Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من البندقية إلى بيروت: الأرض تتذكر موتها لتحيا

معرض يوثق الإبادة البيئية كجريمة صامتة في زمن الذكاء الاصطناعي

من جو معرض "الأرض تتذكر" في المتحف اللبناني (خدمة المعرض)

ملخص

"الأرض تتذكر" معرض في المتحف الوطني اللبناني، جناح نهاد السعيد للثقافة، يتجاوز مفهوم العرض الفني التقليدي، ليأخذ شكل مؤسسة تخييلية تحمل اسم "وزارة ذكاء الأرض"، في مواجهة مباشرة مع حقائق الدمار البيئي.

في الميثولوجيا الفينيقية، لم تكن الأرض مجرد مساحة جغرافية أو وعاء محايد للأحداث، بل كائناً حياً، ذاكرة تنبض بصراعات الخصب والفناء، وتنهض بالحرب كما بالمطر، في رؤية كونية ترى في الدفاع عن الأرض فعلاً مقدساً، وفي فقدانها سقوطاً وجودياً. اليوم، وبعد آلاف السنين، تعود الأرض لواجهة السؤال، لا بوصفها رمزاً أسطورياً، بل كجسد جريح. ففي لبنان، ولا سيما في جنوبه، إذ تكثفت الاعتداءات الاسرائيلية خلال العامين الماضيين، لم تستهدف الحرب البشر وحدهم، بل طاولت البنية الحيوية بكاملها: الأحراج، والتربة، والمياه الجوفية، والحقول، والتنوع البيولوجي، في ما يمكن توصيفه بوضوح كـ"إبادة بيئية ممنهجة"، تحول فيها الدمار من نتيجة عرضية إلى استراتيجية صامتة، تدار بأدوات تكنولوجية متقدمة، تحيل الأرض إلى مجرد سطح رقمي قابل للمحو.

في هذا السياق، يأتي معرض "الأرض تتذكر" في جناح نهاد السعيد للثقافة في المتحف الوطني في بيروت، بوصفه مشروعاً يتجاوز العرض الفني التقليدي، ليأخذ شكل مؤسسة تخييلية تحمل اسم "وزارة ذكاء الأرض"، في مواجهة مباشرة مع حقائق الدمار البيئي في لبنان. المعرض، المستمر حتى الـ28 من فبراير 2026، هو جزء من برنامج "من البندقية إلى بيروت" الذي أطلقته وزارة الثقافة، لنقل الجناح اللبناني الفائز في بينالي البندقية (الدورة الـ19 المخصصة للعمارة بعنوان "الذكاء الاصطناعي" 2025)، ونظتمه مجموعة العمارة في لبنان (CAL)، المؤلفة من إدوار سعيد وشيرين دمر وإلياس تامر ولين شمعون، التي ترى في إعادة الجناح إلى بيروت فرصة لاستكمال الحوار الذي انطلق عالمياً، مع المجتمع اللبناني الذي يعيش هذه الحقيقة المأسوية يومياً.

التصورات الفنية

لا يستعيد المعرض الأرض بوصفها موضوعاً بصرياً، بل كأرشيف حي للوجع، وكجسد يحتفظ بندوبه في طبقاته، وذاكرة تتحدى النسيان. هنا يتقاطع الفن مع الأسطورة، والتاريخ مع الراهن، والتقنية مع الأخلاق، لطرح سؤال مركزي: كيف يمكن للفكر، في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، أن يعيد للأرض صوتها المسلوب، وأن يحول الذاكرة من مجرد توثيق إلى فعل مقاومة؟

من هذا التوتر الخلاق، يولد المعرض كمساحة تأمل ومساءلة، فهو لا يكتفي بتوثيق الخراب، بل يسعى إلى إعادة بناء علاقة أخلاقية ومعرفية جديدة بين الإنسان وأرضه. "إن قصة لبنان ليست إلا نموذجاً مصغراً لصراع عالمي أوسع"، بحسب المانيفستو المرافق للمعرض. وقد أعادت تجربة دمار غزة، ومن بعدها الجنوب اللبناني، إلى الواجهة المخاوف و"التصورات الفنائية" الآخذة في الانتشار، التي تعبر عن فقدان الثقة بالقيم السائدة، وتستدعي تحذيرات نيتشه من انقلاب القيم في مختلف مجالات الحياة. أفكار عن زوال الأرض والعالم، و"ما بعد الإنسان"، وعن سياسات تحويل الخراب إلى "فندق الهاوية الكبير"، تتقاطع مع خطاب جنائزي يسعى إلى قبر اليوتوبيا الإنسانية وإلقاء الإنسان في القفر والمجهول. غير أن مؤشرات عدة تدل على تحول في الوعي خلال السنوات الأخيرة، يشي بولادة إنسانية جديدة، تتخفى في طياتها بذرة أمل. كيف يواجه المهندسون - الفنانون الأربعة موت الأرض؟

"قبل الهندسة المعمارية هناك الأرض"

منذ اللحظة الأولى، يشعر الزائر لمعرض "الأرض تتذكر"، بأنه داخل فضاء فني "حراكي" يضعه في مواجهة حسية مع الدمار البيئي المتعمد، الناتج من العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان خلال العامين الماضيين: حرائق، وتلوث، وتجريف، واستخدام أسلحة محرمة خلفت أثراً ساماً طويل الأمد في التربة والمياه. غير أن المشروع لا يتوقف عند حدود التشخيص، بل ينطلق من سؤال مركزي يسبق التفكير في إعادة الإعمار: كيف يمكن شفاء الأرض من أجل أجيال مقبلة؟

يتجسد هذا السؤال في تجربة عرض غامرة (immersive)، تقوم على بنية مفاهيمية دقيقة: شاشات عملاقة متدلية تحيط بالزائر، تعرض خرائط وبيانات ومشاهد أرشيفية لمواقع القصف وأحزمة النيران على الشريط الحدودي، يترافق معها فيلم وثائقي يوثق لحظات التدمير وانتشار الحرائق، على وقع أزيز الطائرات المسيرة (الدرون) في قاعة العرض، في تكثيف حسي لفكرة التهديد المستمر. وإلى جانب ذلك، ينتشر أرشيف ورقي مفتوح للتصفح، مدمج بالتراب، في استعارة بليغة لذاكرة تدفن وتستعاد في آن، ولتوثيق هش يقاوم محو الأثر.

يتحول هذا البناء الحسي إلى بنية تنظيمية داخل الجناح عبر أربعة أقسام تشكل نواة "وزارة الأرض الخيالية": قسم تقارير الإبادة البيئية، لتوثيق الجراح بوصفها وقائع تستوجب التذكر والمساءلة. وقسم رسم الخرائط المضادة، الذي يعيد النظر في السرديات السائدة عبر كشف ما جرى محوه من مشاهد طبيعية ومسارات حياة. وقسم الأنواع المتوطنة، الذي يركز على حفظ البذور والتنوع البيولوجي، انطلاقاً من فكرة صمود الحمض النووي للأرض وقدرته على التكيف والتجدد. ويعرض هذا القسم 43 نوعاً من البذور المهددة بالانقراض، في بلد يقع ضمن حوض المتوسط، ثاني أكبر بؤرة للتنوع البيولوجي في العالم. أما قسم الشفاء الاستراتيجي، فهو يعمل على استراتيجيات استعادة بيئية تستند إلى معارف محلية وأصلية، لإعادة تفعيل التوازن الطبيعي.

وتستمد مادة بناء الجناح دلالتها الرمزية العميقة، من مكعبات الطوب التي شيدت بها الأرضية، وهي من تربة حمراء، جلبت من البقاع اللبناني، مدموجة ببذور القمح، مرصوفة في طبقات تشبه المدرجات الزراعية، في إشارة إلى القمح بوصفه أحد أقدم المحاصيل المهجنة في هذه المنطقة، وإلى لبنان كأحد مواطن هذا الإرث الحيوي. ومع مرور الوقت، ستنبت هذه البذور، في مشهد حي يكرس فكرة "الذكاء الطبيعي" وقدرة الأرض على التجدد، حتى في أقسى ظروف الاستهداف.

"شجرة واحدة يمكن أن تكون فعل تحد، بذرة واحدة يمكن أن تكون إعلان بقاء".

يتوقف المعرض عند بعض السرديات التاريخية والميثولوجية عبر عرض صفحات مقتطفة من كتابات مؤرخين، منها نص رامي زريق "الكتابة على الجدران: أدون وعشتار ومدرجات جبل لبنان"، بما يحمله من إسقاطات للأسطورة على الراهن، ولا سيما في ما يخص الأرض المنهكة من الاحتلال والعنف. فاستدعاء اسم "أدون" -  اختصار أدونيس، رمز الحياة وإله الخصب - ينقل القضية من مجرد تقرير عن دمار بيئي إلى سؤال وجودي وتاريخي: الأرض هنا ليست "تراباً"، بل كياناً حياً يقاوم ويتذكر، يمر بالموت بفعل الحرب، ويحمل في داخله حتمية البعث عبر الصمود والزراعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يستخدم النص - الأسطورة كاستعارة (Metaphor) لما يحدث في قرى الجنوب، لاسيما بلدة كفركلا، المعروفة بثروتها الزراعية الكبيرة، إذ تعرضت لقصف كثيف استخدم فيه الفوسفور الأبيض، مخلفاً حرائق واسعة دمرت أشجار الزيتون والمحاصيل، ومنعت الأهالي من الوصول إلى أراضيهم، قبل أن يستكمل التدمير باقتلاع الأشجار وتجريف الأرض. في هذا السياق المفجع، تتحول أشجار الزيتون والبذور، إلى تجسيد معاصر لأسطورة أدونيس: فـ"طعنة إله الحرب" تقابلها "بذرة" تعلن استمرار دورة الحياة.

ولكي تبقى هذه المعرفة حية في الذاكرة، أعد المهندسون الأربعة كتاباً صمم على هيئة علبة - هدية، يضم خلاصة البحوث الميدانية، لا بوصفه عملاً منجزاً، بل مشروعاً مفتوحاً على الإضافة والتحديث، انسجاماً مع مسار توثيقي يلاحق آثار حرب لم تنته بعد.

بهذا المعنى، لا يبدو المعرض أرشيفاً بصرياً للخراب فحسب، بل مختبراً أخلاقياً ومعرفياً يعيد وصل الأسطورة بالراهن، ويواجه ذكاء الآلة العسكري بذكاء الأرض الكامن. فمن "بعل" الذي قاتل ليهطل المطر، إلى الخوارزميات التي تنزل النار، يتجدد الصراع ذاته: صراع الحياة في مواجهة الإبادة، إذ تتحول الذاكرة إلى فعل مقاومة، ويغدو الفن مساحة سيادية للدفاع عن الأرض، لا بوصفها موضوع حنين، بل شرطاً للوجود.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة