Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق في قبضة إيران

يبدو من المؤشرات أن طهران قررت التصعيد المتدرج في المنطقة وخطوتها المقبلة ربما تكون في بغداد

منذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وجدت واشنطن نفسها مكبلة في الفخ الإيراني (أ ف ب)

ملخص

هناك الكثير من الأدلة لاستخدام طهران لبغداد في كل حاجاتها الاقتصادية والتجارية، وللتهرب من العقوبات الدولية المفروضة عليها

مناورات إيران وأجهزتها العسكرية والأمنية والدبلوماسية تؤكد أن دولة الملالي تفعل ما لا تقول، وتقول ما لا تفعل، فبمجرد النظر إلى المستجدات الخطيرة في المنطقة وآخرها محاولات الحوثيين استهداف قطع البحرية الأميركية المرابطة في البحر الأحمر، وفي ضوء المذكرة التي بعث بها مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة الشهر الفائت إلى مجلس الأمن، والتي يدعي فيها أن بلاده لم تشارك في أي عمل أو هجوم ضد القوات الأميركية في العراق وسوريا، وأن الوجود العسكري الأميركي في العراق وسوريا ليس شرعياً، تتأكد حقيقة أن الدبلوماسية الإيرانية تحاول جاهدةً إقناع العالم بأن ميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن لا تعمل بتوجيهات من طهران وأن إرهاب هذه الميليشيات يعد شرعياً بنظر الملالي.

كيف يمكن فهم مسوغات التصعيد ضد أميركا من نظام يمارس "إرهاب الدولة" في الداخل والخارج، ويحاول شرعنته، في الوقت الذي يتواجد قآني، قائد "فيلق القدس"، بشكل دائم في العراق وسوريا ولبنان، وينضم إليه كوثراني، ممثل العميل الرئيس لإيران في المنطقة العربية، حسن نصرالله، في بغداد لتنسيق عمليات الميليشيات العميلة لإيران في مواجهة أميركا.

وماذا يعني تواجد قطع الأسطول الحربي الإيراني في باب المندب وجنوب البحر الأحمر لحماية الحوثيين من التحالف الدولي "حراس الازدهار" والذي أنشئ بهدف حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر، فيما تكتب بعض الصحف الإيرانية بإيعاز من "الحرس الثوري" للتحذير من خطورة أعمال الحوثيين على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، ويهدد الحوثي بأن لديه من الأسلحة ما لم يُستخدم بعد لهزيمة أميركا في البحر الأحمر. كلها رسائل ظاهرها متضارب، ولكن باطنها جوقة متسقة، تقول إن إيران قررت التصعيد الشامل بإيعاز وتوجيه وإسناد من محورها في المواجهة الدولية.

في الحقيقة هناك مؤشرات واضحة ترد من طهران مصدرها مايسترو الأوركسترا (الحرس الثوري) الذي يعمل لضمان عدم نشاز نغمات عملائه، بل تجويد أدائهم، في عمل دؤوب لاختبار صبر القيادة الوسطى للجيش الأميركي. فبعد النكران المطلق لمسؤوليتها عن استراتيجية "تضامن الساحات"، انتقلت للحديث عن "الرد المنضبط"، وهي اليوم تتحرك نحو المواجهة المفتوحة مع أميركا تحت مبرر أنها تُجَر إلى مواجهة لا تسعى لها. وأخيراً تتفاخر طهران بالقول إنها تلقت عرضاً أميركياً ومناشدات بعدم توسيع الحرب في المنطقة، مؤكدةً أن قرار حلفائها السياسيين في المنطقة مستقل وهي لا تقرر عنهم، وأن انعدام الأمن في المنطقة مرده إلى الوجود غير القانوني للقوات الأميركية وتدخلها في شؤون دولها.

يبدو من المؤشرات أن إيران قررت التصعيد المتدرج في المنطقة، وبنظر العديد من المراقبين فإن خطوتها المقبلة ربما تكون في العراق، الدولة العربية ذات الوضع الرخو، تنفيذاً لرؤيتها الأيديولوجية لإزاحة أميركا استراتيجياً والحلول محلها، وهي عملية انتقال من السيطرة غير المباشرة إلى الاحتلال الكامل لأرض الرافدين، ما يشكل تهديداً خطيراً للأمن القومي العربي.

أرض الرافدين، حديقة خلفية للملالي؟

منذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وجدت أميركا نفسها مكبلة في الفخ الإيراني. حينها فرخت إيران العشرات من الميليشيات الشيعية بإشراف مباشر من قاسم سليماني و"فيلق القدس"، وأسهمت هذه الميليشيات في تصفية الجيش العراقي السابق والقضاء على تمردات السنة، وكانت عينها ثاقبة صوب تصفية الخصوم للانفراد بالحكم. وبعد سنوات جمعت إيران كل هذه الميليشيات تحت سقف "الحشد الشعبي" الذي تعتبره الحكومة العراقية مكوناً ضمن الجيش العراقي، في الوقت الذي لا يلتزم بالدستور العراقي ولا بسيادة العراق، بل يقول علانية إنه يتبع أوامر الولي الفقيه في طهران، وتحت تصرف "فيلق القدس".

من أبرز الميليشيات الإيرانية في العراق "كتائب حزب الله" العراقية، و"حركة النجباء"، و"عصائب أهل الحق"، وغيرها الكثير من الأسماء. إيران توصلت بعد مرحلة من التفريخ الكمي، وما تلاها من التوحيد تحت مظلة "الحشد الشعبي"، إلى قناعة بأن ميليشياتها مخترقة، وأنها تعاونت مع القوات الأميركية في العديد من المناسبات وآخرها في عملية تصفية سليماني في يناير 2020، فانتقلت إلى بناء تنظيم سري نخبوي جمعته من مختلف التنظيمات وفق قاعدة الولاء المطلق لطهران، وتم إرسال المئات منهم خلال الأعوام الثلاثة الماضية للتدريب في معسكرات "حزب الله" في لبنان على أحدث تقنيات الطيران المسير، وإطلاق الصواريخ، وزرع القنابل، والترويج الإعلامي، استعداداً للمرحلة الحاسمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الوحدات الجديدة التابعة لـ"فيلق القدس" مباشرة، تمتلك ميزات تكتيكية عالية، وهي أقل عرضة للاختراق، وقد كُلفت أخيراً بمهمة التصعيد مع الأميركيين من خلال مهاجمة قواعد الجيش العراقي التي تستضيف القوات الأميركية، لحملها على مغادرة العراق وتركه لسقوطه الحتمي والنهائي بيد إيران. ويرى العديد من المراقبين للشأن العراقي أن هذه الميليشيات الشيعية العراقية التي تدار مباشرة من جنرالات في "الحرس الثوري"، تسعى إيران من خلال تمكينها إلى تحويلها لنواة للسيطرة الكاملة على العراق ولزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي، وردع أي محاولات مستقبلية لانفصال إقليم كردستان، بخاصة وأن كل مكوناته السياسية ترفض الخضوع لأي شكل من أشكال الوصاية الإيرانية.

وفي المقابل، عملت إيران عبر دبلوماسيتها الضاغطة مع الحكومة العراقية، وعبر التواجد الدائم للقيادات العسكرية للحرس الثوري وقيادات "حزب الله"، على إرغامها على المطالبة بمغادرة ما تبقى من القوات الأميركية. فما هي السيناريوهات المحتملة للخروج الأميركي النهائي من العراق بعد عشرين عاماً على الغزو الذي كان مدخلاً لسقوط عاصمة الرشيد بيد إيران؟

الخروج الأميركي والدخول الإيراني

هناك الكثير من الأدلة لاستخدام طهران لبغداد في كل حاجاتها الاقتصادية والتجارية، وللتهرب من العقوبات الدولية المفروضة عليها، وممارسة كافة أشكال الاتجار غير المشروع، من غسيل الأموال إلى تجارة المخدرات، والتهريب عبر دول المنطقة، فالعراق بات منطقة نفوذ والحظيرة الخلفية لإيران، وهي تسعى اليوم من خلال إنهاء ما تبقى من النفوذ الأميركي في العراق لتوسيع تمددها، وتحويل العراق إلى امتداد سيادي لها.

وقد يقول قائل إن إيران بحكم الواقع تضع العراق تحت سيطرتها، ولكن الحقيقة أن العراق تتقاذفه تيارات متعددة بين أنصار التبعية لإيران، وأنصار التيار القومي العروبي والأكراد الذين يرفضون الوصاية الإيرانية. ومن هنا فإن شكل السيطرة الإيرانية سيكون هجيناً، تماماً مثل سيطرتها على لبنان، حيث يفسح المجال لكل مراسيميات الدولة عدا قرار السلم والحرب الذي يتخذه "حزب الله". ولن تكون هناك سيادة في العراق إلا لإيران.
إن قرار خروج القوات الأميركية من العراق بنظر المراقبين سيضع العراق في حال انكشاف، من حيث تبعاته الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية، فليس من مصلحة العراق العربي أن تجره ميليشيات تابعة لدولة أجنبية إلى التشظي والتقسيم، فإقليم كردستان الفيدرالي سيندفع حتماً باتجاه التمسك بالوجود الأميركي، باعتباره أهم عنصر للتوازن مع الحكومة المركزية التي تسيطر عليها ميليشيات إيران.
وبخروج القوات الأميركية ينتهي دور التحالف الدولي لمحاربة "داعش"، ما سيعيد تجميع قدرات التنظيم الذي كان ذات يوم يسيطر على أجزاء واسعة من العراق والشمال السوري، والذي لا يستطيع العراق وإيران مواجهته إلا بممارسة المزيد من الانتقام تجاه سنة العراق، ما يحيلها إلى مهمة دامية.

إن الخطاب الذي نسمعه من طهران هو خطاب تقية سياسية، يتطلع إلى هزيمة أميركا من خلال الميليشيات العربية العميلة، ولا يرغب في المواجهة المباشرة لمعرفته بهشاشة النظام في الداخل الإيراني، حيث ترفض الشعوب الإيرانية حكم الملالي الغاشم الذي أفقر إيران ودمر مقدراتها سعياً وراء وهم السيطرة الإقليمية. وما يجري في العراق اليوم ما هو إلا تقاطع لجملة من الأهداف الاستراتيجية التوسعية الإيرانية، والديناميكيات السلطوية الداخلية، والتنافسية الجيوسياسية للدول الكبرى التي ترغب في رؤية نهاية العصر الأميركي، وتحقيق نظريتها للإزاحة الاستراتيجية، والبداية ربما تكون من الشرق الأوسط.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء