ملخص
يعود الخلاف على مثلث إيليمي نتيجة الحدود الاستعمارية التي رسمتها بريطانيا خلال هيمنتها على تلك المناطق، وقد بدأ النزاع الحالي أساساً بين كينيا والسودان منذ عام 1963، عندما طالبت كينيا رسمياً بالمثلث بعد استقلالها.
في تطور لافت في شأن الحدود الموروثة عن جمهورية السودان، جدد نائب رئيس دولة جنوب السودان، تعبان دينق غاي اعتراض حكومة بلاده على خرائط متداولة لحدود دول شرق أفريقيا، معتبراً أنها لا تعكس موقف حكومته في شأن عدد من المناطق الحدودية المتنازع عليها، وفي مقدمها مثلث إيليمي (Ilemi Triangle) الذي تفرض عليه كينيا سيطرة سياسية وإدارية، فما الظروف المحيطة بالخلافات الحدودية بين دولة جنوب السودان وكينيا، وما أبعاد المشكلات الحدودية في شرق أفريقيا؟
وخلال اجتماع محلي لمجلس الوزراء، عقد في العاصمة جوبا في الـ29 من أغسطس (آب) الماضي، وتعليقاً على خرائط إقليمية ودولية للبنك الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمة الإيغاد تم عرضها، وتشير الدلائل إلى أنها خرائط تحديثية تستخدم لأغراض تنموية وأمنية، إلى جانب خرائط مناطق التداخل الإنساني المتعلقة بالمساعدات، وأخرى للحدود الإدارية كالتي يقدمها البنك الدولي والإيغاد للتخطيط لمشاريع إقليمية، قال دينق غاي إن "هذه الخرائط أغفلت مناطق تعدها حكومة جنوب السودان جزءاً من أراضيها"، مؤكداً أن "جوبا تتمسك بمطالبها في شأن تلك المناطق".
وفي ما يتعلق بـ"مثلث إيليمي"، رفض نائب الرئيس الجنوبي إظهاره على الخرائط باعتباره جزءاً من الأراضي الكينية، وقال إن وضع المنطقة لم يحسم بصورة نهائية، وإن تحديد وضعها ينبغي أن يتم من خلال التفاهم بين جنوب السودان وكينيا.
إيليمي... الموقع والتنافس
يقع "مثلث إيليمي" شمال بحيرة توركانا الكينية عند نقطة التقاء حدود كينيا وجنوب السودان وإثيوبيا. وتقدر مساحته ما بين 10320 و14 ألف كيلومتر مربع. وسمي على اسم زعيم قبيلة الأنواك "إيميلي أكوون"، وللمثلث قيمة اقتصادية وبعد استراتيجي نتيجة لموقعه الجامع لثلاث دول حدودية، هي جنوب السودان وكينيا وإثيوبيا.
ويشار إلى المنطقة كونها غنية بالنفط والمياه، وأضاف إليها وجود النفط في مقاطعة توركانا الكينية المجاورة منذ عام 2012، مزيداً من الأهمية. ويمثل المثلث منطقة جذب للرعاة من قبائل توركانا ونيانغاتوم، والسيطرة عليه تعني التحكم بموارد المياه والمراعي في المنطقة، وقد ظلت المنطقة من أهم المناطق المتنازع عليها في شرق أفريقيا.
ويعود الخلاف نتيجة الحدود الاستعمارية التي رسمتها بريطانيا، إبان هيمنتها على تلك المناطق، وقد بدأ النزاع الحالي أساساً، بين كينيا والسودان منذ عام 1963، عندما طالبت كينيا رسمياً بالمثلث بعد استقلالها، وحازت على إدارته الفعلية عام 1972 (بصورة غير معترف بها)، ولا تزال تحتفظ بتلك السيطرة التي باتت محل نزاع بينها وبين دولة جنوب السودان التي ورثت المنطقة والحدود.
ونتيجة للأطماع الاقتصادية المتزايدة، وما يمثله النفط من دافع، لم يعد "مثلث إيليمي" مجرد خلاف حول إرث استعماري، بل أصبح مدفوعاً بصورة أساسية بالرغبة في السيطرة على الموارد الطبيعية النادرة والنفط، وقد جرت محاولات لحل المشكلة عام 2019، حينما اتفقت كينيا وجنوب السودان على تشكيل لجنة حدودية مشتركة لحل النزاع، لكن لا تزال هناك مناوشات حدودية تحدث بين الحين والآخر.
أما في ما يتعلق بإثيوبيا، الطرف الثالث على حدود المنطقة، فتشير الوقائع على الأرض إلى أنها ليست طرفاً في النزاع على المثلث، فعلى رغم حركة القبائل الإثيوبية في المنطقة، فإن الحكومة الإثيوبية لم تقدم مطالبة رسمية، وأقرت في معاهدات سابقة في الأعوام 1902، و1907، و1972، بأن الأرض تابعة للسودان.
وإضافة إلى الأبعاد السياسية هناك أبعاد عرقية للصراع تتجاوز النزاع السياسي، تتمثل في تنافس القبائل الرعوية المحلية، وأبرزها قبائل توركانا، ونيانغاتوم، وتوبوسا، على الموارد، وتنعكس التوترات بين تلك القبائل تأجيجاً للخلافات بين دول المنطقة.
مسار تفاوضي
وأشار تعبان دينق غاي، الذي يشغل نائب الرئيس لشؤون البنية التحتية، إلى "أن هناك مناطق أخرى في شرق وغرب بحر الغزال، لم تظهرها الخرائط المتداولة بما يتوافق وموقف جوبا، وهي مناطق كافيا كينجي، وهورفارت، وآن حاسا".
وتقع منطقة كافيا كنجي (Kafia Kingi) في أقصى غرب الحدود بين السودان وجنوب السودان، في بقعة غنية بالموارد الطبيعية، وتتصل إدارياً اليوم بولاية جنوب دارفور السودانية.
أما هورفارت، وآن حاسا، فترتبطان بالخلاف الحدودي بين جنوب السودان وكينيا. وتقع هورفارت في نطاق الحدود الجنوبية الشرقية لجنوب السودان مع كينيا، بينما تمثل منطقة "آن حسا" منطقة حدودية في الجنوب الشرقي، وترتبط هي أيضاً بملف الحدود بين جنوب السودان وكينيا، وتأتي في سياق أوسع من المناطق التي ترى جوبا أن ترسيمها أو تبعيتها لم تحسم بصورة نهائية بعد. وهذه المناطق الثلاث تختلف في كونها ليست من المناطق المعروفة بالنزاع السياسي، والقانوني، بينما يمثل "مثلث إيليمي" ضمن الخلاف الحدودي بين جنوب السودان وكينيا بطابعه السياسي والقانوني.
وتأتي تصريحات نائب الرئيس الجنوبي في سياق التنبيه إلى أن هناك خلافات لا تزال تطول عدداً من المناطق الحدودية في منطقة شرق أفريقيا، حيث تتداخل الحدود الموروثة من الحقبة الاستعمارية، مع مطالبات الدول التي حصلت على استقلالها لاحقاً، فضلاً عن تمسك جوبا بمعالجة وضع "مثلث إيليمي" عبر مسار تفاوضي مع نيروبي، بدل اعتماد خرائط تعتبر وضع المنطقة محسوماً لمصلحة أحد الطرفين. وعلى الواجهة الكينية لم يصدر أي تعليق رسمي من حكومة نيروبي على التصريحات السودانية الجنوبية، إلا أن الحكومة الكينية ومنذ القرن الـ20 تتعامل مع المثلث باعتباره أرضاً كينية سواء في الواقع السياسي أو الإداري وعلى الخرائط.
نزاعات متوارثة
ولا تزال تشهد منطقة شرق أفريقيا كثيراً من النزاعات الحدودية، وكثير منها كمثلث إيليمي يتعلق بالهيمنة على الموارد الطبيعية والنفوذ الاستراتيجي، وترجع خلفياتها إلى سياسات التفريق والفصل الاستعماري، والسياسات السلبية المتعمدة التي اتبعها المستعمر تجاه الدول الأفريقية، في إغفاله طبيعة المناطق، وتوزيع السكان، وتعمده كذلك إغلاق بعضها على أجناس معينة منعاً للاختلاط والتأثير، كما فعل في جنوب السودان خلال القرنين الماضيين، حينما فصل كثيراً من مناطق جنوب السودان عن الشمال في ما عرف اصطلاحاً بـ"المناطق المغفلة"، وسياسة العزل الإداري والسياسي للجنوب.
وبالنسبة إلى مثلث إيميلي قامت بريطانيا التي كانت الدولة المستعمرة لكل من السودان وكينيا برسم حدود المثلث لمصلحة السودان عام 1914، لكنها سمحت لكينيا بإدارته فعلياً مقابل مبلغ مالي لحماية القبائل هناك. وأدى انشغال السودان بمشكلاته الداخلية بعد استقلاله، وحرب الجنوب، التي جاوزت نصف قرن من الزمن إلى جعله غير قادر على متابعة سيطرته على منطقة نائية كمثلث إيميلي، ليجد جنوب السودان بعد استقلاله عام 2011 نفسه أمام أمر واقع وهو السيطرة الكينية على المثلث.
أما النزاعات المصطنعة لدول شرق أفريقيا فهي:
- النزاع البحري بين كينيا والصومال حول منطقة بحرية غنية بالنفط والغاز في المحيط الهندي، الذي رفضت فيه كينيا حكم محكمة الأمم المتحدة لعام 2021 الذي كان يميل لمصلحة الصومال.
- نزاع السودان وجنوب السودان حول "منطقة أبيي" الغنية بالنفط، وهو من أكثر الملفات تعقيداً بين البلدين.
- نزاع أوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية حول "بحيرة ألبرت" وهو خلاف حول ملكية أجزاء من البحيرة التي تحوي نفطاً خاماً ومعادن ثمينة مثل الألماس والكولتان.
- نزاع تنزانيا ومالاوي حول "بحيرة مالاوي" وهو نزاع حول ملكية أجزاء من البحيرة الغنية بالنفط.
- وهناك النزاع بين كينيا وأوغندا حول "جزيرة ميغينغو": وهو خلاف حول ملكية الجزيرة الواقعة في بحيرة فيكتوريا بسبب مواردها السمكية واحتمالية وجود النفط.
- نزاع تاريخي بين إثيوبيا والصومال على منطقة أوغادين الذي تسبب باندلاع مواجهات في عامي 1964، و1977. ولا تزال التوترات قائمة لأسباب مستحدثة كالتي أنتجتها مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم "صوماليلاند" في يناير (كانون الثاني) 2023.
- كذلك لا يزال النزاع بين إثيوبيا وإريتريا على الحدود المشتركة بينهما، وضمن حيثيات مشكلات إقليم تيغراي المجاور، يتسبب في تصاعد التوترات، وقد رفعت مطالبة إثيوبيا بالحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر وتيرة التصعيد التي لا تزال تراوح ما بين التأجيج والتهديد.
يذكر أن علاقة جنوب السودان مع كل من كينيا وإثيوبيا المشاركتين في الحدود ذات طابع مختلف، فمع كينيا يطغى التنافس على التعاون في علاقة ذات طابع معقد نتيجة النزاع الحدودي على المثلث المذكور وبعض المناطق الأخرى، وعلى رغم ذلك هناك تعاون اقتصادي وأمني، برز عام 2019 وتشكلت بموجبه لجنة حدودية مشتركة لحل الأزمات.
أما العلاقة مع إثيوبيا فتوصف بـ"الجيرة الاستراتيجية"، كونها علاقة أوثق، وإثيوبيا ليست طرفاً رسمياً في النزاع حول "مثلث إيليمي"، إذ أقرت في معاهدات سابقة بأن الأرض تابعة للسودان، وترتكز علاقة الجنوب معها على تعاون حقيقي في كثير من الأطر، سواء الاقتصادية أو غيرها.
وترتدي العلاقة بين جنوب السودان والسودان طابعاً تقليدياً، وعلاقات تحكمها مصالح اقتصادية وأمنية، تميل إلى التعاون على رغم الملفات المفتوحة، والتبعات التي لا تزال تتفاعل نتيجة العقد التاريخية.
التوقيت ومسار الخيارات
إثارة قضية مثلث إيليمي في هذا التوقيت ربما ترجع لعوامل داخلية سياسية واقتصادية، إذ تسعى السياسة الداخلية عادة إلى إشغال الرأي العام بقضية قومية في ظروف الخلافات أو التجهيزات المرتبطة سواء بالتحضير للانتخابات أو التوريث السياسي، وهي ظروف تحتاج فيها الدولة إلى تهدئة الأوضاع. والخلافات العرقية التي تعانيها دولة جنوب السودان، وتقودها كثير من الجماعات المسلحة كـ"الحركة الشعبية لتحرير السودان" المعارضة، و"الجيش الشعبي لتحرير السودان"، و"الجيش الأبيض"، و"جبهة الإنقاذ الوطني"، ربما تذهب بالسياسات المحلية للدفع بمثل هذه التحديات لنقل تركيز الرأي العام.
يشار كذلك إلى الظرف الصحي المحيط بالرئيس سلفاكير ميارديت، واالهواجس المتعلقة بخلافته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشهد الدولة الأحدث في العالم ضغوطاً اقتصادية تنعكس على حياة المواطنين نتيجة الفساد، والتبعات المصاحبة لعدم الاستقرار في كثير من المناطق وتعطل المشاريع، وهناك احتمالية استغلال الفراغ الإقليمي والدولي في عدم انشغاله بأزمات أخرى، كفرصة أمام الدول لطرح ملفاتها المتمثلة بالحدود والخلافات الإقليمية، ولا يسقط البعد السياسي الظرفي العامل القومي كدافع حقيقي لدولة جنوب السودان التي تتلمس طريقها كوجود منافس لجوارها الإقليمي.
أما في ما يتعلق بالمسارات المحتملة في قضية "مثلث إيليمي" فتمثل الإرادة الكينية عنصراً مهماً وأساساً في مسار القضية، ففي حال الموافقة على اعتماد الحوار والتفاوض، تلجأ قضايا الحدود عادة إلى الآليات الأفريقية (مثل الاتحاد الأفريقي) أو الآليات الإقليمية (مثل الهيئة الحكومية للتنمية 'إيغاد') للوساطة وتجنب التصعيد.
وقد تبدأ جولات مفاوضات مباشرة، غالباً ما تكون بطيئة ومعقدة بسبب عدم الوضوح في الخرائط التاريخية. وتشير المصادر إلى تعامل آخر مع المسار القانوني عبر آليات الترسيم أو الوساطة. وفي حال تعثر المفاوضات قد يتم الاتفاق على "منطقة عازلة" أو تجميد الوضع لتجنب الاشتباكات العسكرية، مع استمرار المفاوضات فترات طويلة.
الآثار المترتبة في حال فشل الجهود السلمية تنعكس على استقرار المنطقة، في تصاعد التوترات الأمنية على الحدود المشتركة بين كينيا وجنوب السودان، مما يتسبب في تشريد ونزوح السكان، واشتباكات قبلية مصاحبة. ويقود الوضع إلى عرقلة مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود، مثل خطوط الأنابيب أو الطرق، مما يؤثر في الاقتصاد الإقليمي، وتتسبب الخلافات الحدودية المستمرة عادة بإضعاف الثقة بين الدول، وتعطيل التعاون في ما بينها في ملفات رئيسة كالأمن ومكافحة الإرهاب.
شبكات أزمات الجوار
يقول الكاتب المتخصص في القضايا الأفريقية إبراهيم قارو إن "إعادة فتح ملف مثلث إيليمي بين جنوب السودان وكينيا تكتسب خطورتها الحقيقية من موقعها داخل شبكة أزمات الجوار، وليس من طبيعة الخلاف الحدودي وحده، فإيليمي تقع في منطقة تتقاطع فيها حدود جنوب السودان وكينيا وإثيوبيا، وهي منطقة تتأثر مباشرة بما يجري في محيطها من اضطرابات أمنية وحركة سكانية ونزاعات على الموارد، مما يجعل أي توتر جديد قابلاً للارتباط بأزمات تتجاوز حدود الدولتين. وتأتي إعادة طرح الملف في وقت تعاني فيه جوبا نفسها هشاشة سياسية وأمنية، بينما تواجه الخرطوم حرباً ذات تداعيات مباشرة على أمن حدود البلاد الجنوبية، وتعيش إثيوبيا بدورها حالاً من التوترات الداخلية والإقليمية المتداخلة، فيما لا تزال الصومال ومنطقة القرن الأفريقي تواجهان تحديات أمنية مستمرة. وفي مثل هذه البيئة فإن أي خلاف حدودي لا يبدأ بالضرورة كأزمة إقليمية، لكنه يمكن أن يصبح جزءاً من مسار أوسع لتراكم الأزمات، خصوصاً عندما تتداخل الحدود مع الرعي والموارد وحركة السكان والمصالح الأمنية"، ويضيف "وتزداد أهمية إيليمي بسبب قربها من المجال الذي تتقاطع فيه المصالح الإثيوبية والكينية والجنوب سودانية، فإثيوبيا لا تزال لاعباً مركزياً في أمن شرق أفريقيا، وأي اضطراب في مناطقها الحدودية مع كينيا أو جنوب السودان يمكن أن يضيف ضغطاً جديداً إلى بيئة إقليمية مثقلة أصلاً بالتوترات، كذلك فإن استمرار الحرب في السودان يدفع مزيداً من السكان والحركة الاقتصادية والأمنية جنوباً، بما يجعل دول الجوار، وفي مقدمها جنوب السودان وكينيا وإثيوبيا، أكثر حساسية تجاه أي تطور حدودي قد يؤثر في أمنها المحلي".
ويرى إبراهيم قارو أنه "لا يمكن فصل التطورات في هذه المنطقة عن التحولات الأوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، فإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، والتنافس على الموانئ والممرات التجارية، والتوترات الإثيوبية - الإريترية، وأمن باب المندب، كلها عوامل تجعل استقرار العمق الشرقي لأفريقيا جزءاً من معادلة أمن البحر الأحمر، ومن ثم فإن أي اضطراب في منطقة إيليمي لا يمثل بالضرورة تهديداً مباشراً للبحر الأحمر، لكنه قد يضيف حلقة جديدة إلى سلسلة الضغوط الممتدة من الداخل الأفريقي نحو ساحله الشرقي. وهنا تكمن المسألة الأهم: أن أزمات شرق أفريقيا لم تعد منفصلة جغرافياً أو أمنياً بالمعنى التقليدي، فالحرب في السودان تؤثر في جنوب السودان، والتوترات الإثيوبية تنعكس على محيطها، والأزمة الصومالية ترتبط بأمن كينيا وإثيوبيا، فيما تتصل هذه الدائرة كلها بالتحولات في البحر الأحمر. وفي مثل هذه البيئة فإن إعادة فتح نزاع حدودي مثل إيليمي قد تكون أهميتها في كونها تضيف نقطة احتكاك جديدة إلى نظام إقليمي يعاني أصلاً تشابك بؤر التوتر، لذلك فإن الخطر لا يتمثل في احتمال اندلاع مواجهة جنوب سودانية ـ كينية فحسب، وإنما في احتمال دخول ملف إيليمي إلى شبكة الأزمات القائمة، بحيث تتداخل الحسابات المحلية مع مصالح دول الجوار والقوى الإقليمية، وإذا حدث ذلك فقد يتحول النزاع من قضية قابلة للاحتواء عبر التفاوض الثنائي إلى عنصر إضافي في إعادة تشكيل الاصطفافات الأمنية في شرق أفريقيا".
ويختم المتحدث بالقول إنه "من هنا تبرز مسؤولية إيغاد بصورة أكبر، فالمطلوب ليس انتظار انتقال الخلاف إلى مرحلة التصعيد، وإنما التعامل معه مبكراً ضمن رؤية تعتبر النزاعات الحدودية جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي، فإيليمي، في هذا السياق، ليست قضية جغرافية معزولة، وإنما اختبار لقدرة دول شرق أفريقيا على منع أزماتها المتجاورة من التحول إلى أزمات مترابطة، في إقليم أصبح فيه انتقال التوتر من دولة إلى أخرى أسرع من قدرة المؤسسات الإقليمية على احتوائه".