Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران والنظم الأمنية المنفصلة في الأقاليم (3)

العرس النووي الذي احتفت به طهران ولّد لديها شعوراً بالاكتفاء والقدرة على توسيع نفوذها وسيطرتها

بلغ الاستنفار أوجه مع الحراك الشعبي المعارض بعد مقتل مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق" (أ ف ب)

ملخص

اتفاقية بكين بين الرياض وطهران لم تخرج في خطوطها العامة عما سبق أن طرحته إيران بعهد روحاني

عطفاً على الرؤية التي قدمها الرئيس الإيراني حسن روحاني حول تشكيل "ائتلاف الأمل" أو "ائتلاف هرمز للسلام"، وعطفاً أيضاً على المشروع الإقليمي الذي حمله وزير خارجيته محمد جواد ظريف بدعوة دول الجوار الخليجي، معها العراق، لتشكيل منتدى الحوار الإقليمي، جاء قرار الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي والعودة إلى سياسة العقوبات الاقتصادية المشددة والخانقة، ضربة لجهود النظام الإيراني وحكومة الرئيس حسن روحاني في ترجمة الإنجاز الذي تحقق في الاتفاق النووي لتكريس رؤية مشتركة مع دول الإقليم والجوار العربي الحيوي بمحورية إيران، وتضمن لها دوراً متقدماً ومؤثراً في رسم مستقبل منطقة غرب آسيا عموماً والشرق الأوسط خصوصاً.

الصفعة التي تلقتها إدارة روحاني مباشرة، والنظام من ورائه بعد قرار الإدارة الأميركية مع ترمب بالذهاب إلى خيار التصعيد والمواجهة مع إيران، أحبطت كل آمال وطموحات الحكومة والنظام في طهران بالانتقال أو التفرغ لبناء منظومة إقليمية جديدة، وقطعت الطريق على أي إمكانية لاعتماد سياسة الانفتاح والحوار وتبني سياسة خفض التصعيد والتوتر مع الجوار. لأن دول الجوار الخليجي رحّبت، أو على الأقل، أبدت رضاها على قرار ترمب حول الاتفاق النووي، لأنه جاء في الوقت المناسب لإعادة التوازن في الإقليم بينها وبين الطموحات الإيرانية، وبعد أن تعاطت وتعاملت طهران مع الاتفاق، وكأنه ضوء أخضر من إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما التي أطلقت يدها في الإقليم لتعزيز دورها ونفوذها وسيطرتها والتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول.

العرس النووي الذي احتفى به النظام ولّد لديه شعوراً بالاكتفاء والقدرة على توسيع نفوذه وسيطرته، وبالتالي فرض إرادته على الإقليم مستفيداً أو مستغلاً التراجع في التأثير الأميركي بناء على استراتيجية أوباما التي ذهبت إلى خيار تخفيف الانغماس في أزمات الشرق الأوسط، الأمر الذي انعكس سلباً على مواقف الدول الخليجية المعنية من تنامي الدور السلبي لإيران في جوارها، فكان من الطبيعي أن تأخذ العلاقة بينها مساراً تصعيدياً اقترب في كثير من الأحيان إلى حافة الانفجار والتصادم.

وقد بلغ التصعيد الإيراني مستويات متقدمة نتيجة العملية العسكرية "عاصفة الحزم" التي أعلنتها السعودية لتصحيح الوضع السياسي على خاصرتها الشمالية في اليمن، والتي اعتبرتها طهران تهديداً مباشراً لمناطق نفوذها الاستراتيجي والجيوسياسي في الإقليم، فكان أن انفجر الموقف الإيراني باتجاهين، الأول على المستوى الداخلي من خلال محاصرة أي إمكانية لسياسة انفتاحية كان يرغب بها روحاني باتجاه السعودية والدول الخليجية، والثاني وجد ترجمته في الهجوم الذي قامت به جماعات مؤيدة لمنظومة السلطة من المتشددين على مقر السفارة والقنصلية السعوديتين في طهران ومشهد، وكأن دوائر القرار في منظومة السلطة كانت تريد هذا التصعيد وتسعى له لاستخدامه في الصراع المتصاعد مع الرياض، وليكون غطاء لرفع مستوى الدعم والدور والنفوذ الذي تقدمه لجماعة الحوثي في اليمن، فضلاً عن تعزيز دورها ونفوذها في الساحات العربية الأخرى التي تشكل مساحة اشتباك بينها وبين الرياض.

حالة الاستنفار الإيراني والدفع باتجاه التصعيد ارتفعت وتيرتها مع تزايد الشعور بتنامي العزلة الدولية والإقليمية التي بدأت تضغط عليها، بخاصة مع ظهور مشاريع وتجمعات إقليمية بالتنسيق مع الإدارة الأميركية تهدف لمحاصرة الدور الإيراني في الإقليم وتحجيم نفوذه على العديد من الساحات في المنطقة، سواء على الساحتين السورية أو العراقية، وصولاً إلى تورطه مع الجماعات المتحالفة معه على الساحة اللبنانية وتفجر الأزمات الاقتصادية والسياسية في وجهها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد بلغ هذا الاستنفار أوجه مع الحراك الشعبي المعارض في الداخل الإيراني بعد مقتل الفتاة مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق"، والذي ترافق مع انفجار حراك موازٍ قامت به الأحزاب المعارضة الممثلة للأقليات القومية، بخاصة الكردية، والتي تسبب للنظام وأجهزته ومنظومته الأمنية إرباكات كثيرة وكبيرة وضعته في مواجهة أزمة استقرار قد تهدد مستقبل النظام، الأمر الذي دفع لتوجيه الاتهامات لأجهزة استخبارات دولية في مقدمها الأميركية والإسرائيلية وصولاً إلى السعودية بلعب دور سلبي ودعم التحركات الأمنية والأحزاب الانفصالية.

وفي الوقت الذي كان قائد قوات حرس الثورة حسين سلامي يهدد الحكومة السعودية بنقل المعركة إلى داخل أراضيها، كانت خريطة الخروج من هذا النفق ترسم على طاولة التفاوض بين أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني ونظيره السعودي وزير الدولة عضو مجلس الوزراء ومستشار الأمن الوطني مساعد العيبان برعاية صينية، والتي انتهت بتوقيع اتفاق تاريخي فتح الطريق أمام حل كثير من التباينات المتراكمة بينهما.

بعد الاتفاق أو تطبيع العلاقة واستئنافها مع الجار السعودي، بات الطريق مفتوحاً أمام الحكومة الإيرانية التي وصلت إلى السلطة التنفيذية بعد أن استطاعت منظومة السلطة فرض إرادتها في الاستحواذ على جميع مراكز القرار وتوحيد السلطة في يد تيار النظام، وبالتالي، لم يعد أمام هذه الحكومة أي عائق للانتقال إلى مرحلة جديدة، والبدء في تنفيذ سياسات طالما عمدت المنظومة إلى تعطيلها كيلا تعطي الفريق المعارض والخصم الداخلي أي أوراق تسهم في تدعيم وضعه في هرمية القرار والبقاء شريكاً في رسم السياسات.

اتفاقية بكين بين الرياض وطهران لم تخرج في خطوطها العامة عما سبق أن طرحته إيران في عهد الرئيس حسن روحاني حول رؤيته أو مشروعه الإقليمي تحت مسمى "ائتلاف الأمل" أو الرؤية التي قدمها وزير خارجيته ظريف حول "منتدى الحوار الإقليمي"، وما فيه من التزام إيراني واضح باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ووقف التدخلات والانتقال إلى سياسة تشبيك المصالح والشراكة الاقتصادية، ما يعني أن طهران، ومن أجل الانتقال إلى سياسة التهدئة، كان لا بدّ لها من تقديم تنازلات عملية وجوهرية قد تتعارض مع الآليات التي اعتمدتها ماضياً في توسيع دوائر نفوذها الإقليمي من أجل الانتقال إلى مرحلة التعاون مع جوارها العربي والإقليمي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل