ملخص
نشرت مؤسسة "جيمس تاون" البحثية تقريراً قالت فيه إن الفيديوهات والصور الدعائية، التي تبثها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي، ظهرت فيها ترسانة كبيرة من الأسلحة التي تنتجها شركة "صناعات الشمال الصينية المحدودة" المعروفة بـ"نورينكو". ولفتت إلى أن من بين الأسلحة الصينية التي ظهرت بيد الجماعات المسلحة الرشاشات والبنادق الهجومية وقاذفات الصواريخ المزودة بقذائف شديدة الانفجار مضادة للدبابات.
أثارت تقارير وفيديوهات تم توثيقها تظهر أسلحة صينية تستخدمها جماعات مسلحة في دول أفريقية عدة، على غرار "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي، تساؤلات جدية حول الطرق التي أدت إلى حصول هذه الجماعات على أسلحة تنتجها الصين وتداعيات هذا الأمر على صورة بكين في القارة السمراء.
ونشرت مؤسسة "جيمس تاون" البحثية تقريراً قالت فيه إن الفيديوهات والصور الدعائية، التي تبثها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي، ظهرت فيها ترسانة كبيرة من الأسلحة التي تنتجها شركة "صناعات الشمال الصينية المحدودة" المعروفة بـ"نورينكو". ولفتت إلى أن من بين الأسلحة الصينية التي ظهرت بيد الجماعات المسلحة الرشاشات والبنادق الهجومية وقاذفات الصواريخ المزودة بقذائف شديدة الانفجار مضادة للدبابات.
لا قرار صينياً مباشر
وكشفت مجلة "منبر الدفاع الأفريقي" التي تصدر عن القيادة الأميركية في أفريقيا أخيراً عن أن الصين باتت تتفوق على روسيا في مبيعات الأسلحة إلى القارة السمراء.
وعد الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية وليد عتلم أن "ظهور أسلحة صينية في أيدي جماعات مسلحة مثل حركة 23 مارس (آذار)، أو جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، لا يعني، بالضرورة، وجود قرار صيني مباشر بتسليح هذه التنظيمات، بل يعكس، في جوهره، طبيعة بيئة السلاح في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتداخل مسارات عدة لنقل السلاح تجعل السيطرة الكاملة على مساراته شبه مستحيلة، حتى بالنسبة إلى الدول المصدرة نفسها". وتابع عتلم "أن أول هذه المسارات هو إعادة التدوير داخل الجيوش النظامية، فالصين، عبر شركات مثل "نورينكو"، تبيع كميات كبيرة من الأسلحة لدول تعاني هشاشة مؤسسية وضعفاً في نظم التخزين والرقابة، وفي بيئات مثل مالي أو الكونغو الديمقراطية، لا تملك الجيوش في كثير من الأحيان القدرة اللوجيستية أو الإدارية لضبط مخازن السلاح، مما يؤدي إلى تسرب جزء من هذه الأسلحة عبر السرقة أو الفساد أو حتى خلال الهزائم العسكرية في الميدان"، وتابع أيضاً "عندما تتعرض وحدات عسكرية لهجوم أو انهيار، تنتقل الأسلحة بصورة مباشرة إلى الجماعات المسلحة التي تستولي عليها كغنائم حرب، وهو نمط تكرر تاريخياً مع أسلحة روسية وأميركية وفرنسية، وليس فقط صينية".
شبكات التهريب العابرة للحدود
وأوضح عتلم أن "المسار الثاني يتمثل في شبكات التهريب العابرة للحدود، التي تعد إحدى أهم سمات منطقة الساحل. الحدود الممتدة وغير المحكمة بين دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو تخلق بيئة مثالية لتجارة السلاح غير المشروعة، وهذه الشبكات لا تميز بين مصدر السلاح، بل تتعامل مع أي قطعة سلاح متاحة في السوق، سواء كانت صينية أو غربية أو روسية. دخول الصين بقوة إلى سوق السلاح المنخفض الكلفة زاد ببساطة من حجم المعروض، ومن ثم زادت احتمالات تسرب جزء منه إلى السوق السوداء".
ولفت إلى أن "المسار الثالث يتعلق بالوكلاء المحليين والميليشيات المتحالفة مع الحكومات. في بعض الحالات تقوم حكومات أو قوى محلية بتسليح ميليشيات رديفة لمواجهة التمرد، لكن هذه الميليشيات قد تنشق لاحقاً أو تفقد السيطرة على مخزونها، فتتحول الأسلحة إلى جهات معادية. في بيئات الصراع المعقدة، مثل الساحل أو شرق الكونغو، التحالفات متغيرة والسيولة السياسية مرتفعة، مما يجعل انتقال السلاح بين أطراف متنازعة أمراً شائعاً".
وأشار إلى أن "المسار الرابع، وهو الأكثر حساسية، يتمثل في احتمال وجود تساهل غير مباشر من جانب بعض الموردين أو الوسطاء، بخاصة في ظل غياب القيود السياسية الصارمة التي تفرضها الدول الغربية. الصين تعتمد في تصديرها السلاح على مبدأ عدم التدخل وعدم ربط الصفقات بشروط سياسية أو حقوقية، مما يمنحها ميزة تنافسية كبيرة، لكنه في المقابل يقلل من آليات التتبع والمساءلة بعد التسليم، وهذا لا يعني بالضرورة تورطاً مباشراً، لكنه يفتح المجال أمام استخدام السلاح في سياقات غير مقصودة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
معضلة كبيرة
ومنذ عقود، اقتصر التدخل الصيني في أفريقيا على استثمارات ضخمة تضخها بكين هناك في مجالات عدة مثل البنى التحتية والطاقة، لكنها اتجهت في الأعوام الماضية إلى زيادة انتظامها الأمني والعسكري.
وقال الباحث السياسي والعسكري التشادي إيفاريست نغارليم إن "ظهور الأسلحة الصينية بيد جماعات مسلحة يطرح بالفعل معضلة كبيرة بالنسبة إلى بكين التي تزعم انتهاج مبدأ الحياد في القارة الأفريقية". وبين نغارليم في تصريح خاص أن "مسألة كيفية وصول هذه الأسلحة إلى الجماعات المسلحة غير مهم بقدر تأثيره في الوضع الأمني، إذ من المحتمل أن يقود إلى مزيد من التدهور في الأوضاع"، وتابع "تزايد اعتماد الجماعات المسلحة على الأسلحة الصينية قد يثير توتراً بين عواصم أفريقية وبكين لا سيما أن الأخيرة زودت رواندا بأسلحة، ويبدو أن هذه الأسلحة وصلت إلى حركة 23 مارس التي تقود تمرداً في شرق الكونغو الديمقراطية".
انعكاسات مركبة
من ناحيته، لفت الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية وليد عتلم إلى أن "هذه الظاهرة لها انعكاسات مركبة على صورة ونفوذ بكين. من ناحية، الانتشار الواسع للسلاح الصيني يعزز حضورها كقوة عسكرية واقتصادية صاعدة، ويكرس اعتماد كثير من الجيوش الأفريقية عليها، وهو ما يترجم إلى نفوذ سياسي واستراتيجي طويل الأمد، فالصين لا تبيع مجرد سلاح، بل تبني منظومات تدريب، وعقيدة عسكرية، وعلاقات حزبية وأمنية، مما يخلق شبكة نفوذ عميقة تتجاوز الصفقة التجارية". وتابع "لكن من ناحية أخرى، فإن ظهور هذه الأسلحة في أيدي جماعات إرهابية أو متمردة يهدد هذا النفوذ على المديين المتوسط والطويل. أولاً، لأنه يضع الصين تحت ضغط دولي متزايد، بخاصة من الولايات المتحدة وأوروبا، التي قد تستخدم هذه الوقائع لتصوير بكين كمصدر لعدم الاستقرار أو كقوة غير مسؤولة في تجارة السلاح. ثانياً، لأنه يغذي انتقادات داخلية في الدول الأفريقية نفسها، حيث تتهم منظمات المجتمع المدني الحكومات باستخدام الأسلحة الصينية تحديداً في القمع الداخلي أو في تغذية الصراعات. ثالثاً، وهو الأهم استراتيجياً، أن فقدان السيطرة على مسارات السلاح يقوض أحد أهداف الصين الرئيسة، وهو الاستقرار بوصفه شرطاً ضرورياً لحماية استثماراتها ومشاريعها، بخاصة ضمن مبادرة الحزام والطريق. انتشار السلاح خارج سيطرة الدول يعني بيئة أكثر فوضوية، مما يهدد المصالح الاقتصادية الصينية نفسها، من بنية تحتية وممرات تجارية وموارد طبيعية". ولفت إلى أنه على "رغم هذه الأخطار، يبدو أن بكين تقبل بهذا الهامش من الفوضى ككلفة مقبولة مقابل تحقيق اختراق استراتيجي في سوق كانت تاريخياً خاضعة لهيمنة قوى أخرى، فالصين تدرك أن بديلها، أي فرض قيود صارمة على التصدير، سيؤدي إلى فقدان ميزتها التنافسية الأساسية، وهي السرعة وانخفاض الكلفة وغياب الشروط السياسية".