70 مليون دولار خسائر غزة الشهرية... الفقر يتجاوز 85 في المئة

تعتقد الأمم المتحدة أنّ القطاع لن يكون مكاناً صالحاً للحياة مع نهاية العام 2019

فلسطيني يطالب بفك الحصار عن المصانع خلال وقفة احتجاجية على سوء الأوضاع الاقتصادية في غزة (اندبندنت عربية)

بأبواق السيارات بدأت المسيرة. طابور طويل من الشاحنات التجارية الكبيرة تجول في الشارع الرئيس لقطاع غزّة. وعلى طول الطريق، انطلقت صفارات الإنذار إلى جانب أبواق العربات، لتندّد بالخطر الكبير الذي يضرب القطاع الاقتصادي المتدهور منذ 14 عاماً، وبات على شفا الانهيار الكامل.

أبواق الشاحنات التجارية الكبيرة، كانت الإشعار الأوّل لبدء الإضراب التجاري الشامل في غزّة، الذي شَمَل إغلاق كلّ المحال والمنشآت والمصانع والورش، التي تصارع من أجل البقاء بأيد عاملة ضعيفة، قد لا تقوى على الاستمرار في تقديم أعمالها بسبب سوء الحياة التجارية والاقتصادية، وشبه انعدام السيولة.

كساد

يتزامن هذا المشهد مع عيد الأضحى، الذي يعتبره التجّار موسماً خصباً لتحريك مياه الحركة الشرائية في القطاع. لكن هذا العام لا حياة لتاجرٍ ولا لمواطنٍ، يقول التاجر عماد سعادة. "ففي موسم الحج وعيد الأضحى تكون الحركة الشرائية للمواطنين كبيرة، فالكل يعمل على تجهيز الهدايا للحجاج والاستعداد لذبح الأضاحي، وجزء آخر يقوم بشراء مستلزمات العيد. لكن هذا العام لم نشهد أيّاً من تلك الطقوس".

الكساد التجاري هذا العام لم يضرب قطاع غزّة فحسب، بل شمل الضفة الغربية أيضاً. ويعزو النائب جمال الخضري، رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، ذلك إلى استمرار الحصار الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزّة)، وإغلاق المعابر والمنافذ التجارية وحجز أموال المقاصة واستمرار أزمة الرواتب.

ويوضح الخضري أنّ نسبة البيع تراجعت إلى 50 في المئة في الضفة الغربية، وانخفضت إلى 80 في المئة في قطاع غزّة، إلى جانب أزمة سيولة حادة.

ولأن السلطة الفلسطينية ترفض استلام أموال المقاصة، بعد اقتطاع إسرائيل جزءاً منها، أصبح الموظف في الضفة الغربية يتلقى 60 في المئة من قيمة راتبه، فيما يتلقى الموظف التابع للسلطة في غزّة ما قيمته 40 في المئة من راتبه. ويقدر عدد هؤلاء بحوالى 75 ألفاً. أما موظفو حكومة "حماس" في القطاع فيتلقون 60 في المئة من رواتبهم، لكن كلّ 50 يوماً، ويقدر عددهم بحوالى 55 ألفاً. ويرى الخبير الاقتصادي مازن العجلة في ذلك انعداماً للسيولة وضعفاً للقوة الشرائية.

خسائر وذمم مالية

التراكمات هذه كبّدت القطاع الاقتصادي (الصناعي والتجاري) في غزّة خسائر مباشرة وغير مباشرة تصل إلى 70 ميلون دولار شهرياً، وفقاً للخضري، الذي أوضح أنّ ذلك أدى إلى ارتفاع كبير في نسبة البطالة. فهي تزيد عن 60 في المئة بين صفوف العمّال، ومئات الآلاف في صفوف الخريجين الجامعيين.

وعادة ما تعتمد المحال التجارية والمتاجر والورش والمصانع، على كمية النقد الموجودة في القطاع. ويشير الخضري إلى أنّ غزّة تشهد إغلاقاً يومياً لمحال تجارية ومصانع، فخلال سنوات الحصار أغلقت نحو 3500 منشأة، مع ما يعني ذلك من تراكم الخسائر وزيادة عدد المُتعطلين من العمل من عمال وفنيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويمكن رصد الكساد الاقتصادي من خلال المحاكم. ووفق معلومات حصلت عليها "اندبندنت عربية"، فإنّ 160 ألف قضية سجلت على بند الذمم المالية لدى محاكم قطاع غزّة. ويقول رئيس المكتب الفني ودائرة التفتيش القضائي في غزّة المستشار زياد ثابت إنّ جزءاً كبيراً من ملفات الذمم المالية يأتي في سياق مديونيات الناس، لتلبية الحاجات الأساسية، مثل الأكل والشرب وإيجارات المنازل، في حين أن جزءاً آخر منها لمديونيات تجارية.

يأتي ذلك منسجماً مع حديث الخضري، الذي كشف أنّ نسبة الفقر في قطاع غزّة تفوق 85 في المئة. إذ يحصل الفرد على دخلٍ يومي يصل في أحسن الأحوال إلى دولارين، الأمر الذي ينذر بكارثة كبيرة، ويحتاج إلى حلول جذرية تبدأ من إنهاء الحصار وفتح المعابر التجارية والسماح بحرية الاستيراد والتصدير ورفع قائمة الممنوعات، وربط غزة بالضفة الغربية عبر الممر الأمن.

تراجع المانحين

وكذلك أثّرت السياسة الأميركية المنتهجة ضد الفلسطينيين في الوضع الاقتصادي لغزّة، الأمر الذي انعكس بشكلٍ واضح على طبيعة عمل وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا). كما أوقفت دول عدة مساعداتها ومشاريعها في غزّة. ويبيّن الخضري أنّهم رصدوا تراجعاً كبيراً في دعم المؤسسات المانحة الإغاثية في القطاعات كافة وإسنادها.

ويعد العامان 2018 و2019 هما الأقسى على قطاع غزّة منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967. فحتى النصف الأوّل من العام الحالي، سجّلت خسارة أكثر من 420 مليون دولار أميركي، بينما تجاوزت الخسائر الاقتصادية، عام 2018، الـ 300 مليون دولار. ويؤكّد الخضري أنّ الحصار المستمر والممنهج يهدف بشكل أساسي إلى ضرب الاقتصاد الوطني الذي يمثل العمود الفقري للصمود.

خسارة القطاع الخاص تعد الأصعب، لأنّه المشغل الأكبر للأيدي العاملة في غزة، لكنه بات الآن يعاني من الكساد.

هذه الخسارة، تأتي منسجمة مع تحذيرات الأمم المتحدة التي تقول فيها إنّ قطاع غزّة مع نهاية العام لن يكون صالحاً للحياة، والجانب الاقتصادي فيه سيكون كارثياً، وجميع المؤشرات فيه توحي بالانفجار الضخم. لذلك، تعمل مع الوسطاء المصريين على الضغط على حركة "حماس" وإسرائيل من أجل تنفيذ التفاهمات التي ترمي إلى تخفيف الحصار وتحسين حياة المواطنين. لكن قد لا تنجح مع تلكؤ إسرائيل في التنفيذ، وفق عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية طلال أبو ظريفة.

المزيد من العالم العربي