Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الزواج السري" في الجزائر بين ضياع الحقوق وإشكالات تثبيته

تتضارب الأرقام حول أطفال الارتباط العرفي إذ تتحدث منظمات حقوقية عن 20 و45 ألفاً

سكان المناطق النائية في الجزائر يلجأون إلى هذا النوع من الزواج بسبب العزلة والبعد عن المقرات الرسمية (الإذاعة الجزائرية)

 

يعيش المجتمع الجزائري على وقع ظواهر "دخيلة" لم يسلم منها أي قطاع تقريباً، وإن كانت بدرجات متفاوتة. ويبقى "الزواج السري" ظاهرة تلحظ انتشاراً متزايداً على رغم غياب أرقام رسمية، وأمام تعدد الأسباب والتبريرات، يبقى عدم قانونيته يثير الجدل في الأوساط الحقوقية والنسوية والمجتمعية.

مقبول دينياً ومرفوض قانونياً

وتستقبل محاكم الجزائر قضايا طلاق وخلع بشكل متزايد، حيث كشفت وزارة العدل في آخر حصيلة عن تسجيل 44 ألف حالة طلاق وخلع في ستة أشهر، أي بواقع 240 حالة يومياً و10 حالات في الساعة، بينها قضايا كان الارتباط السري بزوجة ثانية أحد أسبابها. ولعل النصوص التي جاءت في قانون الأسرة زادت من تفشي الظاهرة، التي باتت تهدّد تماسك العائلة الجزائرية لأسباب عدة أبرزها، ضياع حقوق زيجات ما بعد الأولى وأبنائهم، على اعتبار أن القانون يمنع الزواج بأخرى من دون موافقة الأولى، وهو ما لا يحدث، وبالتالي فالرابط يصبح غير مسجل في المصالح المدنية.

وإذا كان الزواج العرفي مقبولاً من الناحية الدينية لأنه يخضع للشروط الشرعية من دون القانونية الوضعية، يبقى الزواج السري الذي يتم "فوضوياً" من دون ضوابط قانونية ولا شروط شرعية، أي ما يطلق عليه زواج "الفاتحة"، أي تقرأ سورة الفاتحة بين الزوجين بحضور شخص أو شخصين أجنبيين، بعيداً من أعين العائلة، "أخطر رابط يهدد المجتمع"، بحسب ناشطين حقوقيين. وقدّر مركز الإعلام والتوثيق لحقوق الطفل والمرأة، معدل قضايا إثبات الزواج في السنوات الأخيرة بنحو 40 ألف قضية، وأرجع الارتفاع إلى عودة قوية لزواج "الفاتحة" و"العرفي".

يمكن التثبيت لاحقاً؟

لا يعتبر القانون الجزائري الزواج العرفي جريمة، بل يسمح للمتزوجين عرفياً بتثبيت زواجهم لاحقاً أمام الجهات الرسمية والحصول على الدفتر العائلي، إذ تنص المادة 22 من قانون الأسرة على أن "يثبت الزواج بنسخة من سجل الحالة المدنية، وإذا لم يسجل، يثبت بحكم قضائي بسعي من النيابة العامة"، وعليه يتضح من خلال هذه المادة أنه يمكن تدارك عدم تسجيل الزواج أمام ضابط الحالة المدنية باللجوء لاحقاً إلى المحكمة.

ويتم التثبيت بواسطة عريضة مشتركة بين الزوج والزوجة تودع أمام المحكمة الواقع في دائرة اختصاصها مسكن الزوجية أو أمام المحكمة الواقع في دائرة اختصاصها موطن المدعى عليه في حالة وجود نزاع بين الزوج والزوجة حول مسألة إثبات الزواج طبقاً للمادة 426 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية، ويجب على القاضي قبل أن يصدر حكماً يقضي بتثبيت الزواج العرفي، التأكد من وجود الأركان الشرعية له والمتمثلة في رضا الزوجين وولي الزوجة والشاهدين والصداق، كما يجب التأكد من خلوّ هذا الزواج من الموانع كالمحرمات بالقرابة والرضاعة وغيرها.

ما مصير الأطفال؟

وتتضارب الأرقام حول أطفال الزواج العرفي في الجزائر، إذ تتحدث منظمات حقوقية عن أرقام تتراوح بين 20 و45 ألفاً، بسبب السرية المحيطة بالملف. وبحسب تقرير الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، فإن الزواج العرفي بات رائجاً بصورة لافتة، وأضحى عدد كبير من الجزائريين يكتفون بعقد قرانهم بقراءة الفاتحة تحت إشراف إمام المسجد من دون توثيق العقد في الدوائر الإدارية. وقالت الرابطة إن هذا الزواج يشكل إلى جانب أشكال أخرى كزواج المسيار والشغار، نوعاً من أنواع الاضطهاد الممارس ضد المرأة، كونه لا يضمن كامل الحقوق للزوجة والأبناء.

وسبق للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن أشارت إلى 45 ألف حالة ولادة غير مسجلة سنوياً، وفي الغالب يولد هؤلاء خارج المستشفيات العمومية، وبخاصة في قرى وضواحي الجنوب الجزائري. ودعت إلى قانون يضمن حقوق المحرومين من النسب، مع تعديل قانون الأسرة الذي تظهر فيه ثغرات عدة.

ومن أجل تسوية أي وضعية، يتم رفع شكوى قانونية أمام المحكمة لإثبات النسب، وذلك بحضور الزوجين وولي أمر الفتاة وشاهدي عدل، وبذلك يضمن صدور حكم قضائي لثبوتية الزواج وإلحاق نسب الطفل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أسباب الظاهرة

"تتعدد أسباب الزواج السري" يقول أستاذ الحقوق عبد الكريم بنزيدون في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، موضحاً أن "هناك من يتخذه وسيلة من أجل الارتباط بفتيات قاصرات، وفي بعض الأحيان حيلة من طرف الأجانب للارتباط بجزائريات، على اعتبار أن زواج الأجانب في الجزائر يخضع لشروط من بينها وجود الأجنبي في الجزائر بطريقة قانونية، وكذلك الحصول على ترخيص من الوالي المختص إقليمياً، وبالتالي في حالة إذا كان الأجنبي في وضعية غير قانونية، كأن يكون مهاجراً غير شرعي أو في رفض الوالي المختص منح الترخيص، فإنه يتم اللجوء للزواج العرفي". وأضاف أن "البدو الرحل وسكان المناطق النائية يلجأون إلى هذا النوع من الزواج بسبب العزلة والبعد من المقرات الرسمية. كما يعتمده المطلوبون لدى العدالة باعتبار أن هؤلاء الأشخاص ارتكبوا جرائم، وبالتالي هم يخشون من توقيفهم لو تقدموا أمام الجهات الرسمية لإبرام عقد الزواج".

ويعتقد بنزيدون أن أهم سبب للزواج العرفي في الجزائر هو التحايل على أحكام المادة 80 من قانون الأسرة التي تلزم الراغب في الارتباط بزوجة ثانية، الحصول على موافقة الزوجة الأولى وترخيص من رئيس المحكمة المختص، وبالتالي يلجأ الرجل إلى الزواج العرفي لإخفاء زواجه من إمرأة ثانية ولتجنب الحصول على موافقة الزوجة الأولى، وبالأخص أن القانون الجزائري يتيح للزوج تثبيت زواجه بالزوجة الثانية، مشيراً في ما يتعلق بالزواج السري، إلى أنه في العرف الجزائري وأيضاً في نظر القانون، "هذا النوع لا يسمى زواجاً وإنما ارتباط تترتب عليه عقوبات مشددة بين السجن والغرامات المالية، لكن قد ينتهي بزواج شرعي قانوني في حال اتفق الطرفان وحضرت الشروط والضوابط".

تعدد الإشكالات المترتبة

إلى ذلك، يعدد المحامي سمير شافعي، "الإشكالات المترتبة عن الزواج العرفي والسري"، قائلاً إن "مماطلة الزوجين في تثبيت هذا الزواج لمدة طويلة قد يخلق صعوبات كثيرة، قد يتوفى أحد الزوجين أو قد يتوفى الشهود أو ولي المرأة، ففي هذه الحالات يكون تثبيت الزواج صعباً جداً وقد يستحيل ذلك نظراً لاختفاء أركانه، كما قد يستهدف رفض أحد الطرفين تثبيت الزواج الإضرار بالطرف الآخر، وعادة يكون الطرف صاحب النية السيئة هو الزوج، بحيث يرفض الاعتراف بوجود زواج من أجل حرمان زوجته من النفقة أو ربما الميراث وغيرها من حقوق".

ويضيف شافعي أنه "في حال أثمر الزواج العرفي عن أطفال، ففي هذه الحالة وإلى جانب إثبات الزواج العرفي لا بد من إثبات نسب الأطفال أيضاً، وذلك قد يخلق صعوبات، بالأخص إذا أنكر الرجل وجود الزواج أو أنكر نسب الأطفال. كما أن الزواج العرفي قد يتبعه طلاق عرفي، وما يترتب عنه من صعوبات لإثباته". وختم أن الزواج العرفي في بعض الأحيان يتم اللجوء إليه من أجل منح النسب لطفل ناتج من علاقة غير شرعية.

المزيد من تقارير