الأثرياء سينجون من التغير المناخي...وهذه حال العراق منذ اليوم

تقدّم بغداد لمحة مقلقة عن مستقبلٍ يمكن للأغنياء دون سواهم فيه الهروب من تبعات تغيّر المناخ

بائع عراقي صنع ما يشبه قبعة من الكرتون ليحتمي من حرارة الشمس (أ.ف.ب.)

"إنه الهلاك". هذا ما يقوله محمد البالغ من العمر 17 عاماً فيما يتصبب عرقاً داخل متجر الخردوات الذي يعمل فيه وسط بغداد.

تبلغ الحرارة هنا 48 درجة مئوية ولا مفرّ من القيظ. فالكهرباء مقطوعة في حيّه ولا يستطيع أن يتكلّف ثمن مولّد كهربائي لتشغيل المكيّف. والحال في المنزل مماثل.

يقول محمد بصوت خافت "أستيقظ خلال الليل وأنا مبتل تماماً من العرق. هذا الأمر مرهق. فالحرّ يشعرك بسوء شديد".

اعتاد العراق على حرارة الصيف الخانقة ولكن الأدوات المتاحة لسكّانه من أجل درء الحرّ تصبح، على قلّتها، باهظة الثمن وبعيدة المنال بالنسبة للفقراء من بينهم.

في هذا الزمن الذي  تقاسي خلاله الدول الأوروبية بعض أعلى درجات الحرارة التي اختبرتها في تاريخها، ومع زيادة انتشار الظواهر الجوية المتطرفة، تقدّم بغداد لمحة مقلقة عن مستقبلٍ لن يستطيع سوى الأثرياء فيه الهروب من آثار تغيّر المناخ.

فقد حذّر تقرير أصدرته الأمم المتحدة الشهر الماضي من أنّ العالم يتوجّه نحو سيناريو "تمييز مناخي" "يدفع فيه الأثرياء مقابل خلاصهم من الحرّ الشديد والمجاعة والنزاعات فيما يعاني باقي العالم منها".

أمّا في بغداد، فقد استحال هذا السيناريو واقعاً بالفعل. فحين تصل درجة الحرارة إلى 48 درجة مئوية، خلال الأيّام التي أصبحت تحلّ في وقت مبكر من كل عام، تُعدّ أجهزة التكييف الطريقة الأمثل للتبريد. لكن أزمة الكهرباء التي تمرّ بها البلاد تجعل حتى الجهاز الأساسي هذا بعيداً عن متناول العائلات ذات الدخل المنخفض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فاقمت الأزمة التي سببها اجتماع الفساد بسوء الإدارة وتهالك الشبكة الكهربائية، الهوة في مجال الطاقة في البلاد. وأدى اجتماع هذه العوامل إلى خلق فارق شاسع بين العرض والطلب على الكهرباء وخاصة في فصل الصيف. يمكن استخدام مولّد كهربائي يعمل على المازوت لسدّ جزء من الحاجة إلى الطاقة ولكن تشغيل مكيف هواء على المولّد رفاهية لا تتاح سوى لقلّة من الناس.

ويقول أبو أحمد صاحب متجر المعادن الواقع على مقربة من متجر محمد "توقيت التغذية بالطاقة الكهربائية عشوائي تماماً. فأحياناً يصلنا التيار الكهربائي عند الساعة العاشرة صباحاً ولا ينقطع طوال النهار، وأحياناً أخرى يصلنا التيار لساعة واحدة فقط. ويستحيل تشغيل مكيف الهواء من دون استخدام شبكة التغذية الحكومية".

يدفع أبو أحمد حوالى 50 جنيهاً استرلينياً في الشهر لتشغيل مولّد يوفّر له طاقة كهربائية بمقدار أربعة أمبير وهذه التكلفة القصوى التي يستطيع تحمّلها. وإن تخطّى الكمية المحددة من الأمبيرات، يتوقف المولّد عن العمل.

ويشرح قائلاً "أستطيع أن أشغّل البراد والأضواء فقط لا غير. لا أقوى على النوم ليلاً ويرشح مني العرق بلا توقّف".

ربما تكون أزمة الكهرباء في العراق مشكلة محلية ولكن عدم المساواة في التبريد مشكلة عالمية يرجح أن تتّضح معالمها أكثر مع ارتفاع درجات الحرارة.

يعيش نحو 2.8 مليار شخص في بلدان يتخطى متوسط الحرارة اليومية فيها 25 درجة مئوية بحسب وكالة الطاقة الدولية، وأقل من 10 في المئة من بينهم يملكون مكيّفاً للهواء. ووفقاً لتقديرات الوكالة، لن يكون لدى 1.9 مليار شخص يعيشون في بلدان حارّة القدرة على استخدام مكيف للهواء بحلول العام 2050.

ويقول البروفسور فيليب ألستون، مقرّر الأمم المتحدة الخاص المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان الذي وضع تقرير "الفصل المناخي" إن حياة فقراء العالم ستكون بخطر.

وأطلع ألستون الإندبندنت على الآتي "بسبب ارتفاع مستويات الحرارة القياسية المستمرّ في العراق وباقي مناطق العالم سيحدق الخطر بأفواج كبيرة من أكثر الناس تأثراً بالحرّ. وسوف يواجه الأطفال والمسنّون والمرضى ومن ليسوا في تمام العافية خطر الموت بسبب القيظ".

"وستوفّر أجهزة التكييف السبيل الوحيد لوقاية بعضهم قليلاً من الحرّ. ولكن هذه الطريقة مكلفة بسبب ثمن الجهاز أو النظام وكلفة الكهرباء. في أغلب الأحيان، لن يكون هذا النوع من الرفاهية متاحاً بالنسبة لأفقر الناس الذين سيفتقرون أيضاً إلى المال اللازم لتوفيره".

للمدن العراقية بعض الأفضلية على أوروبا في مجال التعامل مع درجات الحرارة المتطرفة. فقد صممت أحياؤها ومنازلها بطريقة تأخذ الحرارة بعين الاعتبار. يهبّ الهواء عبر الشوارع الضيقة ليمرّ من خلال النوافذ العالية فيما يتصاعد الهواء البارد من أقبية المنازل القديمة.

وفي المقابل، كشفت موجات الحرّ الأخيرة التي ضربت باريس ولندن وبرلين أنّ البلدان الأوروبية غير مجهّزة بما فيه الكفاية للتعامل مع ارتفاع درجات الحرارة.

فما إن بلغت الحرارة في المملكة المتحدة الشهر الماضي درجة شبه قياسية نسبتها 38.7 مئوية، حتى طغت المأساوية على عناوين الصحف وسادت الفوضى في وسائل النقل وأطلقت الحكومة سيلاً من التحذيرات وكانت كل هذه الاجراءات مبررة.

وعادة ما يصاحب ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا زيادة في عدد الوفيات غالباً في صفوف المسنين ومن يعانون من أمراض في القلب والرئتين. في العام 2003، تسببت موجة الحرّ بوفاة 70 ألف شخص إضافي على امتداد القارة. وحذّرت لجنة التدقيق البيئي في البرلمان البريطاني من أنّ المملكة المتحدة قد  تواجه احتمال وفاة 7000 شخص كل عام بسبب الحرّ بحلول العام 2050 إن لم تتخذ أية خطوات للتصدي لهذه المسألة.

في الوضع الحالي، تبقى أوروبا غير مستعدة أبداً لمواجهة هذا الموضوع. إذ تقدّر وكالة الطاقة الدولية عدد المنازل المجهّزة بمكيّف للهواء في أوروبا بأقل من 5 في المئة لكنها تضيف أنّ اجهزة التكييف مرشحة لأن تصبح من بين أهم العوامل الدافعة للطلب على الكهرباء عالمياً بعد عقود قليلة.

ويصف مكتب الأرصاد الجوية في المملكة المتحدة موجات الحرّ بأنها "ظواهر جوية متطرفة" لكنه يضيف أرجحية تكرارها بسبب تغير المناخ. وتظهر توقعات المكتب الخاصة أنّ  موجات الحرّ ممكن أن تحدث بانتظام كل سنتين في المتوسط بحلول منتصف القرن الحالي.

ومن الأرجح أن يؤثر ارتفاع الحرارة على طريقة عملنا أيضاً. وفقاً لمنظمة العمل الدولية فإن أكثر التوقعات تفاؤلاً لمستويات الاحترار ستتسبب بانخفاض ساعات العمل عالمياً بنسبة 2.2 في المئة بسبب الإجهاد الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة بحلول العام 2030 وهو ما يعادل 80 مليون وظيفة بدوام كامل.

في حين تدرس أوروبا مستقبلها المليء بأزمات المناخ، يسبقها العراق بأشواط في هذا المجال.  

يعرف محمد العامل في محل الخردوات حق المعرفة كيف يستطيع الحرّ أن يشلّ حركتك.

"هذه الوظيفة سهلة لأنها لا تفرض عليّ التحرّك كثيراً. ولكن أدنى عمل يتطلب منك بذل جهدٍ إضافي. إنما الوظائف الأخرى مثل الأعمال الخارجية أصعب بكثير".

وبينما تتمتع البلدان الأوروبية بمزيد من الوقت والموارد على الأقل لكي تتكيف مع هذه الظاهرة، يقترب العراق بسرعة من حلول كارثة بيئية.

فلقد وصف تقرير أصدرته في العام  2018 مجموعة باحثين من مؤسسة "إيست ويست" للبحوث و"معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" العراق على أنه "أحد بلدان الشرق الأوسط الأكثر تأثّراً بتغير المناخ".

وقال التقرير "إن تغير المناخ يظهر حالياً عبر موجات الحرّ الطويلة وتساقط الأمطار العشوائي وارتفاع درجات الحرارة عن المستوى المألوف وازدياد حدة الكوارث" مضيفاً توقعه بارتفاع متوسط الحرارة السنوية القاسية في البلاد بنسبة درجتين مئويتين على مقياس سيلسيوس بحلول العام 2050.   

ويقول مدير قسم البيئة في الهيئة العامة للأحوال الجوية والرصد الزلزالي في العراق وخبير الأرصاد محمود عبد اللطيف إن العراق يشهد درجات حرارة قصوى في وقت أقرب من العام.

ويشير عبد اللطيف إلى أنّه "في العام 2011، بلغت درجة الحرارة 50 درجة مئوية في شهر أغسطس (آب). ما زلنا الآن في شهر يونيو (حزيران) وقد وصلت درجة الحرارة في بغداد إلى 49 درجة مئوية. ما يعني حدوث تحوّل في قراءة درجة الحرارة بفارق شهرين".

"يصبح الوضع بالغ الخطورة عندما تبلغ الحرارة 50 درجة إن كنت في العراء. والوضع أخطر بعد بالنسبة للفقراء فليس لديهم أجهزة تكييف تبرّد الجو".

لكن وفقاً للسيد حامد تستطيع الحكومة أن تتخذ بعض الإجراءات للتعامل مع القيظ.  

ويلفت إلى أنّ "الحل الأمثل هو بالتشجير وزيادة المساحات الخضراء الذي بإمكانه أن يخفف الحرارة. كما علينا إزالة كافة المصانع والتقنيات القديمة".

ولكن على الرغم من ثروة العراق النفطية العظيمة، ما زال الفساد يعيق الإصلاحات والعراقيون ساخطون. خلال الصيف الماضي، اندلعت المظاهرات العنيفة في مدينة البصرة الجنوبية احتجاجاً على عجز الحكومة عن تأمين الكهرباء والمياه بشكل ثابت. وكانت الحكومة قد وعدت باستثمار المليارات بهدف تحسين شبكة الكهرباء الوطنية ولكن قلة لاحظت الفرق في الشبكة. وعاد المتظاهرون إلى الشوارع هذا العام استباقاً لصيف آخر من الحر واللهيب.

ويقول خبير الأرصاد الجوية السيد حامد "نتوقع أن يكون الطقس المقبل على العراق بغاية الخطورة. وفي حال عدم إصلاح هذه المشكلة، أتوقع أن تسقط الحكومة بسببها". 

© The Independent

المزيد من بيئة وجيولوجيا