Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صديق الأمس... لماذا انقلب مسلحو أمهرا على أديس أبابا؟

مراقبون: إعلان الطوارئ في الإقليم مؤشر إلى نكسة مشروع السلام وجماعة "فانو" قوة غير نظامية تدعمها جهات إقليمية

أفراد من قوات أمن خاصة تقف حراسة في إحدى شوارع مدينة حميرة بإقليم أمهرا الإثيوبي (رويترز) 

كان الأمس مختلفاً حينما تحالفت الحكومة الإثيوبية مع إقليم أمهرا ممثلا في جماعة "فانو" العسكرية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، ونتيجة لتوالي خسائر الحكومة وتيغراي والضغوط الخارجية، توصل الطرفان إلى "اتفاق سلام بريتوريا" في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وكانت أهم بنوده تسليم تيغراي لأسلحتها وطي صفحة الحرب.

واليوم ترفض جماعة "فانو" المسلحة تسليم أسلحتها وترفعها في وجه حكومة آبي أحمد، مما اضطر الحكومة إلى إعلان حال الطوارئ في الإقليم، وهو ما يمثل نكسة حقيقية لمشروع السلام ويثير تساؤلات حول تطورات السياسة الإثيوبية، وهل ما يحدث هو تغيير استراتيجيات أم تبادل إجباري للمواقع؟

وصدر بيان عن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي الجمعة الماضي قال إنه "انطلاقاً من مسؤوليات الحكومة في حفظ النظام وفرض القانون والحفاظ على السلم والأمن، قرر مجلس الوزراء إعلان حال الطوارئ في إقليم أمهرا وفق المادة (93\1) من الدستور الإثيوبي".

وذكر البيان وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية (فانا) أنه "نظراً إلى الأنشطة غير المشروعة من قبل الحركات المسلحة في إقليم أمهرا، بما يسهم في تعطيل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية لسكان الإقليم وتقويض النظام الدستوري، أصبح من الضروري اتخاذ تدابير طارئة لحفظ النظام وفرض القانون والحفاظ على السلم والأمن".

وتشير التقارير إلى تصعيد خطر من قبل جماعة "فانو" في إقليم أمهرا، إلى جانب اتهامات الحكومة للجماعة بإشاعة الفوضى وارتكاب انتهاكات جسيمة في حق سكان الإقليم.

مؤشر إلى ظروف جديدة

وتأتي التطورات الجديدة تباعاً بعد دخول الحكومة والحركة الشعبية لتحرير تيغراي أجواء السلام والتنفيذ العملي للاتفاق بتسليم تيغراي أسلحتها، وكانت الحكومة الإثيوبية استغلت فرصة السلام بإعلان شامل من كل الجماعات الإقليمية المسلحة بتسليم ذخائرها وإنهاء مظاهر التسلح القبلي الذي فرضته ظروف الحرب السابقة مع تيغراي.

وكانت ميليشيات "فانو" الأمهرية، إحدى أكبر الجماعات المسلحة لحماية الإقليم، رفضت التوجه الجديد وتسليم أسلحتها للحكومة باعتبار أن الاتفاق بين الحكومة وتيغراي لم تكن أمهرا طرفاً فيه، إلى جانب ما تدعيه الجماعة من التحوط للحفاظ على أراضيها وحدودها الشرعية ضد أي خطر مستقبلي، بخاصة من طرف تيغراي، في ظل الخلافات الحدودية والعداوات التاريخية بين الطرفين.

ويأتي الخلاف الجديد بين جماعة "فانو" وحكومة آبي أحمد الذي تطور أخيراً إلى حرب بين الطرفين بعد أن شكلا في السابق جبهة متحدة ضد قومية تيغراي، وكان التشكيل العسكري للجماعة كذراع مساندة للحكومة في حربها السابقة ضد جبهة تيغراي من ضمن تشكيلة الحكومة التي توصف بكونها تحالفاً سياسياً وقومياً بين رئيس الوزراء آبي أحمد المنتمي لقومية "أرومو" وقومية "أمهرا"، الغالبية الثانية بعد قومية "أروموا"، والتي تشكل العمق السياسي والحضاري لإثيوبيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت مرحلة الخلاف السابقة بين تيغراي ورئيس الوزراء آبي أحمد ذات خلفيات عدة، أهمها العزل الإجباري الذي منيت به جبهة تيغراي من الحكومة، واتهام عناصرها بالفساد إلى جانب ما تبع التغيير السياسي نتيجة الاحتجاجات الشعبية في فبراير (شباط) 2018 من تطورات أدت إلى استقالة رئيس الوزراء هيلي ماريام ديسالين، وأطاحت أخيراً بنظام تحالف "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية" بقيادة جبهة تحرير تيغراي، بعد تولي وتسلم آبي أحمد رئاسة الوزراء، وإبعاد عناصر الجبهة من المشهد السياسي بعد حكم إثيوبيا لأكثر من ثلاثة عقود.

دمج القوات

أما عن أسباب الخلاف مع جماعة "فانو العسكرية" فيشرحها رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية يسن أحمد بقوله إن "جوهر الصراع يكمن حول دمج القوات العسكرية لـ ’فانو‘ والقوات الخاصة لإقليم أمهرا في قوات الدفاع الإثيوبية، بعد إقرار القانون الجديد بإزالة مظاهر التسلح القبلي لمصلحة جيش فيدرالي موحد من قبل البرلمان الإثيوبي، ومنع تكرار تمرد أي إقليم من الأقاليم الإثيوبية مستقبلاً، مثل تمرد إقليم تيغراي الذي كان مكلفاً وخلف وراءه مئات الآلاف من الضحايا، وكذلك الخسائر المادية التي استنزفت خزانة الدولة في تغطية كلف الحرب مدة عامين".

ويضيف، "لا يزال إقرار السلام الشامل توجهاً قومياً يتبناه آبي أحمد ويدعو إليه في سبيل وطن يعمه السلام ويتوحد فيه أبناؤه، ولا تمثل قضية جماعة ’فانو‘ سوى عقبة يمكن تجاوزها بالحوار بين جميع الأطراف الإثيوبية من دون تمييز أو عزل لأي عنصر".

أيديولوجية القومية الواحدة

ويقول الكاتب والمحلل السياسي الإثيوبي موسى شيخو في وصف ماضي وتطورات الأوضاع، "قد يكون الأمر تغيير استراتيجيات وقد يكون أيضاً تغييراً إجبارياً للمواقع، ومعروف أن بعض أفراد التيار القومي المتطرف في قومية أمهرا يحن بشدة إلى الماضي حين كان يحكم إثيوبيا بقومية واحدة ودين واحد، وهو ما يسمى بالوحدويين أو الراديكاليين، وهذا التيار على رغم عدده المحدود إلا أن له تأثيراً قومياً لأنه يستخدم الدين كغطاء لسياسة أيديولوجية القومية الواحدة أو إثيوبيا الكبرى".

ويضيف، "بعد انهيار نظام الرئيس الأسبق منغستو هيلاماريام وصعود جبهة تحرير تيغراي للسلطة، رفض التيار السابق خطوات الجبهة لترسيخ الحكم الفيدرالي مع إعطاء فرصة لكل القوميات ومن بينها الـ ’أرومو‘ للوصول إلى السلطة والمركز"، متابعاً "يعتقد هذا التيار أن سياسة تيغراي أدت إلى إضعافهم وتهميشهم وإبعادهم من مركز السلطة، فهم يريدون العودة سلماً أو حرباً للسلطة واحتكار المركز، واختاروا هذه المرة طريق القوة فدخلوا هذه الحرب إرغاماً للحكومة المركزية على التفاوض أو إسقاط نظام آبي أحمد للوصول إلى السلطة، وإعادة قومية الأمهرا إلى ما كانت عليه طوال 150 عاماً قبل وصول جبهة تيغراي إلى السلطة".

ويتابع شيخو، "هؤلاء يمكن أن نطلق عليهم اسم الدولة العميقة أو بقايا النظام الأسبق، وهذا التيار هو الذي اختار طريق الحرب الآن، ومعروف أن الكفاح السلمي الذي انتهجته قومية الـ ’أرومو‘ بالتظاهرات السلمية والذي أوصل آبي أحمد إلى السلطة وكان الأمهرا مشاركين فيه بشبابها الذين يطلق عليهم اسم ’فانو‘".

ويوضح أن "’فانو‘ في البداية هم حركة شعبية سلمية، وقد انضم أكثر قيادات ’فانو‘ للحكومة وبعضهم أسس أحزاباً معارضة، ومن بقي من هؤلاء هم الذين تمردوا في وجه الحكومة، كما ترك’اتفاق بريتوريا‘ مع جبهة تيغراي صدمة وخيب آمال كثير من هذا التيار، إذ اعتقدوا أن الحكومة المركزية انحازت إلى جبهة تحرير تيغراي، وكان هذا التيار يأمل في أن يقضي تماماً على الجبهة ويستأصلها لإثبات قوته والوصول إلى المركز، لكن هذا لم يتحقق له".

وواصل، "فوجئوا باتفاق السلام الذي جاء بضغط المجتمع الدولي الذي شدد على إنهاء الحرب سلمياً في تيغراي، فاعتقدوا أن الحكومة انحازت ضدهم مما جعلهم يصعّدون الأوضاع في أمهرا حتى وصل الأمر بأن يطلب حاكم الإقليم من الدولة المركزية التدخل، وفي هذه الحال ينص الدستور الإثيوبي في المادة (93\1) على تدخل المركز لإنفاذ القانون وفرض السيطرة الكاملة من وزارة الدفاع والأذرع الأمنية على الأوضاع وإعادة الأمور لنصابها".

ويشرح شيخو أن "الحكومة الفيدرالية لديها تصور للسلام عبر برنامج لجنة الحوار الوطني، والحوار ليس تفاوضاً مع جهة معينة، لكنه حوار شامل للتحاور ومناقشة كل النقاط التي لا تتفق عليها القوميات، وبخاصة القوميات الرئيسة الثلاث الأرومو والأمهرا والتيغراي وحتى الدستور الإثيوبي، لكن التيار المتطرف في الـ ’أرومو‘ أو الأمهرا يعتقد أن حمل السلاح ربما يوصلهم إلى تقاسم السلطة والثروة".

نزاعات إقليمية

من جهته يقول مدير موقع الراصد الإثيوبي بأديس أبابا أنور إبراهيم إن "’فانو‘ هي مجرد مجموعة أمهرية تدعو إلى التمرد وهي قوة غير نظامية، لكن هناك جهات تحاول أن توفر لها كل الدعم من مدد عسكري وتدريب، وبخاصة أريتريا التي باتت غاضبة بعد توقيع اتفاق السلام الإثيوبي في بريتوريا".

ويضيف، "جماعة ’فانو‘ لم تشكل أي هاجس في السابق، لكن خلال الأشهر الثلاثة الماضية ظهرت قوى أخرى متطورة وعملت على تجميع الشباب وقطاع الطرق في لواءات عسكرية حشدت لها الدعم من الخارج، ونتوقع أن يكون لهم دور لفترات محدودة، لكن لن يتطور دورهم لعدم قدرتهم القيادية، وهم ليسوا حزباً مثل جبهة تحرير تيغراي، وليسوا جماعات سياسية لها كيان، وأعتقد أن الحكومة الإثيوبية قادرة على معالجة مثل هذه الانفلاتات الأمنية في أمهرا، وإن لم يتم حسم هذه التحركات فقد يكون لها أثر في دول الجوار مثل السودان وغيره، وربما قد تصعد الأمور بحرب مع أقاليم إثيوبية أخرى مثل تيغراي وأوروميا وبني شنقول".

وعن تبعات المرحلة يضيف أنور "بعد توقيع اتفاق السلام الإثيوبي رأت إريتريا المتحالفة مع آبي أحمد أنها لم تحقق أهدافها فانقلبت عليه ليصبح أصدقاء الأمس أعداء اليوم، وتحالفت مع الأمهرا لكسب تحركات جديدة ضد جبهة تيغراي وفي الوقت نفسه ضد آبي أحمد، إذ إن للطرفين خططاً واستراتيجيات وطموحات كبيرة مستقلة".

المزيد من تقارير