Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آندرو: من الامتياز الملكي إلى التداعيات الكارثية

كثيراً ما اعتبر الأمير السابق الابن المفضل لملكة بريطانيا، إذ نشأ ولديه شعور عميق بالاستحقاق جعله يعتقد بأنه فوق المساءلة لعقود طويلة، لكن كيف دفع آخرون ثمن شعوره هذا بالحصانة؟

حماية والدته رسخت شعور آندرو بالحصانة، تاركة تشارلز يتولى مهمة التعامل مع العواقب (غيتي)

ملخص

من ابن مدلل محاط بالحماية الملكية إلى أمير تطارده فضائح إبستين، تتكشف قصة آندرو بوصفها مساراً من الامتياز غير المشروط إلى عزلة متنامية، بعدما انهارت مظلة والدته، وتكاثرت الأدلة، وباتت المطالبات بالمحاسبة أعلى من أي وقت مضى.

حمل إعلان الملك تشارلز سحب الألقاب المتبقية من شقيقه آندرو وقعاً خاصاً، وما لا ينكره أحد عن آندرو ماونتباتن - ويندسور هو شعوره العميق بالاستحقاق. في سيرتها الذاتية الصادرة بعد وفاتها بعنوان "فتاة لا تخص أحداً" Nobody’s Girl، وصفت فيرجينيا جوفري لقاءها به في منزل غيلاين ماكسويل في حي بيلغرافيا الراقي في لندن عام 2001 قائلة "كان ودوداً إلى حد ما، لكن شعوره بالاستحقاق كان بادياً، كما لو أنه كان يؤمن بأن ممارسة الجنس معي حق من حقوقه الموروثة".

على رغم أن آندرو ينفي هذه الاتهامات نفياً "قاطعاً"، إلا أن شريحة واسعة من الجمهور قد قررت بالفعل موقفها منه. من ناحية أخرى، لم تسهم الدفعة الأحدث من ملفات إبستين في تحسين موقفه، إذ كشفت عن صور جديدة شديدة الإدانة تظهر الأمير السابق منحنياً على أربع فوق امرأة شابة ممددة تحته على السجادة. كما أن رسائل البريد الإلكتروني التي أرسلها آندرو إلى إبستين ويعده فيها بـ"مزيد من اللهو قريباً!"، كشفت عن كذب ادعائه بأنه قطع اتصالاته بالكامل مع الجاني المدان.

تضاف إلى ذلك رسائل بريد إلكتروني جديدة تكشف عن أن آندرو شارك مع أطراف أخرى تقارير من فترة عمله سفيراً تجارياً للمملكة المتحدة، مما أعاد تسليط الضوء عليه باعتباره محور اهتمام الشرطة مجدداً. بعد أن أغلقت شرطة العاصمة تحقيقها في مزاعم بأنه طلب عام 2011 من أحد حراس الحماية، وهي حماية ممولة من دافعي الضرائب، جمع معلومات ضارة عن فيرجينيا جوفري، باتت الآن شرطة العاصمة تقيم اتهامات تشير إلى أن آندرو ماونتباتن-ويندسور شارك تقارير حكومية سرية مع جيفري إبستين.

يوماً بعد يوم، تصبح الصورة أكثر غموضاً.

إعادة مشاهدة مقابلة إيميلي مايتليس سيئة السمعة تركت كثيراً من المشاهدين في حيرة من أمرهم حول سبب اعتقاده بأنه يستطيع الإفلات من هذه الأكاذيب الجريئة، لكن التنشئة التي تبدأ منذ خطواتك الأولى بلقب "صاحب السمو الملكي" تزرع شعوراً مبالغاً فيه بالاستحقاق. نشأ آندرو على إحساس قوي بقيمة ذاته، رسخته إلى حد كبير والدته وحاميته الكبرى، الملكة الراحلة إليزابيث الثانية. لكن بعد رحيلها، لم يعد هناك من يحميه، وكانت مسألة وقت فقط قبل أن يفرض شقيقه الأكبر الملك تشارلز عقوبة شعر كثيرون أنها مستحقة ومتأخرة كثيراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان التنافس بين الشقيقين حاضراً منذ البداية، عندما ولد تشارلز، كانت والدته مشغولة جداً، إذ راحت صحة والدها تتدهور، مما اضطرها إلى تولي الواجبات العامة نيابة عن الملك. أما والده الأمير فيليب، فكان آنذاك ضابطاً في البحرية وخدمته في مالطا. وبعد مرور أقل من أسبوع على إتمام تشارلز عامه الأول، انضمت الأميرة إليزابيث إلى زوجها هناك، تاركة ابنها في رعاية الحضانة الملكية.

عندما أصيب تشارلز بالتهاب اللوزتين، لم يعد أي من والديه للوطن للاطمئنان عليه. قامت والدته بزيارة في عيد ميلاده الثاني، لكنها في عيد ميلاده الثالث كانت في جولة رسمية بالولايات المتحدة وكندا. وبعد فترة قصيرة، كانت في كينيا حين توفي الملك في السادس من فبراير (شباط) عام 1952، لتصبح إليزابيث ملكة بينما كان تشارلز حينها لا يتجاوز الثالثة من عمره.

بعد ثماني سنوات، وأثناء إقامة تشارلز في مدرسة داخلية، ولد آندرو. بحلول ذلك الوقت، كانت الملكة قد اعتادت على دورها كحاكمة، فقلصت التزاماتها المسائية وقللت من رحلاتها الخارجية لتقضي وقتاً أطول مع ابنها الجديد. كانت تدفع عربته حول حدائق القصر، تزور طيور الفلامنغو في البحيرة، وعندما كانت المربية تأخذ استراحة من العمل، كانت الملكة تتولى بنفسها رعايته قبل النوم والقيام بكل ما لم يختبره تشارلز إلا نادراً. أطلق الموظفون على آندرو لقب "الطفل سيئ المزاج" بسبب نوبات غضبه، أما فيليب فكان يسميه "الرئيس". وبغض النظر عن سلوكه المتمرد، قلما كان يعاقب، وكان من الواضح بالنسبة إلى كثير من الزوار والمراقبين أنه الابن المفضل.

أرسل كلا الصبيين إلى مدرسة غوردنستاون الداخلية الصارمة في اسكتلندا، التي درس فيها فيليب. وجد تشارلز المدرسة قاسية، ووصفها بأنها "سجن كولديتز بلباس اسكتلندي" [سجن كولديتز كان معتقل نازي سيئ السمعة خلال الحرب العالمية الثانية]، أما بحلول وقت وصول آندرو، فقد جرى تخفيف صرامة النظام بعض الشيء، وتركيب تدفئة مركزية وفرش الأرض بالسجاد وتقليل العقوبات الجسدية، والأهم من ذلك السماح بوجود الفتيات، ليكتسب آندرو لقب "آندي المغازل".

سار الأخان على خطى والدهما في البحرية الملكية، وبينما تولى تشارلز قيادة كاسحة ألغام قديمة في المياه البريطانية، قاد آندرو مروحيات خلال نزاع جزر فوكلاند. وعند عودته، تم استقباله استقبال الأبطال، مما زاد من شعوره بالاستحقاق. تبع ذلك تكريمه بالأوسمة: ففي عام 2003 حصل على رتبة "فارس قائد" في وسام فيكتوريا الملكي، ثم رفعته الملكة بهدوء عام 2011 إلى رتبة أعلى هي "فارس الصليب الأكبر". كان يحصد الأوسمة باستمرار، ثم يجلس بعدها مع الملكة لتناول الشاي.

عندما تزوج تشارلز من ديانا وأنجب صبيين، تراجع آندرو في ترتيب ولاية العرش، ومثله مثل عدد من الورثة "الاحتياطيين" واجه صعوبة في إيجاد هدف واضح لحياته. بعد مغادرته البحرية، أصبح مبعوثاً تجارياً للمملكة المتحدة. عرف بلقب "أندي جامع الأميال الجوية" بسبب نفقاته الضخمة ورحلاته بالطائرة حول العالم، ولعبه الغولف، وارتباطه بأشخاص مثيرين للجدل، وجذبه انتقادات عديدة، لكن محبة والدته الملكة له لم تتبدل.

على كل حال، انهارت هالة الحصانة التي كان يعتقد آندرو أنها تحميه عام 2010 عندما نشرت صحيفة "نيوز أوف ذا ورلد" News of the World صورة له مع المجرم الجنسي المدان جيفري إبستين. استقال بعدها من مهماته العامة، وكان القصر يأمل أن يضع هذا حداً للقضية، لكن فيرجينيا جوفري كانت قد بدأت بالفعل التحدث إلى الشرطة. ففي عام 2009 رفعت دعوى من دون الكشف عن اسمها ضد إبستين وغيلاين ماكسويل، التي تقضي الآن حكماً فيدرالياً بالسجن 20 عاماً في أميركا لتورطها في تشغيل قاصرين.

وعلى رغم الادعاءات بأن جوفري تعرضت للتشغيل وأجبرت على ممارسة الجنس مع آندرو، الأمر الذي ينفيه، رفضت شرطة لندن فتح تحقيق رسمي. ووجهت وزارة العدل الأميركية طلبات متكررة بموجب اتفاق المساعدة القانونية المتبادلة لاستجواب آندرو من مكتب التحقيقات الفيدرالي، قال الأمير إنه مستعد للتعاون لكنه لم يفعل. ووفق بروتوكول المساعدة القانونية المتبادلة، في حال رفض آندرو كان يجب على وزارة الداخلية البريطانية تسهيل استجوابه من شرطة العاصمة، لكن ذلك لم يحدث، مما أثار تساؤلات حول من كان يحميه بالفعل.

في أغسطس (آب) من عام 2021، رفعت فيرجينيا جوفري دعوى مدنية في نيويورك تتهمه بالاعتداء الجنسي. وكتبت في مذكراتها أنه عند انطلاق العملية القانونية، تعذر تسليم أوراق الدعوى، لأن آندرو "فر إلى بالمورال واختبأ وراء بواباته". وفي نهاية المطاف، أمر القاضي لويس كابلان بأنه يمكن تسليم الأوراق عبر محاميه المقيمين في لوس أنجليس.

سويت الدعوى من دون أي اعتراف بالمسؤولية، في مقابل مبلغ يقدر بـ12 مليون جنيه استرليني. وقال مصدر مطلع على الصفقة إن الاتفاق لم يوقع إلا بعد أن قدم آندرو إثباتاً بأنه حصل على الأموال من بيع شاليه في سويسرا بقيمة 17 مليون جنيه استرليني، وأفادت تقارير عدة بأن الملكة أسهمت من أموالها الخاصة بجزء كبير من المبلغ، بما في ذلك تبرع شخصي لجمعية دعم ضحايا جوفري. وحتى بعد التسوية، احتفظ آندرو ببعض امتيازاته: كمستشار دولة، ودوق يورك، ورتبة نائب أدميرال. وفي مراسم تأبين الأمير فيليب، رافق آندرو الملكة، الخطوة التي اعتبرها كثيرون إشارة قوية على دعمها الثابت له.

شكلت حماية والدته شعوره بالحصانة، لكنها رحلت، وشهر تشارلز سيفه لمواجهة الوضع، فجرده من منازله وأخرجه من مقر إقامته الملكي في وندسور. ومع ذلك، لم تنته القصة بعد.

تقدم أعضاء في لجنة الرقابة بمجلس النواب بطلب رسمي إلى آندرو لإجراء "مقابلة موثقة نصياً"، ضمن تحقيق اللجنة في شبكة الاتجار الجنسي التي كان يديرها المدان جيفري إبستين قبل وفاته. وفي حين يرى محامو ضحايا إبستين أن هذه المقابلة قد تكشف عن الحجم الحقيقي لتلك الشبكة ومن سهل عملها، يؤكد أعضاء في الكونغرس أنهم لم يتلقوا حتى الآن ’أي رد‘ على دعوتهم.

يتجاوز الأمر الألقاب وأماكن الإقامة، فقد رحلت شابة [فيرجينيا جوفري] كانت شهادتها مقبولة أمام محكمة فيدرالية أميركية، بينما ما زال الجمهور يطالب بمحاسبة المسؤولين، أو في الأقل بإجبار من يعرفون الحقيقة على الإفصاح عنها. يواصل الأمير آندرو نفي جميع الادعاءات، والشرطة البريطانية ما زالت في مرحلة "المراجعة" من دون فتح تحقيق فعلي.

وبينما لا يزال العالم بأسره مصدوماً جراء آخر ما كشفت عنه ملفات إبستين، يلتزم أصحاب النفوذ الصمت. وقد تكون هذه الملفات الطريق الوحيد نحو الحقيقة والمساءلة، إذا ما كانت العدالة ستتحقق يوماً.

نايجل كوثورن هو مؤلف كتابي "حرب آل ويندسور" War of the Windsors الصادر عن دار ويلبك، و"الأمير آندرو: إبستين، ماكسويل والقصر" Prince Andrew: Epstein, Maxwell and the Palace الصادر عن دار غيبسون سكوير.

© The Independent

المزيد من منوعات