Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استراتيجية الطاقة في أوروبا وأميركا تواصل الاعتماد على الوقود الأحفوري

تبدو خطط الانتقال النظيفة غير واقعية على رغم تعهدات أهداف المناخ

استثمارات ألمانية في إنتاج الطاقة باستخدام الغاز بدلاً من الاستثمار في الطاقة المتجددة تماشياً مع أهداف المناخ (رويترز)

لاقت استراتيجية الطاقة التي أعلنتها ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، الأسبوع الماضي انتقادات ليس فقط من الناشطين لمكافحة التغيرات المناخية والتخلي عن الوقود المنتج لانبعاثات الكربون، ولكن حتى من رجال صناعة الطاقة. وإضافة لما أعلنته ألمانيا تبدو خطط المرحلة الانتقالية لاستبدال طاقة متجددة منعدمة الانبعاثات مثل الطاقة من الشمس والرياح وحتى من الوقود النووي بالنفط والغاز في دول أوروبية والولايات المتحدة كأنها لا تسير حسب المأمول.

يأتي ذلك في وقت أعلن فيه العلماء أن درجة حرارة الأرض تجاوزت معدل الزيادة بمقدار 1.5 درجة مئوية الذي اعتمد في اتفاق "باريس للمناخ" عام 2015 حداً أقصى للارتفاع، مما يعني أن تعهدات دول العالم بتحقيق أهداف المناخ للحد من الاحتباس الحراري لا تنفذ في الواقع.

وجاء الإعلان عن استراتيجية الطاقة الألمانية من قبل حكومة المستشار أولاف شولتز ليثبت أكثر أن الانتقال من استخدام الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) إلى الطاقة النظيفة ليس كما كان يعد الجميع، فالخطط المستقبلية تعتمد على الغاز والنفط، وحتى الفحم الأكثر تلويثاً للبيئة وضرراً للمناخ بانبعاثاته الكربونية الأعلى من النفط، أكثر من اعتمادها على الطاقة من مصادر متجددة. واعتبر موقع "أويل برايس دوت كوم" في تقرير له أن تلك الاستراتيجية الألمانية تعبر عن واقع واضح في الاتحاد الأوروبي كله هو "الاعتراف بأن كل شيء لا يسير وفقاً للخطط".

الطاقة المتجددة لا تكفي

بحسب خطط الحكومة الألمانية الأخيرة ستعمل ألمانيا على بناء قدرة جديدة لتوليد الطاقة باستخدام الغاز الطبيعي بقدرة 10 غيغاواط، باستثمارات تصل إلى 16 مليار يورو (17.25 مليار دولار)، وكان المتوقع أن تنتهز ألمانيا التحول عن استخدام النفط والغاز، للاستثمار أكثر في الطاقة المتجددة، إلا أن الواقع أظهر عدم كفاية ذلك، حتى إن ألمانيا اضطرت إلى إعادة تشغيل محطات طاقة تعمل بالفحم كانت متوقفة، لإخراجها من الخدمة في إطار تحقيق أهداف المناخ.

قبل ​​عامين، وبعد دخول القوات الروسية إلى شرق أوكرانيا، سارعت ألمانيا إلى التعهد بالتخلي عن الغاز الروسي، وساعد الجانب الروسي في تحقيق هذه الخطة، من خلال الحد بصورة كبيرة من تدفق الغاز عبر بعض الطرق الرئيسة، مشيراً إلى مشكلات فنية، واكتمل الأمر بالتخريب الذي وقع في خط أنابيب الغاز "نورد ستريم" في سبتمبر (أيلول) 2022، والذي أدى إلى قطع تدفق الغاز تماماً عبر خط الأنابيب الذي يغذي ألمانيا بـنحو 55 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.

هكذا بدأت ألمانيا تتأقلم، وبمساعدة الغاز الطبيعي المسال الأميركي، وتستمر في المسار الذي اعتمدته نحو التخلص التدريجي المخطط له من الطاقة النووية، لكنها ظلت تنتج الطاقة من محطات تعمل بالفحم، بسبب القلق في شأن النقص المحتمل خلال فترات ارتفاع الطلب.

لخص وزير المالية كريستيان ليندنر الوضع بصورة جيدة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في تعليق له، حول خطط حكومة شولتز لإنهاء استخدام الفحم بحلول عام 2030، إذ قال "إلى أن يتضح أن الطاقة متاحة وبأسعار معقولة، يجب أن ننهي أحلام التخلص التدريجي من إنتاج الكهرباء باستخدام الفحم في عام 2030".

وضع أوروبي

 كانت تصريحات ليندنر نذيراً بوضع أوروبي عام لا يقتصر على ألمانيا، حتى وسط التقارير عن إنتاج قياسي من الطاقة المتجددة في يناير (كانون الثاني) الماضي، على خلفية إنتاج أكبر للكهرباء باستخدام الطاقة الكهرومائية وزيادة إنتاج منشآت الطاقة الشمسية، وهكذا بدا أن التحول إلى الطاقة النظيفة، كما تصوره صناع القرار في بروكسل والعواصم الأوروبية، لم ينجح ببساطة، وفق ما يقول التقرير.

كان التوقع السائد في مؤتمرات "كوب" المتتالية هو إنتاج عشرات الغيغاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، وبعض البطاريات، وبعض الطاقة النووية، باستثناء ألمانيا التي قررت إخراج محطات الطاقة النووية من الخدمة. لكن ثبت أن تلك العشرات من الغيغاواط تمثل تحدياً أكبر مما كان متوقعاً، أولاً، بسبب الكلفة الأعلى من المتوقع، وثانياً بسبب الطلب المخيب للآمال على الطاقة الشمسية، وثالثا، لأن البطاريات على نطاق المرافق لا تزال باهظة الثمن كبديل للطاقة من الوقود الأحفوري.

كانت ألمانيا بمثابة النموذج المثالي لهذه المرحلة الانتقالية، بفضل الموارد الهائلة التي وجهتها نحو تحويل الرؤية إلى واقع، والآن بدأت تظهر التصدعات في تلك الرؤية، بعد أن أصبح أمن الطاقة مرة أخرى، كما الحال دائماً، مقدماً على الأهداف المثالية أو "المدينة الفاضلة" الخالية الانبعاثات.

 تراجعت بلجيكا، التي كانت لديها خطط للتخلص التدريجي من المحطات النووية مماثلة لخطط ألمانيا عن تلك الخطط في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، أما هولندا، التي أعلنت إغلاق حقل غاز "غرونينغن" بسبب تأثيره في النشاط الزلزالي في المنطقة، فقد أعادت الإنتاج منه مرة أخرى، تحسباً لارتفاع الطلب بسبب الطقس المعتاد في ذلك الوقت من السنة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما كانت إسبانيا مثالاً آخر على التحول بمواردها الهائلة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، التي تستخدمها البلاد على النحو الواجب، لكنها تصدرت قائمة مستوردي الغاز الطبيعي المسال الروسي في الاتحاد الأوروبي العام الماضي، حتى عندما سعت بروكسل إلى الحد من تلك الشحنات، وكانت بلجيكا في المقدمة، إذ استوردت الدولتان كميات أكبر من الغاز الروسي المسال بنسبة 50 في المئة، في الأشهر التسعة الأولى من عام 2023 مقارنة بالعام السابق.

تحديات أميركية

لا يقتصر التغير في استراتيجيات الطاقة بعيداً من أهداف المناخ على أوروبا، بل إن أكبر اقتصاد في العالم في الولايات المتحدة يواجه تحديات كثيرة للمرحلة الانتقالية نحو التخلي عن النفط والغاز والفحم. وبحسب تقرير آخر من موقع "أويل برايس دوت كوم" ستنتج من التحول الكامل إلى الطاقة المتجددة حالة فوضى في أسواق العمل في الولايات المتحدة، إذ ستظهر أعداد هائلة من الوظائف ذات الأجر الجيد والوظائف الثابتة، التي تتطلب مهارات وغير ماهرة في المجتمعات القريبة من مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق المرافق العامة، على سبيل المثال، لكن في مجالات أخرى، قد يكون فقدان وظائف الوقود الأحفوري كارثياً إذا لم يعالج بشكل صحيح.

الولايات المتحدة هي موطن لنحو 1.7 مليون عامل في مجال الوقود الأحفوري، وحتى وقت قريب كان هناك نقص كبير في البيانات حول المكان الذي تتركز فيه هذه الوظائف على وجه التحديد، وأين تمثل غالبية العمل المتاح، إن لم يكن مجمله، وأي المجالات ستكون الأكثر تضرراً من تطور الطاقة المقبل؟

في حين أن طفرة الوظائف الخضراء تمثل أخباراً عظيمة للمناخ والاقتصاد بصورة عامة، فإنها لا تخفف من الرعب في الولايات التي تعتمد على الوقود الأحفوري في سبل عيشها ورفاهية مدن ومجتمعات بأكملها. تقول دراسة من معهد "ماساتشوستس للتكنولوجيا"، "إن الجهود المبذولة لاستهداف المجتمعات في قانون الحد من التضخم الأميركي تترك عدداً كبيراً من المناطق الأكثر كثافة في الكربون في البلاد في وضع أسوأ".

وأدت الزيادة السريعة في وظائف الطاقة النظيفة إلى فجوة كبيرة في مهارات العمال، وبحسب الدراسة "لن يكون الأمر سهلاً مثل أخذ كل هؤلاء العمال العاطلين من العمل في مجال الوقود الأحفوري ووضعهم في جميع مناصب الطاقة الخضراء الجديدة". وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" العام الماضي أنه "بعيداً من البناء، تتطلب مزارع الرياح والطاقة الشمسية عادة عدداً قليلاً من العمال لتشغيلها، وقد لا تقدم وظائف الطاقة النظيفة الجديدة بالضرورة أجوراً مماثلة أو تتماشى مع مهارات العمال المسرحين (من العمل في الوقود الأحفوري)".

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز