ملخص
عمل المسرحي البريطاني هارولد بنتر السينمائي، إذا كان بدأ مع جوزيف لوزاي في "الخادم" عام 1963، فإنه لم يقتصر عليه، إذ إنه واصل التعاون مع الفن السينمائي حتى عام 1981، حين كتب لمواطنه كارل رايس سيناريو "عشيقة الملازم الفرنسي" عن رواية جون فاولز، وكان قبل ذلك اقتبس لإيليا كازان سيناريو فيلم "آخر العمالقة" عن رواية لسكوت فيزجيرالد
كان ذلك في خريف عام 1971 لندن - قاعة ناشنال فيلم تياتر، حيث دخلنا القاعة عند الثامنة مساء ونحن نعرف أننا لن نبارحها إلا عند الفجر. فتلك الليلة كانت واحدة من الليالي التي كان جون بلايرز يبرع في تقديمها مرة وأحياناً مرتين، كل شهرين في تلك القاعة لرواد "جامعته الحرة"، حيث تتركز الدروس السينمائية على السيناريو والنقد. وكان ذلك الموعد شبه المنتظم مناسبة لعرض ثلاثة أفلام أو أربعة لمخرج واحد، تعرض تباعاً وتناقش معاً، ودائماً في حضور المخرج.
أما في ذلك المساء فكنا نعرف أن المخرج لن يحضر، وأن من سيتولى مشاهدة العروض معنا، الكاتب الذي اشتغل على سيناريوهات ثلاثة من الأفلام المعروضة، مع ممثل اثنين من تلك الأفلام. والحقيقة أن اسم هذين كان، يومها، كفيلاً باجتذابنا، وربما أكثر من اسم المخرج نفسه. كان المخرج جوزيف لوزاي، أما الكاتب فكان هارولد بنتر، فيما كان اسم الممثل ديرك بوغارد.
إذاً، حتى ولو كان لوزاي لن يحضر كنا نعرف سلفاً أن الليلة ستكون غنية... طبعاً بفضل حضور بوغارد، الذي كان الممثل المفضل لدى نخبويي السينما، ولكن، بخاصة بفضل هارولد بنتر، الذي كنا جميعاً نعرف مكانته في المسرح الإنجليزي... وأكثر من هذا، في السينما ككاتب سيناريو.
ومن هنا حضر كل واحد منا عشرات الأسئلة التي كان ينوي طرحها على صاحب "الغرفة" و"الساقي الأبكم"، ولكن من حول الثلاثية السينمائية التي كان اشتغل عليها طوال الأعوام الماضية، لتشكل الأفلام المأخوذة عنها قمة ما وصل إليه فن... جوزيف لوزاي.
اسمي هارولد بنتر
يومها، بعد الترحيب من جانب جون بلايرز، وقف هارولد بنتر في مواجهتنا إلى جانب ديرك بوغارد، الذي راح يداعبه ويمازحه، مستثيراً إياه والتفت إلينا قائلاً: "غود إيفننغ كومرادز... اسمي هارولد بنتر"، ومن دون أن يعتذر عن عدم حضور لوزاي، قال لنا بعد بضع جمل إنه كان في الـ30 من عمره، ويقطن الرقم 373 تشيزويك هاي رود، في لندن، حين اتصل به لوزاي للمرة الأولى "يومها رن الهاتف، وما إن رفعت السماعة ورحبت بالمتحدث حتى أخبرني أنه جوزيف لوزاي وأنه تأثر تأثراً شديداً بمسرحيتي ’ليلة في الخارج‘، مؤكداً أنه لم ير أعمالاً كثيرة على التلفزة البريطانية يمكن مقارنتها بها، ثم تحدث عن إمكان التعاون بيننا في كتابة سيناريو للسينما".
خلال ليلة "ناشنال فيلم تياتر" تلك، عرضت الأفلام الثلاثة التي كتبها بنتر للوزاي: "الخادم"، و"حادث"، و"الوسيط"، إضافة إلى فيلم "إيفا" الذي ناقشنا بنتر حوله بوفرة مع أن لا علاقة له به.
واليوم، بعد مرور كل هذا الزمن يمكننا أن نقول إن عمل جوزيف لوزاي وصل إلى ذروته في الأفلام التي كتبها له بنتر، من دون أن يكون في هذا أي تقليل من شأن بقية أفلام ذلك المعلم الأميركي الأصل، الذي كانت لجنة ماكارثي الأميركية السيئة السمعة قد دفعته إلى المنفى اللندني الذي عاش فيه حتى آخر أيامه.
إنجليزية الأميركي
والحقيقة أن أول ما قد يقفز إلى أذهاننا، هنا، إذ نستعيد ثلاثية لوزاي - بنتر، هو أن هذه الأفلام، يمكن اعتبارها من بين أكثر أفلام السينما البريطانية، في تاريخها، إنجليزية، بحيث إنه بالكاد يمكن المرء أن يخمن أن المخرج أميركي يساري من وسكونسين، وأنه حين انتظم في المسرح الأميركي حقق أعمالاً تغوص في الحس الشعبي الأميركي حتى الأعماق.
ومن هنا يمكن الافتراض أن "مساهمة" بنتر في الأفلام الثلاثة كانت جذرية... على صعيد السيناريو، ولكن أيضاً - وبخاصة - على صعيد الحوار. ويقيناً أن أميركياً من طينة لوزاي ما كان في مقدوره أبداً أن يتدخل أدنى تدخل في الاشتغال على حوار، نعرف أنه في اثنين - في الأقل - من الأفلام الثلاثة، يعكس، أكثر من أي عنصر آخر، التفاوت الطبقي في حكايات الأفلام.
فإذا تذكرنا هنا أن الموضوع الأساس في "الخادم" كما في "الوسيط" كان موضوع التفاوت الطبقي، مشتغلاً عليه من طريق اللغة والحوارات، وأن هذا الموضوع يشكل الأساس في نجاح تلك الأفلام، سندرك بسرعة أن عمل بنتر في "الخادم" و"الوسيط" وأيضاً في "حادث" حيث يدور الموضوع في أجواء النخبة الجامعية المثقفة لم يكن عملاً تقنياً بحتاً.
دور اللغة الحاسم
لقد اشتهرت أفلام لوزاي في صورة عامة بكون المخرج يعمد وبدقة إلى تحديد الإطار الاجتماعي للشخصيات وللأحداث. وفي إنجلترا، الفكتورية والإدواردية التي تدور فيها أحداث هذه الأفلام، تأتي اللغة لتحدد المكانة الاجتماعية، إذ إن المرء ما إن يلفظ جملة واحدة حتى نكتشف موقعه الاجتماعي.
ومن هنا أيضاً تصبح اللغة، حواراً أو صمتاً أو إيماءات، عنصراً أساساً في الفيلم. ومن هنا إذا كنا نعرف أن الأفلام الثلاثة إنما هي اقتباسات من أعمال أدبية سابقة على تدخل بنتر أو لوزاي، سنفهم بسرعة أن العنصر الأساس الذي اشتغل عليه بنتر كان عنصر اللغة، ناهيك بعنصر أساس ثانٍ، هو ضبط العلاقة الحدثية بين النص الأصيل وما سيكون عليه الفيلم.
وفي هذا الإطار لا بد من القول إن بنتر قد أعاد إبداع تلك النصوص من جديد، بحيث صار من المنطقي اعتبار الأفلام الثلاثة استكمالاً لمتن اشتغال بنتر في المسرح. وهو ما فات أكاديمية نوبل أن تذكره للأسف في حيثيات منح جائزتها الأدبية لبنتر بعد ذلك بعقود، حيث - من دون محاولة المقارنة على أساس أحكام قيمة بين مسرح بنتر وسينماه - من الواضح أن المتن السينمائي لدى بنتر لا يمكنه إلا أن يندرج في عمله الكتابي ككل. ولنتطرف أكثر ونقول إن السيناريوهات والحوارات التي كتبها بنتر للوزاي عن روايات لآخرين، تبدو منتمية إلى عالم بنتر أكثر من انتماءاتها إلى عوالم مخرجيها أو كتابها الأصليين روبن موم "الخادم"، نيكولاس موسلي "حادث"، وهارتلي بالنسبة إلى الفيلم الأخير "الوسيط".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وصولاً إلى بروست
لكن عمل هارولد بنتر السينمائي، إذا كان بدأ مع جوزيف لوزاي في "الخادم" عام 1963، فإنه لم يقتصر عليه، إذ إنه واصل التعاون مع الفن السينمائي حتى عام 1981، في الأقل، حين كتب لمواطنه كارل رايس سيناريو "عشيقة الملازم الفرنسي" عن رواية جون فاولز، وكان قبل ذلك وصل إلى قمة كتابته السينمائية، من حيث النجاح التجاري، حين اقتبس لإيليا كازان سيناريو فيلم "آخر العمالقة" عن رواية لسكوت فيزجيرالد، وهو إضافة إلى هذا كتب سيناريو "آكل اليقطين" لجاك كلايتون 1964 كما كتب سيناريو لفيلم تجسس حققه مايكل أندرسون هو "تقرير كويلر" 1966.
أما العمل السينمائي الأكبر الذي كتبه هارولد بنتر فكان اقتباساً سينمائياً عن رواية "البحث عن الزمن الضائع"، لمارسيل بروست، كان من المفترض أن يحققه لوكينو فسكونتي لكنه لم يفعل، فاكتفى بنتر بنشره في كتاب.
واستكمالاً لهذه اللائحة يمكننا، طبعاً أن نضيف أفلمة كليف دونر عام 1963 لمسرحية "المعتني" لبنتر، ثم اشتغال روبرت آلتمان أواخر أعوام الثمانين على تحويل مسرحيتين لبنتر هما من أوائل أعماله "الغرفة" و"الساقي الأبكم" إلى فيلمين تلفزيونيين، سيتبين لاحقاً أنهما من أفضل أعمال آلتمان.
إن ما يلفت حقاً، في هذا كله، هو أن هارولد بنتر، لم يدن من الفن السابع، إلا مشتغلاً على سيناريوهات تخص نصوصاً أدبية لآخرين، فهو أبداً لم يكتب سيناريو مباشراً من عندياته للسينما، كذلك فإنه لم يشتغل على أي سيناريو انطلاقاً من مسرحية له، أو من أي نص آخر كتبه.
وهو في هذا يذكرنا طبعاً بأستاذنا نجيب محفوظ الذي كتب سيناريوهات عدة للسينما وبخاصة من تلك التي حققها صلاح أبو سيف لكنه لم يشتغل بنفسه على أي سيناريو يقتبس قصة له، وهو تحدث عن ذلك كثيراً بحيث لا نرى ضرورة للعودة إليه هنا.
أما بالنسبة إلى بنتر، فإن إصراره على هذا كان دائماً وقاطعاً، ولكن ليس من منطلق أن السينما والمسرح فنان لا يود هو لقاءهما، بل من منطلق أن صاحب أي عمل إبداعي سيكون أسوأ من يمكنه أن يحوله إلى عمل إبداعي آخر وهي حجة محفوظ نفسها طبعاً، غير أن المهم في هذا كله هو أن الأفلام التي كتبها هارولد بنتر أتت دائماً بعيدة في موضوعها من مواضيع مسرحياته.