Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة "الصوت العالي" لمكافحة الفساد في الجزائر

أطلقت السلطات مبادرات مختلفة لتشجيع المجتمع المدني على المساعدة مع ضمانات بحماية المبلغين

تحاول السلطات الجزائرية محو صورة سلبية اقترنت بمسؤولين وجهت لهم تهم الرشوة والفساد (أ ف ب)

ملخص

مع تكثيف الجزائر ضرباتها للفساد يحتدم النقاش حول مسألة الضمانات في حماية المبلغين ومن يخطرون عن الشبهات.

من آلية "ارفع صوتك" إلى شبكة "نراكم" وأخيراً "التبليغ الآمن"، أدوات متعددة تقف في وجه الفساد وتشجيع المجتمع المدني والمؤسسات على الانخراط في موضوع التصدي للظاهرة، في هدف واحد يرمي لأخلقة الحياة العامة في الجزائر، لكن يحتدم النقاش حول مسألة الضمانات في حماية المبلغين ومن يخطرون عن الشبهات.

وعرفت قضايا الفساد في الجزائر منحى تنازلياً منذ عام 2022 مقارنة بفترة ما بعد الحراك الشعبي في فبراير (شباط) 2019 بعد فتح القطب الاقتصادي والمالي تحقيقات مع المتهمين المتابعين في ملفات اختلاس ونهب الأموال العامة تورط فيها وزراء ومسؤولون ورجال أعمال ما يسمى بـ"الكارتل المالي".

وحكم على هؤلاء بالسجن النافذ، باستثناء الوزير الجزائري المنتدب لدى الوزارة الأولى المكلف بالمؤسسات الناشئة المؤسسات المصغرة الأسبق نسيم ضيافات، الذي قضت محكمة سيدي أمحمد في العاصمة الجزائرية، أول من أمس الأربعاء بالحكم بالسجن عليه لمدة خمس سنوات وسبعة آلاف دولار غرامة مالية بتهم فساد تتعلق بالحصول على امتيازات له ولعائلته باستغلال منصبه في الوزارة.

نهاية حقبة "اللاعقاب"

وأثارت قضية "ضيافات" جدلاً واسعاً كونه يعد أول وزير في فترة الرئيس عبدالمجيد تبون يُلاحق في قضية فساد، حسمته السلطات الرسمية بتأكيد نهاية حقبة "اللاعقاب" مع أي مسؤول تثبت التحقيقات تورطه في سوء استغلال الوظيفة أو تبديد الأموال العمومية.

وانطلاقاً من مبدأ معالجة الورم فوراً لمنع تفشيه، مثلما كان يحدث سابقاً خلال حقبة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، تدخلت الرئاسة الجزائرية في عدة مرات لعزل مسؤولين محليين في ولاية غليزان غرب البلاد، بعدما تبين "الكذب في تقارير تخفي الحقائق" خلال تسيير الشأن العام.

كما تحاول السلطات الجزائرية محو صورة سلبية اقترنت بشركة "سوناطراك" الحكومية في أعقاب محاكمة عدد كبير من كوادرها خلال السنوات الأخيرة بتهم الرشوة والفساد، أهمهم مديرها السابق عبدالمؤمن ولد قدور الذي دانته المحكمة نهاية العام الماضي، بالسجن النافذ 15 سنة وأيضاً إدانة رئيس المؤسسة الطاقوية سابقاً محمد مزيان بالسجن خمس سنوات مع التنفيذ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأطلقت شركة المحروقات، العام الماضي آلية سمتها "ارفع صوتك"، تعبيراً عن رغبتها في تشجيع المبلغين عن الفساد في فروعها وأجهزتها داخل البلاد وخارجها. وقالت إن الأمر يتعلق بـ"خطوة حاسمة في مكافحة الفساد والرشوة"، مشيرة إلى أن "منصة تكلم، تعد آلية لتبليغ وتنبيه تندرج في إطار مقاربة استباقية اعتمدتها (سوناطراك)، مستندة في ذلك للمعيار (إيزو 37001) المتعلق بمنظومة إدارة مكافحة الفساد والرشوة".

وامتدت تحركات الحكومة لتعزيز دور المجتمع المدني في الوقاية من الفساد ومكافحته، لذلك تم تنصيب لجنة الشبكة الجزائرية للشفافية المسماة "نراكم" التي أطلقت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تحت إشراف السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته.

واعتبرت هذه الشبكة آلية مستحدثة بموجب المراجع القانونية تعزيزاً للديمقراطية التشاركية لبلوغ درجات النجاعة في تسيير الشأن العام وتشجيع التبليغ. في وقت التحقت الجامعات بمعركة محاربة الفساد من طريق تدريس قانون مكافحته بكليات الحقوق وإدراج مادة "التنمية الإدارية ومكافحة الفساد" بمعاهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

وبفضل هذه التدابير بات التركيز اليوم منصباً أكثر على الأشخاص العاديين وأعوان العموميين ومديري المؤسسات العمومية، وكشفت وثيقة رسمية للسلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته عن تصدر القطاع العام الإداري المرتبة الأولى في قائمة القطاعات المستهدفة في التبليغات عن الفساد، حيث بلغت نسبة التبليغ 73 في المئة من مجمل التبليغات المصرحة الهوية، في حين بلغت نسبة التبليغات التي استهدفت الأشخاص الطبيعيين 11 في المئة، يليها القطاع الاقتصادي العمومي والخاص بنسبة تراوحت ما بين 3 إلى 10 في المئة.

وتكشف رئيسة السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته سليمة مسراتي، عن إحصاء 1045 بلاغاً عن الفساد، بينها 800 قيد المعالجة حالياً فيما تم تقديم 10 بلاغات للجهات القضائية، علماً أن 11 في المئة من البلاغات مجهولة المصدر لم يؤخذ بها.

وتستحوذ قضية حماية المبلغين والرسائل المجهولية على النقاش العام في الجزائر، وفي هذا السياق قال المحامي الجزائري المعتمد لدى المحكمة العليا والقاضي السابق خميسي عثامنية، إن السلطات لم تلغ الرسائل المجهولة بشكل نهائي وإنما دعت إلى التعامل معها بحذر شديد، ما يعني "لا يمكن اعتبار هذه الرسائل كشكوى وإنما كبلاغ".

الحس المدني

وفي حديثه لـ"اندبندنت عربية"، استند عثامنية إلى القانون الذي ينص على أنه في حالة ما ورد إلى علم النيابة العامة من طريق الإعلام السمعي البصري أو الشارع أو بأي وسيلة عن شبهة ما وفقاً لقانون العقوبات يجب أن تتحرى النيابة.

ويرى المتخصص الدستوري أن مشروع مكافحة الفساد أساسه ليس مؤسسات الدولة، بل هو الحس المدني عند المواطنين، لكن يتطلب توفير ضمانات لحماية المبلغ، موضحاً أن النقطة الأخيرة هي من تشجع على خلق ثقافة التبليغ لتتحول لالتزام وواجب وطني.

وبحسب تقرير رسمي من مجموع التبليغات المسجلة، احتل الرجال المبلغون المرتبة الأولى بـ75 في المئة مقابل 10 في المئة من فئة النساء. وترجع النسبة إلى غياب إطار قانوني خاص بحماية المبلغين عن الفساد، إضافة إلى غياب حملات التحسيس الموجهة خصيصاً لفئة النساء لمساعدتهن على تجاوز مخاوفهن المرتبطة بتبعات التبليغ.

 

 

وسبق أن أكد وزير العدل الجزائري عبدالرشيد طبي، أمام أعضاء البرلمان، "ضرورة حماية المبلغين عن العمليات المشتبه فيها"، مشيراً إلى أنه "لن تكون هناك متابعات قضائية ضد الأشخاص الذين يخرطون عن الشبهات".

من جانبه، أكد عضو مجلس السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته، خضري حمزة، أن المؤشرات العامة لواقع الفساد في الجزائر في تراجع منذ عام 2022.

أربعة مؤشرات

وتعتمد هذه السلطة الرقابية على أربعة مؤشرات لقياس مدى انتشار وتراجع هذه الظاهرة في الجزائر، تتمثل في حساب العدد الإجمالي للتبليغات، والملفات التي عرضت على التحقيق، إلى جانب عدد الأعوان العموميين الذين تمت متابعتهم في قضايا فساد، والمقياس الرابع يتعلق بعدد الأحكام القضائية التي صدرت عن القطب الجزائي المتخصص في الجرائم الاقتصادية والمالية.

لكن خضري قال إن القانون رقم 22/ 08 نص على عدم جواز تعامل السلطة مع الرسائل المجهولة والتي يتم حذفها بصفة مباشرة، وأنها تتعامل فقط مع الشكاوى والمعلومات المعروفة المصدر وفقاً لتعليمات رئيس الجمهورية بعدم التعامل مع الشكاوى والتقارير المجهولة المصدر.

وفي شأن الضمانات المقدمة لحماية المبلغين، طمأن خضري قائلاً إن "السلطة العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته لا تكشف عن هوية المبلغين، سواء أثناء دراسة التبليغ أو أثناء تقديم الملف أمام القضاء".

ونبه إلى أن القوانين الحالية تعاقب من ستة أشهر إلى خمس سنوات كل من يهدد المبلغين، كاشفاً عن إعداد مشروع قانون خاص بحماية المبلغين تحت عنوان "التبليغ الآمن" وسيقدم للوزير الأول باعتبار الحكومة الجزائرية هي الجهة التي تقترح القوانين على البرلمان.

المزيد من العالم العربي