهو أن الحزب الشيوعي الصيني يمكن أن يستخدم خدمة مشاركة الفيديو لنشر المعلومات المضللة أو المعلومات الخاطئة أو الدعاية، فقد أظهرت التحليلات الخارجية أن التطبيق قد فرض في بعض الأحيان رقابة على المحتوى الذي ينتقد الحزب الشيوعي الصيني بما في ذلك مقاطع الفيديو حول معاملة بكين لمجموعة "الإيغور" العرقية واحتجاجات ميدان تيان آن من عام 1989.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن دولاً أخرى حظرت التطبيق أيضاً مثل إندونيسيا والهند التي حظرت بصورة دائمة "تيك توك"، إلى جانب أكثر من 50 تطبيقاً صينياً آخر بعد نزاع حدودي مع الصين بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي.

وتواصل المفوضية الأوروبية تحقيقات متعددة في امتثال التطبيق لقوانين خصوصية البيانات في الاتحاد الأوروبي. وفي بعض البلدان ذات الغالبية المسلمة، بما في ذلك ماليزيا وبنغلاديش، تم حظر "تيك توك" لقدرته على نشر محتوى "غير لائق" في حين أن عديداً من منصات التواصل الاجتماعي الغربية مسموح بها ولكن خاضعة للإشراف الشديد.

أصول "تيك توك"

وتختلف أصول "تيك توك" عن قصص بدايات منصات التواصل الاجتماعي الأميركية المختلفة، فهذه ليست إمبراطورية بناها صديقان لديهما فكرة رائعة في مرآب المنزل.

فقد بدأ التطبيق كثلاثة تطبيقات مختلفة، كان الأول تطبيقاً يسمى Musical.ly الذي تم إطلاقه في شنغهاي، عام 2014، ولكن كانت لديه روابط تجارية قوية في الولايات المتحدة، وفي عام 2016، أطلقت شركة التكنولوجيا الصينية العملاقة ByteDance خدمة مماثلة في الصين تسمى  Douyin اجتذبت 100 مليون مستخدم في الصين وتايلاند في غضون عام واحد، ثم اشترت Musical.ly وبدأت التوسع العالمي لـ"تيك توك".

ويكمن سر هذا التطبيق في استخدامه الموسيقى والخوارزميات بصورة تقدم المحتوى الذي يحب المستخدمون رؤيته بشكل أسرع بكثير من عديد من التطبيقات الأخرى. وظهرت عديد من مجتمعات "تيك توك" التي يرتبط بعضها ببعض من خلال أنواع المحتوى الذي يستمتعون به، مما يكرس إحساسهم بالهوية المشتركة الذي يحققه التوافق على المحتوى ومضمونه، ثم في مرحلة لاحقة على إشاعته والحصول على أكبر عدد من التقديرات الإيجابية، مما يؤدي تلقائياً إلى توسيع الجماعة المتآلفة على هذا التطبيق ويحولها إلى قوة ذات تأثير في أي نوع من أنواع القضايا، سواء كانت جدية أو عبارة عن تسلية عادية.

وفي الإحصاءات والأرقام، جرى في يوليو (تموز) من عام 2022 مليار عملية تنزيل في جميع أنحاء العالم، منها 500 مليون مستخدم نشط. وبعد مرور عام في يوليو عام 2023 تم تنزيل ملياري عملية من قبل نحو 800 مليون مستخدم نشط.

المزيد من متابعات